2011-12-27

موريس بلانشو يكتب عن ثلاثية بيكيت

"أين الآن؟ مَن الآن؟"
مقال موريس بلانشو عن ثلاثية بيكيت

عن مجلة نوفيل ريفو فرانسيس*
أكتوبر 1953

ت: أمير زكى
ديسمبر 2011
عن ترجمة ريتشارد هوارد إلى الإنجليزية
من كتاب التراث النقدى المتعلق ببيكيت Samuel Beckett- The Critical heritage

موريس بلانشو (1907-2003)، روائى وناقد فرنسى، نشر عدة روايات، أشهرها (توماس الغامض)-1941، ولكنه مؤثر بشكل خاص بسبب أعماله النقدية كـ (عمل النار)-1949، (مساحة الأدب)-1955، (الكتاب القادم)-1959، و(الحوار اللامتناهى)-1960.

مجلة (العروض الفرنسية الجديدة) تأسست عام 1911، وتصدر حاليا بشكل فصلى. 
اقتباسات بلانشوت من ثلاثية بيكيت (مولوى، مالون يموت، اللا مسمى)

***

من الذى يقوم بالحديث فى روايات صمويل بيكيت، من هو هذا "الأنا" الذى يستمر فى تكرار ما يبدو دائما على أنه نفس الشىء؟ ما الذى يحاول أن يقوله؟ ما الذى يبحث عنه الكاتب – الموجود حتما فى مكان ما بالكتب؟ ما الذى نبحث نحن عنه – نحن الذين نقرأها؟ أم هل هو فقط يدور فى دوائر، يدور بغموض، مدفوعا بزخم الصوت الشارد، يفتقد إلى حد ما حس المركزية، ينتج أقوالا بدون بداية أو نهاية محددتين، إلا أنه شره، ومتطلب، لغة لن تتوقف، وتجد أنه من غير المسموح أن تتوقف، وبالتالى ستأتى لحظة الاكتشاف البشع: فعندما يتوقف الحديث، يظل هناك حديث، عندما تتوقف اللغة فهى تستمر، لا يوجد صمت، لأنه بداخل هذا الصوت، يتحدث الصمت للأبد. 

تجربة بلا نتائج، إلا أنها مستمرة مع نقاء متزايد من كتاب لكتاب عن طريق رفض كل المصادر، الواهنة فى ذاتها، والتى كان يمكنها أن تبرر الاستمرار.

إنها الحركة الروتينية التى تصدمنا فى البداية. نحن لا نجد هنا شخصا يكتب من أجل غرض الجمال (مهما كان من شرف هذه اللذة)، ولا هو بشخص مدفوع بالرغبة النبيلة التى يميل الكثيرون لتسميتها الإلهام (التعبير عن الجديد والمهم بدافع الواجب أو الرغبة فى استباق المجهول). إذن فلم يكتب؟ لأنه يريد الهروب من الروتين عن طريق إقناع نفسه إنه لا يزال مسيطرا عليه، أنه فى اللحظة التى يعلى فيها صوته قادر على أن يتوقف عن الكلام. ولكن هل هو يتكلم؟ ما هذا الفراغ الذى يصبح صوتا لرجل يختفى بداخله؟ أين سقط. "أين الآن؟ من الآن؟ متى الآن؟"

إنه يكافح- هذا بَيّن، أحيانا يكافح خلسة، كأنه يحاول إخفاء شىء عنا، وعن نفسه أيضا، بمكر أولا، ثم عن طريق هذا المكر العميق يكشف سره. الخدعة الأولى هى أن يضع بين نفسه وبين اللغة أقنعة محددة، وجوه محددة: "مولوى" هو كتاب لا تزال تظهر فيه شخصيات، حيث ما يقال يحاول افتراض الشكل المعروف للقصة، وبالطبع فهى ليست قصة ناجحة، ليس فقط بسبب ما تريد أن تقوله، وهو بائس بطريقة لا نهائية، ولكن بسبب أنها غير ناجحة فى قوله، ولأنها لن تقوله ولا تستطيع قوله. نحن مقتنعون بأن هذا المتجول الذى تعوزه وسائل التجوال (وإن كان لديه على الأقل قدمين، وإن كانتا تتحركان بشكل سىء- هو حتى لديه دراجة)، والذى يدور أبديا حول هدف غامض، مخفى، مكشوف، ومخفى مرة أخرى، هدف له علاقة بأمه الميتة والتى لا تزال تحتضر، شىء لا يمكن إدراكه، فى لحظة الوصول إلى هذا الشىء وهى بالضبط لحظة بداية الكتاب: ("أنا فى غرفة أمى. إنه أنا الذى يعيش هنا الآن")، يصبح مجبرا على التجول بدون توقف حوله، فى الغرابة الفارغة فيما هو مخفى والممتنع عن التكشف- نحن مقتنعون بأن هذا المتشرد هو لا يزال موضوعا لخطأ أعمق وأن توقفه وخطواته الخرقاء تحدث فى فضاء هو فضاء من الهواجس غير الشخصية، الهواجس التى تقوده إلى الأمام للأبد. ولكن لا يهم كم هو ممزق إحساسنا به. مولوى مع هذا لا يستسلم، يبقى كاسم، موضوعا داخل حدود محمية ضد الأخطار الأكثر إزعاجا. هناك بالتأكيد إشكالية فى مبدأ التفسخ بقصة "مولوى"، مبدأ لا يتقيد فقط بعدم استقرار المتجول، ولكنه يتطلب أكثر من ذلك بأن ينعكس مولوى، أن يتضاعف، أن يصبح آخر، المحقق موران، الذى يتبع مولوى بدون أن يقبض عليه على الإطلاق، والذى فى تتبعه يبدأ (هو الآخر) فى الدخول إلى طريق الخطأ غير المتناهى؛ الطريق الذى ما أن يسير فيه أى أحد لا يستطيع أن يظل نفسه، ولكنه ينقسم ببطء إلى أجزاء. موران، بدون معرفة ذلك، يتحول إلى مولوى، بالتالى يتحول إلى شخصية مختلفة تماما، مسخ يهدد أمن العنصر السردى وفى الوقت نفسه يقدم حسا مجازيا، وربما كان حسا مُحبِطا، لأننا لا نشعر أنه ملائم للأعماق المخفية هنا.

