2011-06-26

ملاحظات على قصة (زعبلاوى) لنجيب محفوظ



***

"اقتنعت أخيرا بأن عليٌ أن أجد الشيخ زعبلاوي ."

نحن نبدأ من وسط حدث، نبدأ من احتياج الراوى لشيخ يدعى زعبلاوى، لا وقت لتضييعه فى مقدمات، هذه سمة عند محفوظ فى قصصه، لدينا فكرة نريد أن (نقصها)، لا فرصة لمقدمات، لا فرصة لنفس طويل فى الوصف، هذا لا يعنى ضعف فى الوصف، سنرى أنه سيستخدمه حينما يحتاجه، ولكن فقط حينما يحتاجه.

ننتقل الآن ونعرف أن الراوى عرف عن زعبلاوى:
-
فى طفولته
-
عن طريق أغنية(1)
-
وتأكد من أبيه

الطفولة عند محفوظ هى مرحلة أسطورية، نتلقى فيها معارف شبحية قد نتمرد عليها ولكننا لا نستطيع أن نتحرر منها بالكامل، نذكر هنا طفولة كمال عبد الجواد فى الثلاثية، ولكن نذكر بشكل أبرز طفولة جعفر الراوى فى قلب الليل. يضيف إلى هذا أنه عرف زعبلاوى، الذى سنكتشف رمزيته سريعا، عن طريق أغنية، هل هذا يضيف بعد غير يقينى لهذه المعرفة؟، أم أنه يحاول إثبات أهمية الفن فى المعرفة؟، هذا الذى سيتأكد مع منتصف القصة؟ ثم الأب، نحن نتلقى معارفنا من آباءنا، وأبرز ما نتلقاه هو معرفة شخص مثل زعبلاوى، الأب هو فى النهاية مصدر يقين الابن/ الراوى بأهمية زعبلاوى، يقول الأب: "إنه ولي صادق من أولياء الله، وشيال الهموم والمتاعب، ولولاه لمت غما"، وبعد سطرين يقول الراوى "وجرت الأيام فصادفتني أدواء كثيرة، وكنت أجد لكل داء دواءه بلا عناء وبنفقات في حدود الامكان، حتي أصابني الداء الذي لا دواء له عند أحد، وسدت في وجهي السبل وطوقني اليأس، فخطر ببالي ما سمعته علي عهد طفولتي، وتساءلت لم لا أبحث عن الشيخ زعبلاوي؟!.." هنا نحن نتأكد ماذا يقصد محفوظ من زعبلاوى، هنا يتكشف لنا الرمز بكل بساطة، هل تزعجنا تلك السهولة؟، ربما، ولكن جمال القصة ينفى عنا هذا، زعبلاوى – وربما هذا هو رأيى – يمثل المطلق، الإله الغائب، هو نفسه جودو عند صمويل بيكيت، وهو أيضا سيد الرحيمى عند محفوظ نفسه فى (الطريق).

وأيضا مثل (الطريق) تكون لدى الشخصية الرئيسية مهمة بحث عن الشخص الذى سيحقق له نوع من السلام، فتبدأ شخصيتنا فى البحث، يبدأ عند "الشيخ قمر بخان جعفر، وهو شيخ من رجال الدين المشتغلين بالمحاماة الشرعية". إذن فأول ما يمكن أن يتوجه إليه الشخص فى بحثه عن المطلق هو رجل الدين، هذا هو ما يفعله أى شخص مقتنع بالدين، ولكن المشاهد الممهدة لمقابلة رجل الدين تجعلنا نتوقع جميعا ما الذى يستطيع أن يقدمه لنا مثل هذا الشخص: فهو يقيم فى جاردن سيتى، فى عمارة بالغرفة التجارية، حجرته تخرج منها للتو سيدة حسناء، والرجل "يرتدي البدلة العصرية ويدخن السيجار".
لذلك نحن نتوقع رده على الراوى حينما يسأله عن زعبلاوى:
"
كان ذلك في الزمان الاول، وما أكاد أذكره اليوم."
فلم يعد الإله من اهتمامات رجل الدين، ولن تجد عنده إجابة على أسئلتك. وعندما أحاله إلى محل سكن زعبلاوى القديم بربع البرجاوى بالأزهر سيتلقى صدمة، فالربع "قد تآكل من القدم حتي لم يبق منه إلا واجهة أثرية وحوش استعمل رغم الحراسة الاسمية مزبلة". هذا غير أن "البعض سخر منه بلا حيطة ونعتوه بالدجل". ووصف زعبلاوى بالدجل سيتكرر عندما يقابل الشيخ جاد الملحن.

