2011-07-31

حوار مع إدوارد أولبى: "أعتبر نفسى مؤلفا موسيقيا".

حوار: تيم مارتن

ترجمة: أمير زكى
مايو 2011

*** 

"دعنى أذكرك بشىء." يقول الصوت الحاد الرسمى على التليفون من تكساس، حيث يترك الكاتب المسرحى إدوارد أولبى ساعة للاتصالات قبل أن يبدأ يومه فى التدريس. "ربما لا تكون أنت بحاجة للتذكرة، لكن هناك العديد من الناس بحاجة إلى ذلك. الكاتب المسرحى أو أى فنان مبدع آخر هو عمله، السيرة الذاتية قد تكون مربكة، أو مجرد تبسيط له، أما العمل فهو ماهية الشخص."

هذا ليس أمرا مبشرا بالنسبة للحوار، لكن فيما يتعلق بالرجل الذى كتب بعضا من أكثر مسرحيات القرن العشرين مهارة ونقدا فالأمر لن يكون سهلا. هو لا يزال معروفا غالبا بعمله الأساسى الكئيب الجدلى (من يخاف فرجينيا وولف؟)، وفى عمر الثالثة والثمانين يتعامل مع العالم ومع عمله بطريقة يحسده عليها الكتاب الذين فى نصف عمره.

هو يخرج أعماله على المسرح بانتظام، وهو مستمر فى الكتابة، عمله الأخير كان إضافة مسرحية لعمله الأول (قصة حديقة الحيوان) الذى عرض لأول مرة عام 1959، وهو يقضى كل ربيع فى التدريس للكتاب المسرحيين الشبان فى جامعة هيوستن. يقول: "أحاول أن أذكرهم أنهم لو دققوا فى تاريخ المسرح، فسيجدون أنه محاولة مستمرة لتغيير العالم."

نحن نتكلم لأن مسرح ألميدا فى لندن سيقيم الأسبوع المقبل إعادة إحياء لمسرحية (التوازن الدقيق) عمل أولبى اللامع واللاذع، والذى ينتمى لنوعية كوميديا غرفة التسلية.

كتبت عام 1966، بعد أربع سنوات من النجاح الساحق لمسرحية أولبى (من يخاف فرجينيا وولف؟)، تدور المسرحية حول نهاية أسبوع مملتئة بالسهر والسكر، فى بيت أجنس وتوبياس الثريان اللذان يعيشان فى الضواحى.

وبينما يستضيفان شقيقة آجنس مدمنة الخمر، وابنتهما المضطربة التى طلقت أكثر من مرة، وصديقان يظهران وهما يدعيان (بالغرابة الصادمة الكلاسيكية عند أولبى) أنهما مجبران على ترك منزلهما بسبب خوف كبير لا يستطيعان تحديده، يسقط القناع المدينى لزواجهما ليكشف التاريخ الحقيقى لعلاقتهما الزائفة وخيانتهما وبؤسهما.

مثل معظم مسرحيات أولبى، تكون كوميديا الأخلاق السيئة متعة للممثل. موسيقية الحوار متصارعة ومتألقة فى العرض، والنص يتضمن الخلط بين الواقعية والاصطناع، ممتلئا بالذرى اللاذعة والتعليقات الخبيثة والتبدلات النارية السريعة.

هذا الأداء المسرحى المفرط هو أحد الاتهامات التى وجهت إلى أولبى عندما تراجع الاهتمام العام به فى السبعينيات والثمانينيات، ولكن هذا الأداء هو ما يجعل الليلة ممتعة وممتلئة بالمهارة.

وكما يؤكد فمن الضرورى فى المسرح "أن يكون الحوار الدرامى أكثر واقعية من الحياة اليومية." يقول : "وهذا سيبدو وكأنه مصطنع. سجل حوارا لمدة ساعة مع أصدقائك، واستأجر ممثلين ليمثلونه على المسرح، هل تعرف ما الذى سيقوله الجمهور؟ لا أحد يتكلم هكذا."

"أنا أقول لطلابى إن كنتم تريدون معرفة شىء عن بناء المسرحية فاستمعوا لافتتاحيات وفوجات باخ. أنا اكتشفت الموسيقى الكلاسيكية وأنا فى الثامنة.. التاسعة.. العاشرة من عمرى وأعتقد أننى تعلمت شيئا عن طبيعة البناء الدرامى من طبيعة الموسيقى التى كنت أستمع إليها، ربما أعتبر نفسى – لنصف الوقت – مؤلفا موسيقيا."