تظل "مالون يموت" تسير قُدُما بوضوح: فالمتشرد هنا ليس أكثر من محتضر، والمساحة المتاحة له لم تعد تقدم لنا جوانب المدينة بشوارعها الألف، ولا الهواء المفتوح بأفقه الذى يُظهِر الغابات والبحر، هذه الأشياء التى يظل "مولوى" يقدمها لنا؛ فلا يوجد شىء أكثر من حجرة، وسرير، وعصا يجلب بها الرجل المحتضر الأشياء إليه ويدفعها بعيدا، من أجل أن يوسّع دائرة عدم حركته، وفوق كل هذا هناك القلم الذى يوسّع ذلك أكثر إلى مساحة لا متناهية من الكلمات والقصص. مالون، مثل مولوى، هو اسم ووجه، وهو أيضا مجموعة من المسرودات، ولكن تلك المسرودات ليست مكتفية بذاتها، وهى ليست مسرودة لتنال قناعة القارئ؛ ولكن على العكس، فالاصطناع يظهر بشكل مباشر- القصص مُختَرعة. مالون يقول لنفسه: "هذه المرة أنا أعرف إلى أين أتجه... إنها لعبة. أنا سألعب... أعقتد أننى سأستطيع أن أحكى لنفسى أربع قصص، كل واحدة عن موضوع مختلف". لأى غرض؟ لسد الفراغ الذى يشعر مالون أنه يسقط فيه؛ لجعل الزمن الفارغ يصمت (هذا الذى سيصبح زمن الموت غير المتناهى)، والطريقة الوحيدة لجعله يصمت هو قول شىء بأى ثمن، أن تحكى قصة. بالتالى فالعنصر السردى ليس أكثر من وسيلة من أجل الخداع العام، ليصنع تسوية مزعجة تٌفقد توازن الكتاب، صراع الاصطناعات التى تفسد التجربة، من أجل أن تظل القصص قصصا بدرجة تامة. تألقها، وسخريتها الحاذقة، كل شىء يجعلها ذات شكل ومثيرة للاهتمام يفصلنا عن مالون، الرجل المحتضر، ويفصلها عن زمن موته، من أجل استعادة زمن السرد التقليدى ذلك الذى لا نصدقه والذى لا يعنى شيئا لنا هنا، لأننا ننتظر شيئا أكثر أهمية.

من الصحيح أن "اللا مسمى" هى قصص تحاول أن تظل حية: المحتضر مالون لا يزال لديه سرير، وغرفة- ماهود ليس سوى حطام إنسان موضوع فى جرة للتزيين إلى جانب مصابيح صينية. وهناك أيضا دودة، والذى لم يولد بعد؛ والذى وجوده هو لا شىء سوى قمع عجزه عن الوجود. وجوه مألوفة عديدة تمر، أشباح بلا أجساد، صور فارغة تدور بآلية حول مركز فارغ مشغول بالذات اللا مسماة. ولكن الآن تغير كل شىء، والتجربة، المستمرة من كتاب لكتاب، تصل لعمقها الحقيقى. لم يعد هناك أى سؤال عن الشخصيات الموجودة تحت الحماية المطمئة لوجود اسم شخصى، ولا أى سؤال عن السرد، ولا حتى الموضوع غير المُشكّل للمونولوج الداخلى؛ الذى أصبح عليه السرد هو كونه صراع، فما افترض أنه وجه، حتى لو كان وجه مُجزّأ، تراجع الآن. من الذى يقوم بالحديث هنا؟ من هو الذى حُكم عليه بأنه يتحدث بدون تأجيل. الوجود الذى يقول: "أنا مجبر على الحديث، أنا لن أكون صامتا، أبدا". باقتناع مطمئن، نجيب على ذلك بأنه: صمويل بيكيت. بالتالى يبدو أننا نقترب من أن نعرف أن المهم هنا هو موقف غير خيالى، هذا الذى يستدعى تمزق وجود حقيقى. تجربة الكلمة تحيل إلى ما تم اختباره حقا. وهنا أيضا نحن نحاول استعادة طمأنينة الاسم، وأن نضع "محتوى" الكتاب مرة أخرى فى المستوى المستقر، المستوى الإنسانى، حيث كل شىء يحدث يحدث تحت ضمانة الوعى، فى عالم يدخر لنا أسوأ انحطاط، المتجلى فى فقدان القدرة على قول "أنا". 

ولكن "اللا مسمى" هى تجربة تُدار وتعيش تحت  تهديد اللا شخصى، اقتراب من الصوت المحايد الذى ارتفع وفقا لذاته، والذى يخترق الرجل الذى يسمعه، هذا بدون حميمية، والذى ينفى أى حميمية، هذا الذى لا يُصنع من أجل أن يتوقف، هذا المستمر، الذى لا نهاية له.

إذن من الذى يقوم بالحديث هنا؟ ربما نحاول أن نقول إنه "الكاتب" إن كان هذا المسمى لا يحيل إلى القدرة والتحكم، ولكن على أى حال فالرجل الذى يكتب هو بالفعل لم يعد صمويل بيكيت بل الإلحاح الذى حل محله، سلبه وجرّده، وهزمه ليصبح ما هو خارج عن نفسه، وجعله وجودا بلا اسم، اللا مسمى، وجود بلا وجود، الذى لا يستطيع أن يحيا أو يموت، لا يستطيع أن يبدأ أو يتوقف، الموضع الفارغ الذى يرتفع منه الصوت الفارغ بلا صدى، مُقنّع، للأفضل أو للأسوأ عن طريق الذات المُفرّغة والمتألمة.

إنه المسخ الذى يكشف صفاته هنا، وفى عمق هذه العملية، يستمر البقاء الكلامى، الغامض، والآثار العنيدة، التشرد غير المتحرك، ويصرّون على الكفاح مع دوام لا يدل حتى على شكل من القوة، مجرد لعنة عدم القدرة على التوقف عن الكلام.

ربما هناك شىء مثير للإعجاب بكتاب يفصل نفسه بوعى عن كل المصادر، والذى يقبل بأن يبدأ من النقطة التى منها لا يمكن الاستمرار، إلا أنه يتقدم بعند بدون سفسطة ولا خداع على امتداد 179 صفحة، لتعرض نفس الحركة الخرقاء، نفس الحركة التى لا تتوقف، نفس الخطوة الجامدة. ولكن تظل هناك وجهة نظر القارئ الخارجى الذى يتأمل ما يعتبره تجربة فريدة. لا يوجد شىء مثير للإعجاب فى التمزق الذى لا مهرب منه عندما تكون ضحيته، لا شىء مثير للإعجاب فى كونك محكوم عليك بالروتين الذى لا يحررك منه الموت حتى، فأن تكون فى هذا الروتين من البداية فهذا يعنى أنه كان عليك أن تهجر الحياة. المشاعر الجمالية لا يتم البحث عنها هنا. ربما نحن لا نتعامل مع كتاب فى الأصل، بل مع شىء يتجاوز كونه كتابا. ربما نحن نقترب من الحركة التى تُستَخرَج منها كل الكتب، نقطة الأصل حيث العمل مفقود بلا شك، النقطة التى تدمر العمل باستمرار، نقطة عدم إمكانية التحقق الأبدية، التى على العمل أن يحافظ معها على علاقة مبدئية متنامية أو سيصير الخطر لا شىء على الإطلاق. ربما يقول المرء أن اللا مسمى محكوم عليه بأن يُجهد اللا متناهى. "ليس لدىّ شىء لأفعله، أو لأقوله، لا شىء على وجه الخصوص. علىّ أن أتكلم، بغض النظر عما يعنيه هذا. ليس لدىّ شىء لأقوله، لا توجد كلمات سوى كلمات الآخرين، علىّ أن أتكلم. لا أحد يجبرنى على ذلك، ليس هناك أحد، إنها مصادفة، حقيقة. لا شىء يمكنه أن يحررنى من ذلك، لا شىء، لا شىء يُكتشَف، لا شىء يُستَعاد، لا شىء بإمكانه تقليل ما تبقى لقوله، لدىّ محيط لأشربه، لهذا وُجد المحيط إذن". 