يتوجه الراوى لشيخ الحارة، رمزيته تتكشف حينما يسأله: "حتى أنت لا تستطيع أن تجده؟" فيجيب: "حتى أنا، إنه رجل يحيّر (العقل)".، على أية حال فالعقل/ شيخ الحارة يقول له إنه "حي لم يمت، ولكن لا مسكن له وهذا هو الخازوق، ربما صادفته وأنت خارج من هنا علي غير ميعاد، وربما قضيت الأيام والشهور بحثا عنه دون جدوى". وبغض النظر عن مدى اقتناعنا بإمكانية أن يقول لنا العقل مثل هذا الكلام، فشيخ الحارة كلامه يدل على الطبيعة المتهربة لزعبلاوى، يذكرنى هذا بحديث الفيلسوف الألمانى هايدجر عن الوجود/ الحقيقة، كشيء يتهرب منا، والذى نستطيع التقاطه -  وغالبا ما يحدث هذا عن طريق الفن - هو لحظة التهرب تلك.

ربما لا نزال نسير مع هايدجر، فالفنان الشيخ جاد الملحن المعروف والذى يذكرنى مشهده هنا بحلم لمحفوظ عن زكريا أحمد فى (أحلام فترة النقاهة) هو أكثر شخص سيقربه من الشيخ زعبلاوى بأن يخبره عن حانة النجمة التى يسهر فيها صديقه ونس الدمنهورى. حديث الشيخ جاد ثم تردد اسم (ونس) يعطينا أبعادا صوفية  واضحة من البداية لكن تزداد كثافة هنا، فالشيخ يقول إن العذاب فى البحث عن زعبلاوى هو نوع من العلاج، ثم يغنى (أدر ذكر من أهوى ولو بملامى فإن أحاديث الحبيب مدامى). مشهد الحانة قد يوحى باستمرار هذا البعد الصوفى، بتذكر رمزية الخمر فى كل الأدب الصوفى، ومن الممكن أن يكون بالنسبة لنا صدمة أخرى من حيث أننا لن نلتقى زعبلاوى إلا فى حانة.

فى النهاية فالراوى لا يلتقى بزعبلاوى إلا عندما يسكر، وهنا يطول نفس محفوظ قليلا فى الوصف لأنه بحاجة إليه، كل هذه الفقرة :
"
ودار بي كل شيء ونسيت ما جئت من أجله، أقبل عليّ الرجل مصغيا ولكني رأيته محض مساحات لونية لا معنى لها، وهكذا كل شيء بدا. ومر وقت لم أدره حتى مال رأسي إلى مسند الكرسي وغبت في نوم عميق، وفي أثناء نومي حلمت حلما جميلا لم أحلم بمثله من قبل. حلمت بأنني في حديقة لا حدود لها تنتشر في جنباتها الاشجار بوفرة سخية فلا ترى السماء إلا كالكواكب خلل أغصانها المتعانقة ويكتنفها جو كالغروب أو كالغيم.. وكنت في غاية من الارتياح والطرب والهناء وجوقة من التغريد والهديل والزقزقة تعزف في أذني، وثمة توافق عجيب بيني وبين نفسي، وبيننا وبين الدنيا فكل شيء حيث ينبغي أن يكون بلا تنافر أو إساءة أو شذوذ، وليس في الدنيا كلها داع واحد للكلام أو الحركة، ونشوة طرب يضج بها الكون."
هذا له دلالة، فهذه الفقرة هى التى يتحقق فيها لقاء الراوى بزعبلاوى، فلا بد من أن تكون متميزة نسبيا عن كل سياق القصة.