الكثير من الكلام كتب عن علاقة مسرحيات أولبى بنشأته. بعد ميلاده بوقت قصير قام بتبنيه المليونير ريد أولبى وريث امبراطورية الفودفيل بنيويورك، مع زوجته سيدة المجتمع. يقول عن هذه الطفولة المميزة إنها شىء تمنى أن يهرب منه، ولكنه مع ذلك يزدرى البديهية النقدية التى تقول إن التعاسة هى التى دفعته للكتابة.

يقول: "عشت حياة سعيدة جدا، لم أشعر أبدا بأننى أنتمى لتلك البيئة، لذلك لم أتأثر بها، كنت أقول مَن هؤلاء الناس، وما الذى سيفعلونه معى؟ لقد نشأت رغما عن هذا. نشأتى مع هؤلاء الناس لم تحولنى إلى يمينى متعصب، والنظر إليهم بموضوعية جعلنى أزدرى اليمين المتعصب."

هو لا يزال محسوبا كمضاد للجمهوريين، "أعتقد أننا فى أزمة عظيمة فى هذه البلد، أخلاقيا وسياسيا وفكريا، وأنا قلق بشدة من ذلك." وهو يقول إن بعضا من غضبه السياسى وجد طريقه إلى مسرحه.

"(التوازن الدقيق) لها علاقة بهذه الطبقة، والبناء السياسى والاجتماعى الذى نشأت وسطه، وتركته فور ما استطعت". كان فى أواخر مراهقته عندما ترك بيت أسرته، بعدما طُرد أكثر من مرة من المدارس الغالية وبدأ حياته الفنية فى جرينتش فيليدج بنيويورك.

"ولكنها أيضا تدور مثل كل مسرحياتى، عن أناس يكذبون على أنفسهم، وعن من هم، وكيف يرون أنفسهم، نعم، هذا الأمر بشكل عام؛ عدم قدرتنا على أن نكون موضوعيين تجاه أنفسنا."

سألته هل يستطيع المرء أن يكتب مسرحية من منطلق السخرية التامة؟ "أنا لا أطلق على ذلك سخرية؟ أنا أقول عليه موضوعية". يصمت.. "أنا لا أبدأ بفرضية وأحاول دفع الشخصيات لملائمتها.. لا، أنا أكتبهم لأكتشف لماذا أكتبهم". يصمت مرة أخرى.. "لتكشف لنفسك القرارات التى اتخذتها بالفعل".

أولبى تصدر الأخبار مرة أخرى عندما حصل على ميدالية مكدويل، وهى جائزة عن الإنجاز الحياتى تقدمها أقدم مستعمرة للفنون فى أمريكا. الحاصلون السابقون على الجائزة يضمون فيليب روث، نورمان ميلر، جون ريديون، روبرت فروست، وماريان مور، مما يجعلنى أستطيع أن أخبره أنها جائزة بالغة الرقى.

عاد بجسده مبتسما وقال: "هل هى كذلك؟.. أنا لم أهتم بذلك، أنا سعيد بالحصول عليها، ولكنى لست مهتما إن كانت أفضل من الجوائز الأخرى التى حصلت عليها. إنها منحت فقط لكاتبين مسرحيين فى تاريخها، وهذا أدهشنى لأنه تجاهل محبط، ولكنها قضيتهم. هم أعطوها لثورنتن وايلدر الذى كان واحدا من أفضل الكتاب المسرحيين الأمريكان على الإطلاق، وأعطوها لليليان هيلمان التى كانت بشعة، وبالتالى أنا لا أعرف موضعى وسط هذا".

وايلدر كان له تأثيرا على أولبى الشاب: "عرضت عليه أشعارى ونصحنى أن أكتب مسرحيات. لا أعتقد أنه رأى فى أشعارى كاتبا مسرحيا واعدا، أظنه كان يحاول أن ينقذ الشعر منى."

ولكنه كان صارما حين ناقشته عن الفترة التى لم تلائم أعماله الموضة السائدة: "هذا كان بسبب أننى لم أكتب (من يخاف فرجينيا وولف) مرة أخرى، ولكن هناك شىء واحد يقال عن هذا الأمر.. أنا أنظر لهذه المسرحيات التى كتبت فى هذه الفترة وأجدها مثيرة للاهتمام بأشكالها المختلفة، مثل أى شىء كتبته من قبل."