إنه اقتراب من الأصل الذى يجعل الخبرة أكثر خطورة، خطرة بالنسبة للشخص الذى يحملها، وخطرة بالنسبة للعمل نفسه. ولكنه أيضا اقتراب يؤكد أصالة التجربة، ذلك الذى يجعل الفن بحثا أساسيا، هذا عن طريق تقديم هذا الاقتراب لدليل فى قمة الخشونة والتجريد أن "اللا مسمى" لها أهمية بالنسبة للأدب أكثر من أكثر الأعمال نجاحا فى نوعها. حاول الاستماع لـ "هذا الصوت الذى يتكلم، والعارف بأنه يكذب، اللا مبالى بما يقوله، كبير جدا ربما أو مذلول جدا ودوما لا يكون قادرا فى النهاية على قول الكلمات التى ربما تجعله يتوقف". ويحاول أن يهبط إلى الموقع المحايد حيث تحاول الذات الاستسلام من أجل الحديث، من الآن تقع الذات فى الكلمات، فى غياب الزمان حيث عليها أن تموت موتا لا متناهيا: "...الكلمات فى كل مكان، بداخلى، حسنا حسنا، من دقيقة مضت لم يكن لدىّ كثافة، أنا أسمعها، لا حاجة لسماعها، لا حاجة لرأس، غير قادر على إيقافها، غير قادر على الإيقاف، أنا مكوّن من كلمات، مصنوع من كلمات، كلمات الآخرين، أىّ آخرين، المكان أيضا، الهواء، الجدران، الأرضية، السقف، كلها كلمات، العالم كله هنا بداخلى، أنا الهواء، الجدران، الشخص المنغلق، كل شىء يتجرد، ينفتح، ينحسر، يتكسر، مهما ذهبت أجد نفسى، أترك نفسى، أتجه لنفسى، أعود لنفسى، لا شىء على الإطلاق سوى نفسى، جزء من نفسى، مُستعاد، مفقود، متشرد، أنا كل هذه الكلمات، كل هؤلاء الغرباء، غبار الكلمات، بلا أرضية لتستقر عليها، بلا سماء تنتثر فيها، تتجمع معا للحديث، تفر الواحدة منها بعد الأخرى للحديث، بأننى هن، كلهن، هؤلاء الممتزجات، المتفرقات، اللواتى لا يلتقين، ولا شىء آخر، لا.. هناك شىء آخر، أننى مختلف تماما، شىء مختلف تماما، شىء بلا كلمات فى مكان فارغ، مكان قاس مغلق وجاف، حيث لا شىء يتحرك، لا شىء يتحدث، وأنا أسمع، وأنا أبحث، كحيوان محبوس ولد من حيوانات محبوسة، ولدت من حيوانات ولدت من حيوانات محبوسة..."

2011-12-18

فهمى لم يستشهد فى معركة حمقاء

"فقال أحمد...:
-         ... ليس ببعيد أن ننظر فى المستقبل إلى شهداء الوطنية كما ننظر الآن إلى ضحايا المعارك الحمقاء التى تنشب بين القبائل والأسر!
معارك حمقاء يا أحمق!، فهمى لم يستشهد فى معركة حمقاء، ولكن أين وجه اليقين؟. ورغم خواطره قال (كمال) بحدة:

-         أى قتيل فى سبيل شىء فوق نفسه فهو شهيد، وقد تتغير قيم الأشياء أما موقف الإنسان منها فهو قيمة لا تتغير.."

نجيب محفوظ
السكرية

2011-12-11

إلى محفوظ وإلىّ




العزيز نجيب محفوظ
بعد التحية

اليوم عيد ميلادك المائة، وعلىّ أن أقول لك كل سنة وأنت طيب، لم أعرف كيف أقولها لك بشكل لائق، ولكننى قررت أن أرسل لك رسالة.

هل تعرف عندما كنت موجودا بيننا لم أكن أشغل بالى كثيرا بضرورة مقابلتك، أو حتى أن أرسل لك رسالة مثلما أفعل الآن، لم أكن أقل احتفاء بك من الآن، بالعكس ربما كنت أكثر انغماسا فى عالمك، ولكنى كنت أشعر أنك حولى فى كل مكان، لست فى حاجة لاختراق بضعة بشر للوصول إليك، لأنك ببساطة كنت قد وصلت إلىّ واخترقتنى. ولكن لماذا أنا مهتم بإرسال هذه الرسالة اليوم؟، ربما للشعور بالذنب، كان من المفترض أن أحتفى بك وبمئويتك بشكل أكبر من هذا، أعرف أن الوطن كله كان بحاجة لأن يحتفى بك بشكل أكبر من هذا، والحجة لدى الجميع هى الثورة، ولكن ما لى أنا بحجج الوطن، أنت ملكى، أنت تخصنى، وهذا شىء أتيقن منه مع كل كتاب أشتريه لك، وكل كتاب أقرأه لك، وكل كتاب لك يؤثر فىّ. هل تعرف أنه رغم كل طنطنتى عن كراهيتى للآباء والمقدسات وغير ذلك إلا أننى لا أخجل من أن اعتبرك أبى الروحى، ولا أنكر أننى أعتبرك مقدسا، ولا يمر أى نقد يوجه لك بدون أن يغضبنى، هل تعرف كم شعرت بالسخط عندما انتقدك هذا الحيوان المتدين مؤخرا، السخط الذى يصل لمرحلة الصمت، كم كرهت الذين سألوا الحيوان عن رأيه فيك، كيف يطرحون الدرر أمام الخنازير، هؤلاء الحمقى، لمجرد الحصول على تصريح إعلامى لأى سبب كان. 

ولكن لا بد أن أكون صريحا معك، ليس الشعور بالذنب وحده هو مبررى لإرسال هذه الرسالة، وليس فقط مناسبة مرور مائة عام على ميلادك وكون هذا رقما مميزا، أنا فى النهاية مثل الجميع شخص أنانى وأفكر فى نفسى أولا وكثيرا، فبعد أسبوع من الاحتفال بمئويتك، سيمر على ميلادى رقم مميز أيضا، سأكمل 25 عاما، ربع قرن، ربع وجودك يا سيدى، كم عاما مر منهم وأنا أعرفك، ربما 10 سنوات أو أكثر، أنا تربيتك يا سيدى، أنا صنيعتك، كل شىء عرفته عن العالم عرفته من خلالك، كل شىء بدأ معك، لا يمكنك أن تتملص من المسئولية، وليس من المفترض أن تعتبرنى مهووسا. ولأنك أبى، ولأنك المسئول عنى وعما صرت إليه، ولأن وجودك أكمل المائة عام، ولأن وجودى سيكمل الخمسة وعشرين عاما، ولأننى فى مرحلة ضغط نفسى وحساب عسير، فأنا لن أجد أفضل من هذه فرصة ولن أجد أفضل منك لأتحدث معه. أنت الشخص الوحيد الذى سيفهمنى حتى لو تعثرت فى التعبير، كما اعتدت أن أتعثر.