يتأكد الراوى مع نهاية القصة من وجود زعبلاوى، ولكن وجوده لا معنى له لأنه غير قادر على لقاءه بالشكل الذى يرضيه، هل يستمر فى البحث؟، هل يكف عن المحاولة فـ "كم من متعبين في هذه الحياة لا يعرفونه أو يعتبرونه خرافة من الخرافات". لا نعرف إجابة لهذا السؤال، فمحفوظ ينهى القصة وموقف الراوى مساو لموقفه فى بدايتها، وربما كان الشخص الحقيقى الذى يملك الإجابة الآن هو القارئ.

قصة (زعبلاوى)
نجيب محفوظ
مجموعة (دنيا الله)
-----------------------
(1) "الدنيا مالها يا زعبلاوى شقلبوا حالها وخلوها ماوى" هذا ما ذكره محفوظ فى القصة. ولكن أشار إلىّ د. أحمد الخميسى أن المقطع ضمن أغنية قديمة ومعروفة، ووجدت أنها أغنية (القلل القناوى)، تأليف بديع خيرى وألحان سيد درويش، يقال فى الأغنية: "الدنيا مالها يا زعبلاوى.. شقلبوا حالها وين المداوى". أفترض أن مقطع (الدنيا مالها يا زعبلاوى) كان ترتيلة شعبية شائعة واستخدمها بديع وسيد فى الأغنية.