ولكن فى اعتقاده لماذا حدث ذلك؟ "أنا لا أعرف.. الشىء الوحيد الذى يجب الاهتمام به هو إن كنت ما زلت أكتب بذكاء وبشكل جيد ومثير للاهتمام، وهل كتاباتى لا تزال مؤثرة. لا تستطيع الاهتمام بكون كتاباتك متماشية مع الموضة السائدة، لأنك ساعتها ستتوقف عن الكتابة على طريقتك، ليس من المفترض أن تتحول إلى موظف عندما تكتب".

من المشهور عن أولبى أنه لا يزال يصر على أن يتبع العارضون تعليماته بدقة: "أنا أكتب ما أراه وما أسمعه، وهذا ما أريد من الناس أن يتبعوه." وهو مستعد تماما أن يسحب الإذن بالعرض.

يقول: "الممثلون والمخرجون موجودون ليعبروا عن غرض المسرحية، لا عن أغراضهم الشخصية." ولكنه نادرا ما يفضل التدخل هذه الأيام: "الفكرة هى معرفة الممثلين والمخرجين الذين سيحترمون النصوص ومن ثم العمل معهم والامتناع عن العمل مع الآخرين، بهذه الطريقة أنت لست بحاجة لطرد الناس وسط البروفات."

إحدى المؤديات كانت إليزابيث تيلور، التى قامت مع ريتشادر برتون بأداء النسخة السينمائية من (من يخاف فرجينيا وولف؟)، وكانت تقول عن الفيلم إنه أكثر فيلم تفخر به. أولبى ابتهج عندما ذكرت اسمها: "كانت أصغر من الشخصية بعشرين عاما، ولكنها كانت امرأة رائعة، كانت على قدر الدور، وأعتقد أنه كان أفضل أفلامها، لقد كنت فخورا بها".

سألته إن كانت الغابة الأكاديمية والخطاب النقدى الذى أحاط أعماله قد أثر على تقييمه لها، فتأوه وقال: "هل حاولت قراءة هذه الأشياء؟ كل واحد يأتى بتحيزاته النقدية الخاصة به فى كل مقال نقدى يكتبه، أنا أقرأ 15 مقالا عنى، 15 ورقة بحثية عنى، فأنا أقرأ عن 15 شخصا مختلفا".

وهو لديه – كما أسرّ لى بفخر – استراتيجيات عدة لإرباك التدقيق فى أعماله، وهكذا – كما لاحظت فيما بعد – ساعده على تجنب سؤالى عن مسرحيته التى لم تسمى والتى يعمل عليها حاليا.

يقول: "أنا أذكر الناس أنه لا يوجد شخصان يشاهدان نفس المسرحية. فلا يوجد شخصان لديهما نفس الذكاء أو نفس الرغبة فى المشاركة، وإجابتى على سؤال "فيم تدور المسرحية؟" يكون: "تدور فى حوالى ساعة ونصف؟" وهذه تكون إجابة مرضية."

2011-07-24

مميزات الكتابة على السرير


مقال لروبرت مكروم

ترجمة: أمير زكى
مايو 2011

***

فى واحدة من مقابلاتها للترويج لكتابها الجديد (قصة غير مروية) عن الحياة الأخرى للأميرة ديانا، كشفت مونيكا على أنها تفضل الكتابة على السرير، وهذا يضعها مع هذه المجموعة المثيرة للاهتمام: إديث وارتون، ونستون تشرشيل، كوليت، ومارك توين. فجميعهم كانوا يكتبون على السرير.

أن تقول إنك تكتب على السرير أقرب إلى أن تقول إنك تعامل الكتابة بقدر ما من اللا مبالاة، ولكنى أعرف على الفور أن هناك من بين الكتاب البريطانيين المعاصرين أ. ن. ويلسون الذى يدعم هذا الاختلاف الطريف والذى يحب الكتابة على السرير. لا بد من وجود آخرين بالطبع خاصة فى عصر اللابتوب.

الأمر ليس دوما سهلا، الراحل جورج أورويل كان يضع الآلة الكاتبة على السرير ليدق المسودة الأخيرة لرواية 1984، تحدثت مرة مع طبيب كان يعالجه فى جلاسكو وكل ما كان يتذكره عنه هو صوت الدق ودخان السجائر الكثيف الصادرين من غرفة أورويل. 