منذ بدأت قراءتك تأثرت بعلى طه وأحمد راشد وأحمد شوكت، كنت أريد أن أكون شخصا مثلهم جميعا، ولكن لماذا لم أصر سوى كمال عبد الجواد؟، هل لأنه الأشبه بك فى شبابك، هل لأنه الأشبه بى بين شخصياتك؟، حتى فى ملامحه الشكلية، حتى يوم ميلاده يتبعنى بيومين، لم أعرف هل جاءت المسألة تلقائية، أم أننى بطريقة ما أردت أن أرى العالم من منظاره، أو أننى فى الحقيقة أرى العالم من منظارك أنت، اضطرابى الدينى تماشى مع أفكار كل شخصياتك السابقة، ولكن ارتباك كمال لم يبارحنى قط. ربما الآن أعتقد أننى بلا مشاعر دينية على الإطلاق، قد أرفع صوتى فى الصلاة عندما أكون فى الكنيسة، ولكن الأمر يكون أشبه برفع صوتى أثناء حفلة غنائية، ولكنى لست بلا مقدسات كما أبدى معظم الوقت، فلقد أخبرتك أنك شخصيا مقدس بالنسبة لى.

لم يشتبك اضطرابى الدينى أو نظرتى للوجود بحب امرأة مثل كمال، ولكن نظرتى للمرأة أيضا لم تخل من وجودك، كل فتاة أحببتها من طرف واحد كانت "عايدة" بالنسبة لى، مع نهاية العام السابق وبداية الحالى اختلطت عايدة بسوسن حماد فى فتاة أحببتها، عايدة الحب من طرف واحد، وسوسن حماد لأننى شعرت من أول وهلة أننى أمام نفس الشخصية، حتى بملابسها التى تظهر ذراعيها، شخصياتك تخدعنى يا سيدى. فى منتصف العام وجدت نفسى فى موقف صابر الرحيمى، مع الفارق بالطبع، حائرا بين كريمة وإلهام، انتهى الموقف بالاضطراب الذى يليق به. أحاول الآن تبادل حب هادئ شبيه بى، ولكن لم يعد من الممكن التخلص من طنين هذا السؤال: متى سأُترَك؟ رغم ما يقال عن نظرتك السلبية للمرأة، إلا أن جل شخصياتك يكونون فى حاجة ملحة إليهن، أنا أيضا، أصبحت ضعيفا بما يكفى لأن أكون بحاجة ملحة إليهن، هذا يزعجنى، ويزعجنى أكثر أن يتضاعف هذا الاحتياج. 

لن أستطيع أن أكون مثلك يا سيدى، أقضى صباى مع بنات الليل وأنهى حياتى بحياة زوجية مستقرة، أنا لم أستطع أبدا أن أكون مثلك، رغم أننى حاولت، هل تعرف أننى دخلت قسم الفلسفة من أجلك؟، قد أجلس مع من يعتبروننى مثقفا وأقول أننى أقتفى أثر هذه الأسماء من الشرق ومن الغرب، ولكنى لم أفعل ذلك إلا لكى أكون مثلك، ولكنى أنظر لما أنا عليه الآن، صحفى يحاول ألا يفقد علاقته بالأدب، لا أريد أن أنظر لهذا بكثير من الأسى، هذا العام كان الأنجح عمليا، ولكنى أذكر حديثك مع رجاء النقاش عن كيف أضاعت الصحافة موهبة كاتب مثل المازنى. ولكنك دائما الشخصية الجبارة التى لا نستطيع الوصول إليها، فعلت كل شىء، كتبت للسينما وللصحافة وعملت موظفا فى أكثر من مؤسسة، ولكنك ظللت الأديب الكبير، كنت ماهرا فى تنظيم وقتك هذا الذى أفشل فيه مرارا. يعزينى أنك بدأت تنشر فى وقت متأخر، هل يمكن أن أحتذى خطاك حتى ولو فى هذه التفصيلة الصغيرة؟ كل المؤشرات تقول إننى تأخرت جدا، فى كل شىء، ونحن فى عصر آخر، وأنا لست مقتنعا أنه بكونى ترجمت هذا المقال أو ذاك يمكننى التساوى بفؤاد جميل الحمزاوى وكيل نيابة الدرب الأحمر، كم فؤاد فى حياتى لأغار منه يا سيد محفوظ، أنا لا أستطيع العد.

مثقفو مصر لم يحتفوا بالشكل الملائم بمئويتك، لم يفعل أحدا ما كان مخططا له وكنا نسمعه فى العام الماضى، الكل تراجع، أنا أيضا لم أجتهد بما يكفى، هناك حجة الثورة، ولكنى كنت أعرف أن أحدا لن يفعل شيئا حقيقيا حتى بدون الثورة. هل كنت ستسعد بالثورة يا سيدى؟، أتوقع أنك كنت ستتعاطف ولكنك كنت ستقف صامتا وبعيدا. فى الـ18 يوما الأولى كنت أشعر أننى داخل قصة سارق النغمة من روايتك "الحرافيش"، كنت أشعر ببهجة مبطنة لأننى داخل قصة من قصصك، أنا جلدى كثيف جدا تجاه الوطن، ولكنى استخسرت عدم المشاركة، لِم يكون لديك ثورة 19 لتكتب عنها وتنبهر بها ولا يكون لدىّ ثورة مثلك؟، ولكن الفارق مفزع، لقد شهدت ثورة 19 صغيرا والانطباع الذى تبقى لديك كان مثالية الثورة دون تعثراتها، أما أنا فأرى التعثر بشكل يومى، وعزلتى لا تسمح لى بالتفاؤل.

دائما أنت معى يا سيدى، أفكر فيك وفى شخصياتك فى كل خطوة أخطوها أو لا أخطوها، لذلك أعتبرك مسئولا عن إفساد حياتى أيها المقدس، أيها الرجل الذى أتمثله وأحاول فاشلا السير على خطاه، فى الحقيقة أنت أكبر فؤاد حمزاوى أغار منه، أنت الذى يمكننا جميعا أن نكونه ولا نستطيع. يا سيدى، يا أبى الروحى.
ميلاد سعيد أينما كنت.

قارئك المخلص
أمير ز.

2011-12-06

"أنا لما أعد قادرا على الكتابة عن": خطابات صمويل بيكيت 1941-1956

مقال لستيفن ميتشلمور
ت: أمير زكى
ديسمبر 2011

جزيل الشكر لستيفن ميتشلمور لسماحه بالترجمة
Many thanks to Stephen Mitchelmore who permitted to translate his post

***

قريبا سيتكرر الحديث عن طلب بيكيت بأن وحدها الخطابات التى لها علاقة بأعماله هى التى يمكن أن تنشر بنفس قدر طلب كافكا من ماكس برود. الفارق هو أننا غالبا سنأسف لأن منفذى وصية بيكيت لم يكونوا غير مخلصين جدا لها. بغض النظر عن الثراء الذى تضمه الخطابات فسوف نتساءل دائما عن تلك المتعلقة بحياته. على كل حال فالمجلد الأخير يركز على طبيعة هذا التساؤل الضرورية والتى لا يمكن تجنبها.