2011-06-19

1984 - أورويل - اقتباسات


"الآن أدرك ونستون أكثر من ذى قبل سبب كراهيته لها، لقد كان يبغضها لجمالها وصغرها وعزوفها عن الجنس، ولأنه كان يمنى نفسه بأن يكون معها فى فراش واحد لكن ذلك لم يكن ممكنا، فقد كانت تحيط خصرها الممشوق الناعم، الذى كان يغرى المرء أن يلف ذراعه حوله، بحزام قرمزى كريه هو رمز العفة".
***
"وفجأة وبقناعة راسخة فكر ونستون أن سايم لا بد وستتم تصفيته يوما ما. إنه متوقد الذكاء. إنه يرى ببصيرة نافذة ويتحدث بصراحة شديدة. والحزب لا يرغب فى وجود مثل هؤلاء. يوما ما سيختفى من الوجود، ذلك ما أراه مكتوبا على جبينه".
***
"ثم جذبها نحو الأرض بحيث أصبحا وجها لوجه وقال لها: " كلما ازداد عدد الذين يضاجعونك ازداد حبى لك ، هل تفهمين ما أعنى؟ "
-
نعم تماما .
-
إننى أكره التبتل ، وأمقت القداسة ، ولا أريد بقاء لأى فضيلة فى أى مكان . أريد أن يستشرى الفساد فى كل شخص حتى النخاع .
-
حسناً ، لا بد إذن أننى أناسبك يا عزيزى فالفساد موغل فىّ حتى نخاعى .
-
هل تحبين إتيان هذا الفعل ؟ لست أعنى معى فقط وإنما الفعل فى حد ذاته .
-
إننى أحبه حباً جماً .
كان ذلك هو عين ما أراد أن يسمعه منها . ليس مجرد حب شخص لآخر . وإنما هى الغريزة الحيوانية والرغبة التى يستوى فيها الناس".
***
"عندما يمارس المرء الجنس فإنه يستنفد قواه ويستشعر نوعا من اللذة تجعله لا يأبه بعدها بشىء. وهم لا يرغبون فى ذلك، لأنهم يريدونك أن تكون شعلة من النشاط طوال الوقت. وليست كل هذه المسيرات التى لا تهدأ وما يصحبها من هتافات وتلويح بالرايات إلا تنفيسا لطاقة جنسية مكبوتة. فلو كان المرء مبتهجا فى قرارة نفسه فما الذى يدفعه للاهتمام بالأخ الكبير وبالخطط الثلاثية ودقيقتى الكراهية والبقية الباقية من ترهاتهم اللعينة".
***
"اختفى سايم. ففى ذات صباح تغيب عن عمله، ولم يتساءل عن سبب اختفائه إلا بضعة أشخاص مغفلين. وفى اليوم التالى أصبح طى النسيان ولم يأت على ذكره أحد، وفى اليوم الثالث ذهب ونستون إلى قاعة قسم السجلات ليلقى نظرة على لوحة الإعلانات، وكانت إحداها تحمل لائحة بأسماء أعضاء لجنة الشطرنج التى كان سايم عضوا فيها، وبدت اللائحة كما كانت تبدو من قبل تماما، إلا أنها نقصت اسما واحدا. وكان فى ذلك دلالة كافية على أن سايم لم يعد له وجود، بل لم يكن له وجود من قبل على الإطلاق".
***
"أتظن أنهم سيعدموننى رميا بالرصاص؟ إنهم لا يرمون المرء بالرصاص إذا لم يقترف إثما ملموسا، أما مجرد الأفكار فهذا ما لا سلطة للمرء عليه، أليس كذلك؟"
***
"وهنا حضره الجواب عن ذلك السؤال وهو أن المرء لا يمكن أبدا ومهما كانت الأسباب أن يرغب فى زيادة ألمه. فإزاء الألم لا يمكن للإنسان إلا أن يرغب فى توقفه. فليس فى العالم ما هو أسوأ من الألم الجسدى، وحيال الألم ليس هناك أبطال، ليس هناك أبطال".
***
"وقال أوبراين بلطف: "إنك بطئ التعلم يا ونستون".
فقال ونستون وهو ينتحب: "وماذا عساى أن أفعل؟ كيف يمكننى أن أتجنب رؤية ما هو أمام عينى؟ إن اثنين واثنين يساويان أربعة".
فقال أوبراين: "أحيانا يساويان أربعة يا ونستون، وأحيانا أخرى يساويان خمسة وقد يساويان ثلاثة أيضا، وفى أحيان أخرى يساويان أربعة وخمسة وثلاثة فى آن معا. يجب أن تحاول بمزيد من الجدية والجهد، فليس من السهل أن تصبح سليم العقل".
***
"إننا ندرك أنه ما من أحد يمسك بزمام السلطة وهو ينتوى التخلى عنها. إن السلطة ليست وسيلة بل غاية، فالمرء لا يقيم حكما استبداديا لحماية الثورة، وإنما يشعل الثورة لإقامة حكم استبدادى. إن الهدف من الاضطهاد هو الاضطهاد، والهدف من التعذيب هو التعذيب وغاية السلطة هى السلطة".

جورج أورويل
1984
ت: أنور الشامى

2011-06-12

فيليب روث: لا يزال مولعا بنفسه

مقال لروبرت مكروم

ترجمة أمير زكى
مايو 2011


***

عندما أعلن فيليب روث قبوله جائزة البوكر العالمية التى تقدم كل سنتين، محتفية بستين عاما من الكتابة الروائية، من (الوداع يا كولومبوس) وحتى (نيميسيس)، كان يجلس على كرسى خشبى فى مكتب ملحق باستراحته بكونيتيكت. يبدو أقرب إلى قس متقاعد أو قاض أو كشيخ الأدب الأمريكى الكبير، وهو يتجه نحو التاسعة والستين. أداؤه أمام الكاميرا كان مثاليا؛ مقتضب ومهذب ولكنه لطيف. مختلطا بالسخرية من مترجميه حول العالم، هذا الفريق الذى عانى طويلا فى وحدة روث الوقائية، تلك الوحدة المثيرة للسخرية رغم عظمتها.

مرة أخرى، هذا الرجل المنعزل المأخوذ بقصة شخصية لا تنتهى يُلقى عليه ضوء الشهرة الأدبية، يضيف بعد أن يتكلم لأقل من دقيقة: "هذا شرف كبير وأنا سعيد بقبوله". الكاميرا ظلت تعمل ووجهه يوحى بأنه لا يأخذ الأمر بجدية، فتند منه حركة صغيرة ولكن معبرة نصفها يقول: "لا يمكن أن تكونوا جادين". والنصف الآخر: "هل هذا حقيقى".