الكتابة على السرير لا تعنى بالضرورة الراحة أو الترف، أعتقد أن لها ميزة سيكولوجية أيضا. فإن كتبت على السرير فى الصباح الباكر (مثلما أفعل عادة) فأنت ترتاد جزءا مثيرا من الوعى، منطقة ما بين الحلم واليقظة، جزء منك لا يزال فى كهف الظلال الموجود بعالم الأحلام، وجزء آخر يحاول أن يتوافق مع الضوء الحاد للواقع. الخليط غالبا ما يصبح مثمرا وملهما.

من المشهور أن مارسيل بروست كان يكتب دائما على السرير، وغالبا فالفقرات الملتوية المترددة فى (فى البحث عن الزمن المفقود) تحمل علامة هذا المكان الصامت المنعزل. ولم يكن فقط يكتب على السرير، بل كانت غرفته مبطنة بالفلين ليحصل على الهدوء.

بالنسبة لبعض الكتاب فالعمل فى المطاعم مثلا أو الأوتوبيسات هو نوع من التعذيب. شخصيا أعتقد أن القراءة والكتابة على السرير هو أمر مثير ومريح، وهذا خليط جيد.

مُدوِنة أخرى، ليز سكوايرز، كتبت إلىّ: "القراءة هى نشاط حميم؛ حوار بين الكاتب والقارئ. إنها علاقة حقيقية. لذلك فهى نشاط خليق بخصوصية وحميمية السرير. أليس هذا هو المكان الذى نفضل أن نتلقى مكالماتنا الحميمية فيه؟ لماذا تكون القراءة مختلفة؟، وأيضا فالسرير مكان مريح يجعل جلسة القراءة وضعا مثاليا لقراءة الكتب الصعبة والمخيفة والمزعجة. السرير والكتاب رفيقان مثاليان. وهناك شىء أخر، ففى حياتنا المنشغلة يظل الوقت الوحيد الذى نتفرغ فيه لأنفسنا هو الساعة التى نقضيها على السرير قبل النوم. نحن لا نوقف الساعة لنقرأ خلال اليوم – إلا لو كنا فى قطار أو على طائرة ربما – السرير هو المكان الوحيد الذى نسمح فيه لأنفسنا برفاهية أن ننغمس فى كتاب، وحيث يسمح لنا الآخرون بالقراءة بدون إعطاء النصيحة السلبية القاسية التى تدعونا لعمل شىء أكثر إفادة".

أعتقد أن ما قالته صحيح. بالنسبة للكاتب فأن تكون على السرير فهذا يعنى أنك فى حجرة انتظار النوم، انتظار عالم الأحلام، هذا يكون مفيدا جدا أيضا. كم مرة ذهبت إلى النوم وأنا أعانى من مشكلة لم تحل على الورقة، لأجدها عند استيقاظى قد اختفت بشكل سحرى. ستيفن كينج يشير إلى ذلك، بشكل فيه بعض الغموض، على أنه لعب "الصبية فى القبو" (هذا الذى يعرف أيضا باللا شعور).

أخيرا، وعند نقطة ما فعلى المرء أن يقوم، تشرشل الذى كان يكتب على السرير كان يكتب أيضا واقفا، وكذلك همنجواى، وكذلك، على ما أعتقد، جونتر جراس. فإن كان الأمر خيارا بين المنضدة والوسادة فسوف أختار دوما المكان المريح.

2011-07-17

مسيو إبراهيم وزهور القرآن – إيريك إيمانويل شميت – اقتباسات


"حين بلغت سن الحادية عشرة كسرت خنزيرى وذهبت إلى بائعات الهوى.
كان خنزيرى هذا حصالة صغيرة من الخزف اللامع لونها لون القىء، بها فتحة تسمح بدخول النقود ولا تسمح بخروجها، اختارها لى والدى هكذا باتجاه واحد، لأنها كانت تماثل فلسفته فى الحياة القائلة: بأن النقود جعلت للحفظ وليس للإنفاق".

***

"- لماذا يقولون إنك العربى الوحيد فى الشارع إن لم تكن عربيا؟
- لأن عربى يا مومو تعنى فى عالم البقالة (مفتوح من الثامنة صباحا إلى منتصف الليل حتى فى أيام الآحاد)".