غلاف المجلد الثانى يقول إن الخطابات تغطى الفترة من 1941 حتى 1956، إلا أن الخطاب الأول يعود لتاريخ 17 يناير 1945. السنوات المفقودة كانت سنوات الحرب التى عاش بيكيت معظمها عاملا فى مجتمع زراعى فى عمق "المنطقة الحرة" هاربا من باريس المحتلة وقد كان على وشك الاعتقال. من هناك كان يبعث بطاقات بريدية لأسرته فى أيرلندا، لم يتلقونها، وفى 12 يناير 1941 أرسل خطابا داخل بطاقة لجيمس جويس. ما الذى تحتويه؟ لا نعرف. فجيمس جويس مات فى اليوم التالى.

إن لم يكن لدينا معرفة مباشرة لما اختبره بيكيت فى هذا الوقت، فهو يظل مفهوما بشكل غير مباشر. الكاتب الشاب الواعد ذو الحماس القلق تحول إلى شخص أهدأ، شاعرى بدرجة حادة ولكن أقل ميلا للمبالغة، أكثر تسامحا مع الكتاب المحايدين وأكثر تركيزا على الكتابة، الكتابة فحسب. الذى جعل مهمة المحررين شاقة بشكل خاص (وذلك يتضمن إقناع الأوصياء بالنشر) هو تحفظ بيكيت على مناقشة تفاصيل أعماله. عندما كان يذكر أعماله كان يبدو متمنعا بشكل حاد. لذلك فبدلا من أن أقدم عرضا للخطابات، فسوف أركز على هذه الغرابة الظاهرة.

هذا غريب لأن بيكيت كان متعلما ومثقفا بشكل استثنائى – الخطابات إلى جورج دوثويت، الذى كان الملمح الرئيسى فى المجموعة، تعتبر دليلا كافيا على الأمرين – وقبل الحرب كان ينشر المقالات النقدية، ومن ضمنها دراسة عن بروست. وهناك دليل قوى على تعليمه المتنوع فى رواياته أيضا: مولوى مثل الأنثروبولوجيا بسبب "الملكة المستمرة للسلب". لا توجد براءة إلهية فى العمل. المرء يتوقع أن يجد خطابا واحدا على الأقل يظهر القرارات الصغيرة التى تمت أثناء "الحصار داخل الحجرة" الشهير بينما كان يكتب "مولوى" و"مالون يموت" و"اللا مسمى". إلا أن أقرب ما يصل إليه هو التعليق على إمكانية العمل ككل: "هذا العمل هو كل كامل، فقط طالما يتعامل المرء مع استحالة الاستمرار كشىء مسلم به". هذا كثير، على الأقل، بالنسبة لتشاؤمية بيكيت المزعومة. ما يقوله لمترجمه الألمانى هانز نومان يوحى بأنه لم يكن شيئا جديدا: عندما كان يقابل جيمس جويس كانا "نادرا ما نتكلم فى الأدب، هو لم يكن يحب فعل ذلك، ولا أنا".

كان عليه أن يكون أكثر انفتاحا مع المسرحيات: بينما كانت "فى انتظار جودو" قيد الإنتاج، عرف منه المخرج روجر بلين "روح المسرحية.. وهى أنه لا شئ أكثر عبثية من التراجيدى". خلافا لذلك فهو تجنب كل طلبات الشرح والمقابلات وأصدر تصريحا وحيدا عن علاقته بالمسرحية: "كل ما كنت قادرا على فهمه أظهرته". الصمت إذن كما يزعم بيكيت ليس سببه بأنه لديه أى شىء يخفيه، وإنما سببه الجهل. "ربما يمكنك أن تضعنى ضمن تصنيف البائسين هؤلاء الذين إذا كان باستطاعتهم الفعل بوعى كامل بما يفعلونه، فهم لن يفعلوه". هل هذا تخابث؟ الإجابة، التى ربما تكون نعم أو لا، من الممكن أن تظهر الطبيعة المختلفة للا-منهجية بيكيت.

فى اللحظة التى أصبح شهيرا فيها، تلقى بيكيت خطابات من سائلين فضوليين عن أصول أعماله. يقول هانز نومان مرة أخرى: "هل أعمال كافكا لعبت أى دور فى حياتك الروحية؟". هو اعتذر من رده: "أنا لا أريد أن أبدو مقاوما للتأثيرات. أنا فى الحقيقة لاحظت أننى كنت دائما قارئا سيئا، غير منتبه بشكل لا يمكن علاجه، أبحث عن شىء فى مكان آخر. وأعتقد أنه يمكننى القول، بدون نية التناقض، أن خبرات القراءة التى أثرت فيّ بشكل أكبر هى التى أرسلتنى بشكل أفضل إلى هذا المكان الآخر". ويقول عن قراءة كافكا: "شعرت أننى فى وطنى.. بشكل كبير". هو لم ينه "القلعة" لأنها لم ترسله إلى مكان آخر: "أذكر أننى شعرت بالانزعاج من الجانب الهادئ فى كتابته. أنا أتحفظ على الكوارث التى تدع نفسها تُسجّل كحوادث تقريرية". 

وكما يلمح ذلك، فالخطابات المتعلقة بأعماله تكون أكثر قوة حينما ينظر بيكيت بعيدا. والحقيقة فهو يكون أكثر تعبيرا فقط كأقصى ما يكون بيكيت عندما يتحدث عن شكل فنى مختلف تماما. رسوم برام فان فيلد، كما قال لدوثويت هى "الحبل السرى للمستحيل". ففنه "جديد لأنه الأول الذى يجرد العلاقات من كل أشكالها. إنه ليس علاقة مع هذا أو ذاك النظام المتضاد الذى يرفضه". كما يقول "ولكن حالة الوجود فى علاقة كما هى، حالة أن تكون فى المواجهة". بهذا نستطيع أن ندرك الانسحاب الذى يرتبط به سرد بيكيت والذى يختبره القارئ. 

"أنا أفكر دوما فى الرسوم الأخيرة، معجزات من العجز المهتاج، إلى جانب جمال وروعة كحطام سفينة من الضوء الفسفورى، هى هكذا أدبية تماما طوال حياة المرء، مع طرق عظيمة متسعة حيث كل شىء يندفع ويعود مرة أخرى، إلى جانب الهدوء المحطم للعمق الحقيقى".