شكوك روث كانت ثاقبة، فالقائمة القصيرة لجائزة البوكر العالمية ضمت مارلين روبنسون وآن تيلور وروينتون ميسترى وفيليب بولما. وما أن أعلن فوز روث حتى انسحبت واحدة من الحكام - الناشرة السابقة كارمن كاليل - من لجنة التحكيم. قالت: "روث حالة سيئة من قصة ملابس الإمبراطور[1]. وهو كاتب يكتب عن نفس الموضوع فى كل كتبه".

تقول كاليل: "وهناك شىء واحد مؤكد، إنه لا أحد سيقرأه بعد عشرين عاما". ومن بين خليط الإهانات التى ذكرتها المرأة ما بعد النسوية، يظل الحكم الأخير هو الأكثر شذوذا؛ فروث الذى صنع بدايته عما 1959 بروايته القصيرة الرائعة (الوداع يا كولومبوس)، وأصبح يكتب اسمه فى العناوين الرئيسية مع رواية شكوى بورتنوى عام 1969، لن يكون شىء سوى شخص باق.

ولد لأسرة من الجيل الثانى من الأمريكيين اليهود فى نيويورك- نيوجيرسى. يقول: "قبل ظهور جوارب النساء الطويلة (البانتيهوس) والطعام المجمد"، وفى العام الذى وصل فيه هتلر للسلطة. كان أبواه مخلصين لابنهما. كتب عن أمه وأبيه فى سيرته الذاتية: "أن تكون عموما هو أن تكون فيليبها، وحكايتى وتاريخى أخذ دورته من البداية كروث الخاص به".

أصغر من مايلر وفيدال وميلر، فهو جاء من عصر الخمسينيات، من أمريكا آيزنهاور مع ستايرون وأبدايك وبيلو وهيلر. هؤلاء كانوا جيل من الشباب الأمريكى أرادوا إعادة صناعة دولة عظيمة بعد أهوال الحرب العالمية الثانية والوصول لذلك عن طريق الأدب.

لفترة طويلة ظل روث واحدا من القادة البارزين لهذه الجماعة الرائعة الموهوبة. الآن – باستثناء جور فيدال – كل زملاءه رحلوا. هو يقيم فى كونيتيكت، فى عزلة مثيرة للإعجاب، يعمل نهارا وليلا، كرجل كبير وحيد وحساس. هو احتفى بحياته فى رواية (الكاتب الشبح) 1979: "النقاء.. السكينة.. العزلة، كل تركيز المرء وتوهجه وأصالته محجوز للنداء المنهك والسامى والمتعالى، هكذا سأعيش". من النادر أن يأخذ كاتبا هزليا عظيما نفسه بهذه الجدية.

هذه العزلة ليست مجرد اختيار لفنان مهووس، فروث استقبل نوعا من الاهتمام بإمكانه أن يدفع أى مدمن للظهور بعناوين الصحف إلى العزلة؛ فهو يكتب باستمرار نكت مسيئة للذات، أو يكتب دفعات متوالية من العدائية المنحطة، وذلك يمكن أن يُمثّل فى ثورة كاليل، أو فى النقد الغيور الذى تقدمه أسماك النقد الأدبى الصغيرة. ربما سيوافق روث الكاتب الهزلى الأمريكى بيتر دى فريس الذى لاحظ أن الحياة الأدبية الأمريكية "يحلم فيها المرء بإلهة الشهرة وينتهى إلى الشعبية العاهرة".