***

"بوبول كان هو نقيض العدم الذى كنت أساويه، كان والدى يقذف فى وجهى دائما بذكرى شقيقى الأكبر بوبول كلما أخطأت فى شىء: "بوبول كان دائما متفوقا فى المدرسة، بوبول كان يحب الرياضيات، لم يكن يلوث حوض الاستحمام، بوبول لم يكن يتبول على جانبى مقعد المرحاض، بوبول كان يحب كثيرا قراءة الكتب التى يحبها بابا".
لم تكن تلك الحقائق أسوأ من حقيقة أخرى هى أن أمى تركت البيت مع بوبول بعد ولادتى بفترة وجيزة، صحيح أن العيش مع ذكرى أليمة صعب على الإنسان، لكن العيش إلى جوار بوبول، المثال الحى للكمال فى كل شىء، كان أكبر بكثير مما أستطيع تحمله".

***

"- مسيو إبراهيم، حين قلت إن الابتسام هو إحدى خصائص الأغنياء كنت أريد القول إنه من خصائص السعداء.
- وهذا هو خطأك، إن الابتسام هو الذى يجعل المرء سعيدا".

***

"- إننى أنا الملام، لو كنت مثل بوبول لكان أسهل على أبى أن يحبنى".

***

"- إنه لجنون يا مسيو إبراهيم أن تبدو واجهات محلات الأغنياء بهذا الفقر، إنها ليس بها شىء.
- ذلك هو الترف يا مومو، الواجهة ليس بها شىء، السعر هو الذى به كل شىء".

***

"القواميس لا تشرح جيدا إلا الكلمات التى نعرفها بالفعل".

***

"- بابا، هل تؤمن بالله؟
نظر إلىّ ثم قال ببطء:
- لقد بدأت تصبح رجلا، على ما أرى.
لم أفهم ما هى العلاقة، وللحظة تساءلت إن كان أحد قد أخبره أننى أذهب لزيارة فتيات شارع "بارادى" لكنه أضاف:
- لا أنا لم أصل قط إلى الإيمان بالله.
- لم تصل قط؟ لماذا؟ هل المسألة بحاجة إلى جهد؟
نظر إلى الظلام المخيم على الشقة من حوله.
- أن تؤمن بأن كل ذلك له معنى، نعم لا بد من بذل جهد كبير.
- لكننا فى النهاية يهود يا بابا، أنا وأنت.
- نعم.
- وأن تكون يهوديا لا علاقة له بالله؟
- بالنسبة لى لم تعد له علاقة، أن تكون يهوديا هو بكل بساطة أن تحمل الذكريات، الذكريات السيئة".

***

"- ماذا يعنى بالنسبة إليك يا مومو أن تكون يهوديا؟
- لا أعرف، بالنسبة لأبى يعنى ذلك أن تكون مكتئبا طوال اليوم، بالنسبة لى هو مجرد شىء يمنعنى من أن أصبح شيئا آخر".

***

"أنت لا تملك إلا زوجا واحدا من الأقدام، عليك أن تعتنى به، إذا آلمك الحذاء فلتغيره لأن قدميك ليس بإمكانك تغييرهما".

***

"كان من المستبعد تماما أن أعترف بأن والدى قد هجرنى.. بأننى قد هجرت مرتين، مرة حين هجرتنى أمى بمجرد أن ولدتنى، ومرة ثانية حين هجرنى أبى بمجرد أن بلغت سن المراهقة، إذا عُرف عنى ذلك فلن يمنحنى أحد أية فرصة، ما هو ذلك الشىء الفظيع الذى كان بى؟ ما هو ذلك الشىء الذى يجعل حب الناس لى مستحيلا؟"

***

"حين نريد أن نتعلم شيئا فليس علينا بكتاب، وإنما علينا أن نتحدث إلى إنسان، أنا لا أؤمن بالكتب".

***

"حدثته عن ميريام، حدثته عنها بقدر ما تحاشيت الحديث عن والدى، فبعد أن قبلتنى ميريام فى بلاط خاطبى ودها، بدأت تلفظنى وكأنى مرشح غير مناسب.
- لا عليك، قال مسيو إبراهيم، إن حبك لها ملك لك، أنت الذى تملكه حتى لو هى رفضته، فهى لن تستطيع تغييره، كل ما فى الأمر أنها لن تستمتع به، إن ما تعطيه يا مومو يظل لك طوال العمر، أم ما تبقى عليه فهو ضائع إلى الأبد".