بيكيت يقر بما نشك فيه: "حاملا فى الذهن أنه أنا الذى يتكلم عن نفسه بالكاد، يتكلم عن أشياء أخرى قليلة". 
 هو وصل لأن يطلق على برام فان فيلد رفيقه الروحى: "كلما نزلت لأسفل، كلما شعرت بأننى إلى جانبه تماما، وأشعر كم أن مغامرتنا، بالرغم من الاختلافات، تتشابه، فى التجاهل وفى الأسى".
 
سبب صمت بيكيت الجدلى بعد الحرب يمكن أن يعبر عنه بأفضل شكل بما ينهيه فى خطابه لفان فيلد: "أنا لم أعد قادرا على الكتابة عن". مثل هذه الفكرة، مثل هذه الكتابة، هى مجرد علاقة. فالتناقض المتضمن فى إطلاق هذه التصريحات لا يمكن أن يمر بدون أن تلاحظ: "أن تكتب فهذا مستحيل، إلا أنه مستحيل بما يكفى". هناك أيضا الحاجة إلى الكلام. كتب إلى توماس مكجريفى عن "شعور عدم القدرة على التصرف... وعدم القدرة على الكلام، وعدم القدرة على الاستقرار أيضا كما أعتقد، تجاه الأعمال الفنية".

فى المقابل، فإشارة بيكيت للأدب المعاصر قليلة ومتباعدة زمنيا فيما بينها: هو أعجب برواية سالينجر "الحارس فى حقل الشوفان" "أكثر من أى شىء من فترة طويلة". على أى حال فبالنسبة لى فالكشف العظيم للخطابات هو تعامله من آن لآخر مع أعمال موريس بلانشو. مبكرا وفى أكتوبر 1948، هو ذكر استلام مقال غير محدد تم بعثه من قبل دوثويت، غالبا من أجل الترجمة. بعد ثلاث سنوات ترجم بيكيت فقرات مما سيكون مقال "منطق ساد" ومقدمة كتاب "سقطة" الذى صادف وتضمن هذه الفقرة:

"الكاتب يجد نفسه فى وضع عبثى متزايد بسبب أنه ليس لديه شىء ليكتبه، وليس لديه وسيلة عن طريقها يكتبه، وبكونه مقيد بالحاجة المطلقة الدائمة لكتابته". 

قارن ذلك بالفقرة الشهيرة فى "الحوارات الثلاثة" التى كتبها مع دوثويت:

"لا يوجد شىء يمكن التعبير عنه، لا شىء بواسطته يمكن التعبير، لا شىء من خلاله يمكن التعبير، لا توجد قدرة على التعبير، ولا رغبة فى التعبير، كل هذا مع حتمية التعبير".

لا يوجد أثر متبق من هذه الترجمات، ولا حتى اسم الجريدة المفترض نشرها فيها. فى أبريل عام 1951، هو ترجم أيضا مقال "خطاب هولدرلين المقدس" الذى جمع فى كتاب بلانشو "أعمال النار"، وكان يشكو من مقاطع هايدجر "المترجمة بشكل سىء جدا". ولكن لم يبق لذلك أثر أيضا. فى نفس الشهر، نشرت "مولوى" ورشحت لجائزة النقاد تلك التى كان بلانشو محكما فيها. هو تحمس للرواية "بدون تحفظ" وحاول إقناع اللجنة لإعطاءها الجائزة. كتبت سوزان شريكة بيكيت لجيروم ليندون قائلة: "أن يتم الدفاع عنه من قبل شخص كبلانشو فهو الشىء المهم عند بيكيت، بغض النظر عن النتيجة". فى عام 1954، عندما كان بيتر سوركامب يعد عددا خاصا ببيكيت وطلب عروضا باللغة الفرنسية، أخبره بيكيت بأن عروض موريس نادو وجورج باتاى هى الأفضل "ولكن الأهم على الإطلاق، بالنسبة لى، هو المقال الأخير لموريس بلانشو". وهو كان يقصد مقاله "أين الآن؟ مَن الآن؟" الذى نشر فى مجلة "لا نوفيل ريفيو فرانسيس" فى أكتوبر عام 1953. هذا هو أقصى تعليقه، وهذا مفهوم بسبب رسمية الخطاب، إلا أنه لم يذكر المقال فى رسائل أخرى، أو كرد على طلب تحليل نصوصه. وإن كان هذا التحفظ غير خادع، فربما نجد سببه فى كلمات بلانشو:
"الذى يباغتنا لأول وهلة هو أن الشخص هنا لا يكتب من أجل الغرض المستحق وهو إنتاج كتاب جيد. ولا يكتب كرد فعل على الدافع النبيل الذى نطلق عليه الإلهام، ولا ليقول شيئا محددا هو بحاجة لقوله، ولا لأن هذه وظيفته، ولا لأنه يأمل عن طريق كتابته بأن يصل للمجهول. هل عليه إذن أن يقوم بذلك؟... ما هو هذا الفراغ الذى يصبح خطابا داخل ماهية هذا الذى يستغرق فيه؟" (ترجمة إلى الإنجليزية: ساشا روبينوفيتش).

الفراغ بالتالى من الممكن أن يكون سلبية مذهولة، استغراق فى مكان آخر:

"الفن يحتاج ممن يمارسه أن يدمر نفسه من أجل الفن، عليه أن يكون شىء آخر، وليس مجرد شخص آخر، لا يتحول فقط من الإنسان الذى كانه إلى الفنان صاحب الواجبات والتضحيات والاهتمامات الفنية، ولكن إلى لا أحد، مساحة فارغة متحركة، حيث يتم الاستماع لكل ما يستدعيه الفن".

ما الذى على الكاتب أن يفعله ليسد هذا الفراغ؟ إن بحثنا فى الخطابات من أجل أن نجد سر بيكيت فنحن نخون إعجابنا واحتياجنا. السؤال الذى يدعى البراعة عليه أن يتجرد من البحث عن إجابة. واحد من آخر الخطابات فى هذا المجلد موجه إلى كاتب شاب يبحث عن الإرشاد والعزاء من الكاتب الذى يقدره، فيقول لروبرت بينجيت: "لا تفقد إصرارك.. صِل نفسك باليأس وغنه من أجلنا".

فى مقال "الكل نحو النهاية" وهو إسهامه فى تأبين بيكيت، يتذكر بلانشو فشل رواية "مولوى" فى الفوز بجائزة النقاد، ويشير إلى سذاجته وهو يحاول تنبيه أعضاء النخبة الأدبية لاستحقاقها. روايات بيكيت الأولى، كما يقول، كانت "غريبة على مصادر الأدب". حتى اليوم المرء لا يستطيع أن يتخيل أن تحصل مثل هذه الرواية على أى شىء سوى تصنيف "لا يمكن قراءتها". يقارن بلانشو بين الميل المسرحى فى رفض سارتر لجائزة نوبل وبين ابتعاد بيكيت: "هو لم يقبل ولم يرفض جائزة ليست موجهة لعمل بعينه (لا يوجد عمل بعينه عند بيكيت) ولكنها ببساطة محاولة لضم هذا الصوت أو الهمهمة أو التمتمة والمهدد دائما بالصمت إلى حدود الأدب". الملامح الجانبية تؤكد اللا طمأنينة: "لا يوجد عمل عند بيكيت". يكمل بلانشو ويشير إلى عمله "انتظار النسيان": "'طالما كان بيكيت يرغب فى معرفة نفسه فى هذا النص". هل يعنى هذا أن بيكيت كان يراسل بلانشو؟ ماذا اكتشف عنه بلانشو أيضا؟ ربما المجلدين الثالث والرابع يعلمونا عن ذلك.