عنونت عدة مرات بـ(الصبى اليهودى) ثم (الاستمناء) ثم (المريض اليهودى يبدأ تحليله)، قبل أن تصدر أخيرا بعنوان (شكوى بورتنوى)، الرواية التى دفعته إلى ساحة الاهتمام الأدبى الشائع. روث الذى وهب حياته لتحرير غضبه، يصر على أنه لا يستطيع تحديد خبرة واحدة اعتمدت عليه رواية النشأة العمرية تلك. موضوعات الرواية – تحركى يا كاليل – هى نفس موضوعات روايات روث الناجحة عن الهوية الجنسية لذكر يهودى أمريكى والعقد المزعجة لعلاقاته مع الجنس الآخر.

رواية فى صورة اعتراف، وإن أخذها مئات الآلاف من القراء الأمريكان على أنها اعتراف فى صورة رواية. حقت بورتنوى مبيعات عالية وسريعة. بالنسبة لبعض القراء فوجبة مثل هذه لا يمكن أن تتكرر مرة أخرى، أما بالنسبة لروث فهذه الرواية وضعت النموذج الذى ستسير عليه كل أعماله؛ أى التأمل الأدبى الذاتى الذى يأخذ صورة التعذيب. يقول مارتن أميس: "لا يوجد كاتب حديث أخذ تحليله الذاتى إلى هذا المدى وبهذا الأدب".

بعد بورتنوى وجد روث ملاذا من الشهرة عن طريق شخصيته الأدبية البديلة (ناثان زوكرمان)، وعن ضغط الحياة الأدبية الأمريكية عن طريق إقامة رحلات طويلة إلى أوروبا وإنجلترا، انتهت بزواجه من الممثلة (كلير بلوم). كلا من الفترة الوسيطة لأدبه التى ضمت روايات زوكرمان، وزواجه الثانى (زوجته مارجريت مارتينسون التى كان قد انفصل عنها ماتت فى حادث سيارة عام 1968) كانا مثقلان ببحثه المحموم عن الاكتمال الأدبى.

كتب زوكرمان (على سبيل المثال درس التشريح والحياة المضادة) أبهجت وأغضبت نقاد ومعجبى روث. تقول كاتبة سيرته الذاتية (هرميون لى): "حيوات فى قصص وقصص فى حيوات، هذه هى لعبة روث المزدوجة". 
الكاتب نفسه يكره أن يُسأل عن ذواته المختلفة، يشكو قائلا: "هل أنا روث أم زوكرمان، كلاهما أنا، ولا أحد فيهما أنا. أنا أكتب روايات ويخبروننى أنها سيرة ذاتية، وأكتب سيرة ذاتية فيخبروننى أنها روايات، لذا فطالما أنا غامض وهم أذكياء، فدعهم هم يقررون".

مثلها مثل الفكاهة الحادة لرجل وُهب للمحة الكوميدية المضحكة التى لا تُنسى، فالعجرفة المزعجة ملائمة جدا لروث. اعتقاده الواثق فى أصالته وتفرده أربك أولا ثم سمم علاقته بكلير بلوم، التى صرحت أنها أرادت: "قضاء حياتى مع هذا الشخص الفريد". فطلقته عام 1995، بعد سنوات من الخلاف.

روث كتب عن علاقاته النسائية فى رواياته مثل (خداع) 1990؛ وهى قصة مطابقة تماما لعلاقته مع امرأة إنجليزية مثقفة. بلوم انتقمت فى 1996 فى مذكراتها (مغادرة بيت الدمية)، كتبت: "أنا لم أهتم أبدا بالسؤال إن كانت تلك الفتيات خيالات جنسية، ولكن ما جعلنى مذهولة – وإن لم يكن لوقت طويل – هو أنه وضعنى فى صورة المرأة الغيورة التى يتم خيانتها باستمرار. وجدت أن الصورة بشعة ومهينة".

الآن روث حر، يتحدى مقولة سكوت فيتزجيرالد: "أنه لا توجد فصول ثانية فى الحيوات الأمريكية". يدفع نفسه إلى حمى التأليف. قال للنيويوركر: "لو استيقظت فى الخامسة ولم أستطع النوم وأريد أن أكتب، فأنا أخرج لأكتب".