***

"فى (الصالون) أخذ المفتش يدى وقال لى فى لطف: يا بنى إن لدينا خبرا سيئا لك، والدك توفى.
لست أدرى ما الذى أدهشنى أكثر؟ وفاة والدى أم الطريقة المهذبة التى خاطبنى بها الشرطى؟
ارتميت على الفور فى المقعد الذى كان يجلس فيه أبى.
- لقد ألقى بنفسه تحت القطار بالقرب من مارسيليا.
هذا أيضا كان غريبا أن يذهب ليفعل ذلك فى مارسيليا، القطارات توجد فى كل مكان، وأكثرها توجد فى باريس، من المؤكد أننى لن أفهم والدى أبدا".

***

"- لا يا مومو لا تأخذ "الأوتوروت" السريع، فالطريق السريع يقول لك امض فليس هناك ما يمكن أن تراه، إنه من أجل الأغبياء الذين يريدون أن يذهبوا بأسرع ما يمكن من نقطة إلى أخرى، أما نحن فنصنع المثلثات والمربعات كما فى الهندسة، إننا فى رحلة، ابحث لى عن طرق صغيرة جميلة تريك كل ما يستحق أن يُرى".

***

"- إنك كثير الحركة يا مومو، إذا كنت تريد أن يكون لك أصدقاء فيجب ألا تتحرك.
- مسيو إبراهيم، هل تجدنى وسيما؟
- إنك وسيم جدا يا مومو.
- لا ليس هذا ما أقصده.. هل تجد أننى وسيم بالقدر الذى يمكن أن يعجب الفتيات.. دون أن أدفع؟
- بعد بضع سنوات سيدفعن هن لك.
- ومع ذلك.. فى الوقت الحالى.. السوق راكد.
- بالطبع يا مومو، أرأيت كيف تتصرف؟ إنك تنظر لهن كأنك تقول: "أرأيتن كم أنا وسيم"، لذا بالتأكيد سيضحكن منك، عليك أن تنظر لهن وكأنك تقول "إننى لم أر فى حياتى من هى أجمل منك"، فالرجال العاديون مثلى ومثلك- وليس مثل آلان ديلون أو مارلون براندو – وسامتهم هى ما يجدونه فى المرأة".

مسيو إبراهيم وزهور القرآن
إريك إيمانويل شميت
ت: محمد سلماوى

2011-07-10

فيرجينيا وولف وأمى وأنا - مايكل كاننجهام

فيرجينيا وولف وأمى وأنا
مقال لمايكل كاننجهام*


ترجمة أمير زكى
يونيو 2011


* مايكل كاننجهام كاتب أمريكى، كتب رواية الساعات (1998) كانت شخصية فيرجينيا وولف من شخصياتها الرئيسية، حصلت الرواية على جائزة البوليتسر وتحولت إلى فيلم سينمائى بنفس العنوان عام 2002

***


فيرجينيا وولف كانت مصدر بهجة كبيرة فى الحفلات. أريد أن أقول هذا فى البداية لأن وولف، التى ماتت من سبعين عاما هذا العام، تمثّل غالبا على أنها السيدة الكئيبة فى الأدب الإنجليزى، فهى دائما حزينة وغاضبة وتنظر بشر من الركن المظلم فى تاريخ الأدب، وبجيوب ممتلئة بالحجارة.

بالطبع كان لديها فتراتها الكئيبة، وسوف نتحدث عن ذلك بعد لحظات. ولكن أولا أريد أن أخبر أى أحد قد يكون لا يعرف، أنها عندما لم تكن تحت وطأة نوبات الاكتئاب المتكررة، كانت شخصا يتمنى المرء أن تحضر إلى حفلته، فهى شخص يستطيع أن يتحدث بمرح عن أى موضوع. شخص يتألق ويسخر. وقد كانت مهتمة بما يقوله الناس (على الرغم من أنها لم تكن تشجع دوما آرائهم.) وهى شخص كان يحب فكرة المستقبل والعجائب التى يمكن أن يجلبها.