2011-11-27

منتصف لعبة صمويل بيكيت


منتصف لعبة صمويل بيكيت
مقال لدنيس دونوهيو*
* دينيس دونوهيو يدرّس الأدب الإنجليزى والأيرلندى والأمريكى بجامعة نيويورك



ت: أمير زكى
نوفمبر 2011

المقال مكتوب بمناسبة صدور المجلد الثانى من الخطابات المختارة لصمويل بيكيت

***

صمويل باركلى بيكيت ولد فى فوكسروك بجنوب دبلن، فى ربيع 1906، هناك خلاف عن التاريخ الدقيق لميلاده. مات فى باريس فى 22 ديسمبر 1989. فى فترة 60 عاما كتب أكثر من 15000 خطابا. محررو "خطابات صمويل بيكيت" يخططون لنشر اختياراتهم لـ2500 خطابا كاملا، والإشارة إلى 5000 آخرين فى شروحاتهم الضخمة، فى أربعة مجلدات. الخطابات المكتوبة بالفرنسية منشور أصلها ثم يترجم ذلك للإنجليزية. المجلد الأول الذى يضم الخطابات من 1929 حتى 1940، نشر فى 2009.

العنوان الفرعى للمجموعة الجديدة "المجلد الثانى: 1941-1956" مضلل قليلا. فلسبب وجيه لا توجد خطابات فى الفترة ما بين 10 يونيو 1940 و17 يناير 1945. فى 12 يونيو 1940 وقبل يومين من احتلال الجيش الألمانى لباريس، بيكيت وشريكته – التى أصبحت زوجته بعد عدة سنوات - سوزان ديكوفو دومينيل تركا المدينة متجهين أولا إلى منطقة حكومة فيشى ثم بعد ذلك إلى بلدية أركاكون، حيث أجبرا على العيش لمدة ثلاثة أشهر. فى منتصف سبتمبر خاطرا بالعودة لشقتهما بباريس. فى 1 سبتمبر 1941، شارك بيكيت فى المقاومة، وهى خلية عمليات تنفيذية بريطانية خاصة. كانت وظيفته هى استقبال وكتابة الرسائل عن حركة القوات الألمانية، هذه الرسائل التى كان تبعث بعد ذلك للبريطانيين. فى سبتمبر 1942 وعندما تم الإرشاد عن الخلية، هرب بيكيت وسوزان إلى فرنسا غير المحتلة، وبعد أسابيع ممتلئة بالتقلبات، استقرا فى بلدية روزيلان دابت بمحافظة فوكلوز، وظلا هناك لعامين حتى تحرير باريس فى 25 أغسطس 1944. ليس من المفترض أن نسأل عن خطابات مرسلة أو متلقاة آنذاك. فى 12 أكتوبر عام 1944، عاد بيكيت لشقته. أول خطاب فى المجلد الثانى يعود تاريخه لـ17 يناير 1945.

سنوات باريس التى تلت الحرب كانت شديدة الصعوبة. بيكيت وسوزان كانا فقراء تماما. المال الذى تركه له أبوه تضاءل إلى حد كبير فى الوقت الذى وصلا فيه إلى فرنسا. كيف كتب أى شئ فهذا أمر عجيب. كتب روايته "وات" أثناء الحرب، ولكن جعلها تنشر فهذه كانت مأساة، فقد أخذت أعواما. فى مارس 1949 وللهرب من ضوضاء باريس، استأجر بيكيت وسوزان غرفة بلا مقابل تقريبا فى أوسى سير مرن، وهى قرية تبعد حوالى 35 ميلا من باريس. هناك كان بإمكانه أن يكتب، وفى أوقات الظهبرة كان يزرع الأشجار بالحديقة، ويسير طويلا مع سوزان. فى 1 يونيو عام 1949 كتب لصديقه جورج دوثويت:

"فى إحدى الأمسيات كنا عائدين إلى أوسى، وعند شروق الشمس فجأة وجدنا أنفسنا محاطين بحشرات غريبة، ذبابات مايو على ما أعتقد. كن جميعا يتجهن نفس الاتجاه، يسرن بالضبط على الطريق، بنفس سرعتنا. لم يكن هذا انتحاء شمسيا لأننا كنا نتجه للجنوب. فى النهاية اكتشفت أنهن كلهن متجهات نحو نهر المارن، لتأكلهن الأسماك، بعد أن يمارسن الحب على سطح الماء.

حياته بدأت تتيسر قليلا فى عام 1950: توفت أمه وتركت له بعض النقود. والأهم من هذا أن رعاه جيرومى ليندون من دار نشر إيديسيون مينوى، الذى لم ينشر كتبه فحسب، ولكن كان يتصرف كوكيله المخلص. نشرت الروايات على فترات قصيرة: "مولوى: (1951)، "مالون يموت" (1951)، "اللا مسمى" (1953). و"وات" ظهرت متأخرة فى عام 1953. ولكن الحدث الحاسم كان هو العرض الأول لـ "فى انتظار جودو" فى مسرح دى بابيلون بباريس فى 5 يناير عام 1953. بعد هذا: طوفان من الشهرة، بعض الثروة وفى 1969 جائزة نوبل.

عقليا، فأكثر الدوافع أهمية فى حياة بيكيت أثناء سنوات المجلد الثانى كانت صداقته بدوثويت. أول خطاب له يعود لتاريخ 27 مايو 1948، ولكنهما كانا صديقين من قبل ذلك. المراسلات بينهما كانت مستمرة حتى 2 مارس 1954 حيث قلت إلى أن انتهت. دوثويت كان محرر جريدة "ترانزيشن" التى أعيد إحياءها، وهى مجلة باللغة الإنجليزية تعنى بالثقافة الفرنسية بشكل أساسى. هو كلف بيكيت بترجمة مقالات من الفرنسية للإنجليزية ولمراجعة الترجمات التى يقوم بها الآخرون. دوثويت كان ناقدا، وخبيرا بالرسم الفرنسى والأمريكى المعاصر بالإضافة إلى الفنين البيزنطى والشرقى. بيكيت لم يكن يعتبر نفسه ناقدا، وإن كان قد نشر كتابا قصيرا عن بروست وعدد من المقالات والعروض التى تحوى رؤاه. ولكن من آن لآخر يجد نفسه منجذبا للحديث عن نظرية الفن وعن إشكالية اللغة، مثلما حدث عن طريق صديقه أكسل كون، الذى انتزع ردا من بيكيت عن اللغة فى 9 يوليو 1937:

"طالما أننا لا نستطيع أن نرفضها مرة واحدة، فعلى الأقل نحن لا نريد شيئا غير مكتمل ليزيد من سوء سمعتها. علينا أن نحفر فيها حفرة بعد الأخرى حتى يبدأ ما هو رابض بالأسفل، سواء كان هذا شىء أو لا شىء، بالتسرب – أنا لا أستطيع تخيل هدف أسمى بالنسبة للكاتب فى هذه الأيام".