هو يكتب وهو واقف فى مكتب منفصل عن المنزل الرئيسى الذى يعيش فيه. لا يمر يوم بدون أن ينظر للكلمات الثلاث الكريهة: qwertyuiop، asdfghjkl،  zxcvbnm[2]، يقول: "وعندما أكتب فأنا فى العمل، أنا مثل طبيب فى غرفة الطوارئ، وأنا طبيب الطوارئ".

سنوات التحول من القرن العشرين إلى القرن الواحد والعشرين شهدت ازدهارا متأخرا لمواهبه. فى (الراعى الأمريكى) 1997، و(الوصمة الإنسانية) 2000 و(مؤامرة ضد أمريكا) 2004. النثر الناضج لقائد الأدب الأمريكى الكبير فيه إشراق ووقع وبساطة العظمة. الكلمات تُكتب ويعاد كتابتها فى عزلة ورهبانية. ومع قدوم السن الكبيرة يبدأ روث فى هجر منزله الريفى، يقضى الشتاءات فى نيويورك حيث يأكل فى المطاعم ويقابل دائرة صغيرة من الأصدقاء.

هو مستمر فى الكتابة يوميا والنتائج تكون متفاوتة. (الإذلال) 2009 الرواية القصيرة فى السلسلة التى بدأت برواية (كل الرجال) لم تكن ناجحة. (نيميسيس)، كتابه المنشور الأخير تم الاهتمام به بشكل أكبر. الأوبزرفر مدحت "البهجة والمرح فى أسلوبه، هذا النثر الممتد اللاذع والرفيع والمتناغم بمهارة يستطيع أن يضعك داخل حركة الأفكار عند شخصياته لأكبر عدد ممكن من الصفحات".

مع هذا التوجه الذى يمثل نهاية حتمية، يظل موضوع روث كما يقول مارتين أميس هو: "نفسه.. نفسه.. نفسه". هو لا يزال حذرا تجاه الأجيال الأصغر. وفيديو قبوله لجائزة البوكر العالمية يخبرنا أنه يعرف أنها لعبة علاقات وليست جائزة أصيلة، وإن كانت هناك جائزة أصيلة بالنسبة للكتب، فالجائزة المهمة الآن – نوبل – هى الجائزة التى لم يحصل عليها بعد.

وُلد فى مارس 1933 فى نيوارك، نيوجيرسى لهرمان وبيسى روث. كان أبوه مندوب مبيعات، ألهمه برواية (الميراث) فى عام 1991. درس الإنجليزية بجامعتى باكنل وشيكاجو، وكتب أكثر من 30 كتابا على مدى ستة عقود. روث طُلق مرتين.


أفضل أوقاته بعد أن فاز بجائزة البوليتسر للرواية عن رواية (الراعى الأمريكى)، وعليها أيضا حصل على الميدالية الأمريكية القومية للآداب فى نفس العام عن طريق المنحة الوطنية للآداب فى واشنطن.

أسوأ أوقاته من المعروف على نطاق واسع أنه ليس من العدل ألا يكون روث قد حصل بعد على جائزة نوبل فى الآداب.

ما الذى يقوله "فقط فى أمريكا، الفلاحات – أمهاتنا – يصبغن شعرهن بالبلاتينيوم فى سن الستين ويتجولن ذهابا وإيابا فى طريق كولينز بفلوريدا مرتدين بناطيل (بيدال بوشرز) ومعاطف من الفرو، ولديهن آراء فى كل المواضيع المطروحة تحت الشمس. إنه ليس خطأهن إنهن أعطين موهبة الحديث. لو استطاعت الأبقار أن تتكلم فسوف تقول أشياء بنفس السذاجة.

قيل عنه "كتبه كانت محفزة ومستفزة ومسلية لعدد كبير – ولا يزال يكبر- من الجمهور. مخيلته لم تغير فقط فكرتنا عن الهوية اليهودية، وإنما غيرت فى الأدب، وليس فقط على المستوى الأمريكى، وإنما بشكل عام". ريك جيكوسكى، جامع كتب وعضو لجنة تحكيم القائمة القصيرة لجائزة البوكر الدولية.