ورغم كونها نسوية جريئة إلا أنها كانت تميل لنقد نفسها لأيام إن علق أحدهم بشكل سلبى على ملابسها. كانت لديها صعوبة فى أن تتمالك نفسها، ومثل عدد كبير منا كانت تعانى من مشكلة فى مجاراة الموضة. وهى أيضا كانت مضطربة بشكل كبير بسبب عملها، فقد كانت تميل لأن ترى أن (تجاربها البينة) فى الأدب ستوضع جانبا مع بقية العجائب والغرائب والجهود الصغيرة التى توضع فى الأراشيف والمخازن. 

هذه ليست قصة غريبة: الفنان غير المقدر جيدا، والذى يقدر مع الوقت. ولكن تظل وولف المخلوق الجذاب غالبا والضعيف دوما، تميل إلى نوبات الاكتئاب، هى حذرة جنسيا ولا تلبس بشكل مناسب، وغالبا لا يقدرها الكثيرون ككاتبة كبيرة بما يكفى لتقف أمام القوة العاصفة للتاريخ. لا تقارن بشخص مثل جيمس جويس، الحداثى العظيم الآخر، الذى يطنطن بعبقريته لأى أحد يستمع له، والذى يخطط لخلوده بحرص كالمحارب الذى يخطط للهجوم.

من بين الأسباب التى جعلت وولف تغرق نفسها من 70 عاما، فى سن التاسعة والخمسين هو ثقتها فى أن روايتها الأخيرة (بين الفصول) كانت فاشلة تماما. هناك كتاب مهمون قليلون نسبيا كانوا متشككين تماما فى حياتهم من إنجازاتهم.

فى حين نشر روايتى (الساعات) التى ظهرت فيها وولف كشخصية، أصبحت بشكل غير متوقع عارفا إن لم أكن محيطا وخبيرا بحياتها وأعمالها. كنت أندهش حين يتكرر ويأتينى شخص ما ويقول: نعم، وولف رائعة، ولكنها ليست جويس، أليس كذلك؟

هى ليست جويس، هى نفسها، كتبت فقط عن أناس من الطبقة العليا، ولم تكتب أبدا عن الجنس. أعمالها الكاملة لا تحتوى سوى على قبلتين رومانسيتين – واحدة فى (رحلة إلى الخارج) وأخرى فى (السيدة دالواى)، وبعد هذين الكتابين المبكرين نسبيا، لا توجد مشاهد جنسية من أى نوع.

ولكن فى الحقيقة فأنا أعتقد أنه مهما كانت التحفظات التى يطلقها الناس على وولف، فى مواجهة جويس، فعليهم أن يتعاملوا مع حقيقة أنها كانت تكتب عن الناس وعن التفاصيل الصغيرة التى كانت، فى هذا الوقت، تخص النساء وحدهن. جويس كان لديه حسا جيدا فى الكتابة غالبا عن الرجال.

كامرأة كانت وولف تعرف إحساس العجز الذى يمكن أن يصيب المرأة التى ليس لديها الكثير لتفعله. وكانت تعرف، بل كانت تصر، أن الحياة التى تنقضى فى الاهتمام بالمنزل وإقامة الحفلات ليست بالضرورة حياة تافهة تماما. هى جعلتنا نفهم أنه حتى الحياة المتواضعة والداخلية تظل بالنسبة للشخص الذى يعيش فيها رحلة ملحمية، مهما كانت عاديتها بالنسبة لمن يلاحظها من الخارج. وهى رفضت أن تتجاهل الحيوات التى يميل معظم الكتاب الآخرين إلى تجاهلها.

ربما يكون لديهم شىء ليكتبوه عن حالة وولف العقلية المضطربة، وخوفها أن تكون هى نفسها من الشخصيات الأقرب لأن تُنسى ويتم تجاهلها. إن انفعلت أو أستثيرت جدا فهى تقع فى حالة من اليأس تصبح كلمة اكتئاب معها غير كافية. فى فتراتها المستقرة، كانت رائعة فى الحفلات. أما فى الحالة الأخرى فتكون محطمة تماما. فهى تهلوس. وتهاجم أقرب الناس إليها، زوجها ليونارد تحديدا، وبحدة مميتة من تلك المتوفرة عند العباقرة، والتى كانت تتملكها عندما تفقد عقلها. فى هذه الحالة لم تكن فيرجنيا مرحة على الإطلاق.