وعن طريق المترجم هانز نومان الذى تلقى خطابا من بيكيت فى 17 فبراير عام 1954 يتضمن الجملة الشهيرة: "فى كل الأحوال سأعطيك إشارة واحدة: الحاجة لتكون غير مستعد".

فى الشهور الأولى من عام 1949، بيكيت ودوثويت كانا مأخوذين جدا برسوم صديقهما بارم فان فيلد، وهو فنان ألمانى كان يقيم فى باريس. بيكيت كان معجبا برسومه بشكل كبير، ودوثويت كان أقل من ذلك. المشكلة كانت هنا: كيف تكتب عنها، وتعلى من شأنها. بيكيت عادة كان ينظر إلى إحدى الرسوم لمدة ساعة، بإعجاب كبير، ولكنه لا يجد شيئا ليقوله عنها ربما باستثناء: "رائع.. رائع". النظر لرسوم فان فيلد، على الأقل لمرة دفعه للوصول لنغم البهجة. كتب لدوثويت فى 10 سبتمبر 1951:

"أنا أفكر دوما فى الرسوم الأخيرة، معجزات من العجز المهتاج، إلى جانب جمال وروعة كحطام سفينة من الضوء الفسفورى... مع طرق عظيمة متسعة حيث كل شىء يندفع ويعود مرة أخرى، إلى جانب الهدوء المحطم للعمق الحقيقى".

ولكن بيكيت اكتشف سريعا بأنه عندما يكتب عن فان فيلد فهو يكتب عن نفسه أو يحاول أن يضع فان فيلد فى مكانه. ككاتب طليعى، بيكيت كان ينتقد الولاء البرجوازى؛ الحديث عن التعبير والتواصل، الماضى، الاستعارات القديمة، الأحداث القديمة، "هزلية العطاء والتلقى". فى "الحوارات الثلاثة" التى كتبها مع دوثويت فى عام 1949، تحدث عن أفضلية "التعبير عن أنه لا شىء يمكن التعبير عنه، لا شىء بواسطته يمكن التعبير، لا شىء من خلاله يمكن التعبير، لا توجد قدرة على التعبير، ولا رغبة فى التعبير، كل هذا مع جبرية التعبير". برام فان فيلد كان الرسام الأول، وفقا لبيكيت، "التى تتجرد رسومه، قل تتخلص، من الحدث بكل صوره وأشكاله، المثالية مثلها مثل المادية، والأول الذى لم تتقيد يديه بيقينية أن التعبير هو فعل مستحيل". 

الخطابات إلى دوثويت – وخاصة خطاب 9 مارس 1949 – تظهر أن بيكيت كان يثقل دماغه بهذه المتناقضات، ويتمنى أن يتخلص منها، وبالتأكيد فقد كان ممتنا لدوثويت الذى ساعده فى الحفاظ على نفسه. فهما ناقشا أسئلة أخرى: ماذا ينبغى أن يتم مع "جودو" الآن، وكيفية إنتاجه على المسرح. بيكيت كتب المسرحية بسرعة، بين أكتوبر 1948 ويناير 1949ـ ودوثويت ساعده بهذه التفصيلة:

"أنا استوعبت حقا ما قلته عن ملاحظات العرض. هذا سيساعدنى، هى ساعدتنى حقا. أنا أنظر إليها إلى أنها تحمل خبثا كبيرا، كما فى الظل الساخر لشجرة لا تستطيع حتى أن تشنق نفسك عليها".

وفى موضع آخر: "فى "جودو" هناك السماء التى هى مجرد سماء بالاسم، هناك الشجرة التى تجعلك تتساءل إن كانت كذلك، فهى صغيرة وذابلة. أنا أود أنا أراها مقامة بأى طريقة، مجردة بشكل محبط كما الطبيعة، بالنسبة لاستراجون وفلاديمير، مكان للمعاناة، مسيل للعرق والنتانة، حيث ينمو نبات اللفت أحيانا، أو ينفتح الخندق".

هناك أكثر من ذلك، ولكن فى النهاية – مارس 1954 – طلب بيكيت من دوثويت أن يكف عن الشرح والتوضيح. فكما قال: هو ليس مؤهلا لهذه الوظيفة. وقال عن رسوم جاك ييتس: "حتى بالنسبة لهذ الرجل الكبير الذى أحبه وأحترمه، أنا لا أستطيع على الإطلاق أن أتهيأ لنسيان نفسى قليلا".

الميزة الأكثر حميمية فى هذه الخطابات، وليس فقط الخطابات الموجهة لدوثويت، هى ثقة بيكيت فى خبرته الذاتية. كلما قاد نفسه نحو التأكيد التنظيرى، كلما سلم بصحة حقائقه هو. هو لم يسمح أن يتم تهديد التجربة عن طريق النظرية. هو رفض امتيازات الماضى، ولكن ليس ماضيه هو. بعض الحوادث الصغيرة من سنوات طفولته بفوكسروك يتم استعادتها عدة مراته فى نثرياته ومسرحياته. "لو كانت كلها مجرد خيال؟". هكذا يتمنى بيكيت فى رواية "يُرى بشكل سىء، يقال بشكل سىء". ولكنها لم تكن خيالا مجردا، ولا هو كان يتمناها كذلك حقا. هو أراد أن يحرر عقله من أجل أن يتحاور مع نفسه، ولكنه لم يترك أبدا أحداث حياته التى تقطع جمله. المسرحية الإذاعية "كل الساقطين" هى ذكريات مجردة: "أنا أعرف خط السكة الحديد جيدا، وطريق شارع هاركورت الذى اعتدت أن آخذه يوميا ما بين ستيلورجان ودبلن".

حتى اللغة القديمة الفقيرة المنحطة: كلما أراد بيكيت نقدها كلما أحبها بلا سبب. كما كتب فى "من عمل مهجور":

"هناك، هناك، هناك مكان فى قلبى من أجل كل هذا الذى انتهى، من أجل الوجود الذى انتهى، أنا أحب الكلمة، الكلمات هى محبوباتى الوحيدات، ليس الكثير منها".

وفى "نحو الأسوأ":

"الكلمات أيا كانت. أى مكان للأسوأ!كيف أن الأقرب للحقيقة أنها أحيانا ما ترن! كم تحتاج إلى التفاهة! أن تقول إن الليل شاب للأسف وتكون شجاعا".

هناك أشياء كثيرة قادمة: الخطابات التى كتبها بينما كان ينهى "لعبة النهاية"، ويكتب "الأيام السعيدة"، و"شريط كراب الأخير"، و"كيف هذا"، والعمل الصغير والجميل "يُرى بشكل سىء، يقال بشكل سىء" ولكن هذا سيكون فى المجلدين النثريين القادمين".