[1]  قصة ملابس الإمبراطور الشهيرة لهانز كريستيان أندرسن عن إمبراطور وعده خياطوه بملابس خفية لا يراها غير المؤهلين لرؤيتها، فى حين أنه لم تكن هناك ملابس على الإطلاق، وحين خرج الإمبراطور إلى الاحتفال كان لا يرتدى شيئا
[2]  هذه هى الكلمات التى تجمع حروف الصفوف الثلاثة لأزرار اللغة الإنجليزة بلوحة المفاتيح على جهاز الكمبيوتر.

2011-06-05

الكتب الخمسة الأفضل لفيليب روث


سمير رحيم

ترجمة: أمير زكى
مايو 2011

فيليب روث الحاصل لتوه على جائزة المان بوكر العالمية كتب 31 كتابا على مدار 50 عاما، وهنا تختار لك التليجراف الكتب الخمسة التى يجب أن تبدأ بها.

الوداع يا كولومبوس (1959)

كتاب روث الأول، نشر وهو فى السادسة والعشرين، يتكون من رواية قصيرة وخمس قصص قصيرة، الرواية القصيرة تتبع شاب يهودى من نيو جيرسى يحب فتاة غنية. الكتاب فيه خفة ملحوظة لم يعد لها روث مرة أخرى.

شكوى بورتنوى (1969)

غالبا ما يوصف بأنه كتاب طريف بشكل مفرط. شكوى بورتنوى رواية لا تعتمد على السرد التقليدى، وتعتمد على صوت الوعى الذاتى لألكسندر بورتنوى. الكتاب موصوم بأوصافه الطريفة للاستمناء والهوس الجنسى بالفتيات غير اليهوديات. الرواية كانت بمثابة فتح لروث، ولكنها لم تحافظ على مكانتها بعد 40 عاما.

الكاتب الشبح (1979)

فى مرحلة وسطى، أصبح روث مهووسا بفكرة الذوات البديلة. ناثان زوكرمان كاتب متهم بتقليد زملاءه اليهود فى أعماله، ويطلب النصيحة من يهودى كبير (الشخصية معتمدة جزئيا على برنارد مالمود[1]). ولكن زوكرمان يجد نفسه منجذبا لفتاة يتخيلها كآن فرانك[2]. فى عام 2007 أنهى فيليب روث القصة برواية (شبح الخروج) آخر ظهور لشخصية زوكرمان.[3]

مسرح ساباث (1995)

حتى مارتن أميس[4] كان مصدوما من الجنس فى فترة روث المتأخرة، قال إنه كان يفر الصفحات بحثا عن المواضع النظيفة، ولكن قصة محرك العرائس ميكى ساباث هى أكثر من مجرد تجربة انحراف مفرطة. ساباث هو بروسبيرو[5] غير متسامح، يتلاشى سحره ويثور ضد الموت، والرواية تحمل واحدة من أفضل الجمل الأخيرة فى الأدب الحديث: "كيف يستطيع أن يذهب؟، كيف يستطيع أن يغادر؟، كل شىء يكرهه كان هنا".

الراعى الأمريكى (1997)

بعد انحراف ساباث كتب روث عن رجل مخلص وطيب؛ سيمور ليفوف (السويدى). تدور الرواية فى الستينيات. الراعى الأمريكى تظهر الخراب الذى حدث عندما انضمت ابنة ليفوف المراهقة لجماعة يسارية متطرفة تتظاهر بعنف ضد حرب فيتنام. ربما يكون عمل روث الأفضل.


[1] برنارد مالمود (1914-1986) روائى وكاتب قصة أمريكى يهودى
[2] آن فرانك (1929-1945) إحدى ضحايا الهولوكوست، اشتهرت بيومياتها التى تغطى سنوات معاناتها من 1942 حتى 1944
[3] يذكر أن شخصية ناثان زوكرمان ظهرت فى تسع روايات لفيليب روث
[4] مارتن أميس (1949) روائى بريطانى
[5] بروسبيرو بطل مسرحية العاصفة لشكسبير