تلك الفترات السوداء كانت تمر دوما، غالبا فى خلال أسابيع، ولكن وولف لم تكن فقط خائفة من النوبة القادمة، وإنما كان قلقة أيضا من كون عدم استقرارها العقلى سيمنعها من الحفاظ على عملها ككاتبة. خوفها من الجنون قادها، عندما بدأت تكتب الروايات، لتكتب روايتين تقليديتين نسبيا: (رحلة إلى الخارج)، (ليل ونهار). أرادت أن تثبت لنفسها وللآخرين أنها عاقلة بما يكفى (ولمعظم الوقت) لتكتب روايات مثل تلك التى يكتبها الروائيون الآخرون. وليس مجرد هذيان وصراخ امرأة مجنونة. وهى كانت مدفوعة أيضا برغبتها فى أن تظهر بصحة جيدة أمام محرر كتبها جورج داكورث، أخوها من الأم، والذى تحرش بها عندما كانت فى الثانية عشر. وولف أرادت أن تظهر لداكورث أنه لم يسبب لها أى ألم مستمر. وليس من الصعب أن نتخيل أنه لا يوجد كتاب رجال كثيرون مروا بنفس الموقف. بعد نشر رواية (ليل ونهار) وبسبب الرغبة فى تجاوز نوبات وولف وللتقليل من استثارتها، انتقلت هى وليونارد لضاحية هادئة بريتشمند، وأسسا دار نشر فى قبو منزلهما. هنا كان ميلاد دار نشر هوجارث، التى كانت إحدى منشوراتها الأولى رواية وولف غير التقليدية (غرفة جاكوب). نشر كتبها بالاشتراك مع ليونارد أدى لاختلاف حاسم. وولف وبشكل مفاجئ أصبحت لا ترد على أحد، وأظهرت قدرتها على كتابة روايات تشبه بعضها البعض. حتى بدأت فترة كتابة أعمالها العظيمة والتى استمرت حتى موتها. فلم تعد تريد إثبات أى شىء لأى أحد. (غرفة جاكوب) تبعتها بـ (السيدة دالواى)، (إلى المنارة)، (أورلاندو).. إلخ.
هذه الحرية الجديدة كانت محورية لوولف كفنانة، ولكنها لم يكن لها تأثير كبير على وقوعها المتكرر فى نوبات الاكتئاب، التى ابتليت بها طوال حياتها. العلاج النفسى لم يكن حتى قد بلغ طفولته آنذاك – فى هذا الوقت نشرت هوجارث أخيرا الكتب المبكرة لفرويد – ولم يكن هناك علاج متوفر لوولف. فى العشرينيات كان يقال إن الاضطرابات النفسية سببها تلوث الأسنان، هذا الذى يصل بطريقة ما إلى المخ. خلعت عدد من أسنانها، ولكن هذا لم يحل المشكلة.

ورغم ذلك، وإن كانت وولف على علاقة وطيدة بالحزن العميق أكثر من معظم الناس، إلا أنها مع ذلك، بتجل غامض للإرادة، كانت أفضل من الكثيرين فى نقل البهجة الخالصة لكونها حية. اللذة العادية فى الوجود ببساطة فى العالم فى يوم ثلاثاء عادى فى شهر يونيو. وهذا واحد من الأسباب التى تجعلنا نحن الذين نحبها، نحبها بهذا الشغف. فكرة أن الأمور قد تكون أسوأ. ولكنها تظل مصرة على التأكيد على الجمال البسيط والدائم، وإن كان ملاحقا بالفناء كما يلاحق الجمال دوما. إعجاب وولف بالعالم، وتفاؤلها به، هما تأكيدان يمكننا أن نثق فيهما لأنهما أتيا من كاتبة رأت أعماق الأعماق. فى كتبها تظل الحياة عظيمة ورائعة واحتفالية؛ إنها تتجاوز أعمق الإحباطات.
قرأت (السيدة دالاواى) لأول مرة وأنا طالب ثانوى بالمدرسة. كنت بطريقة ما متكاسل عن الدراسة، لم أكن صبيا من النوع الذى يختار كتابا مثل هذا ليقرأه (وأؤكد لك أننى لم أفعل هذا، لقد كان جزءا من المنهج فى مدرستى المتكاسلة بلوس أنجلس). قرأته فى محاولة يائسة لأثير إعجاب الفتاة التى كانت تقرأها فى هذا الوقت. أردت، لأغراض عاطفية تماما، أن أبدو أكثر ثقافة مما أنا عليه.

(السيدة دالواى)، من أجل هؤلاء الذين لا يألفونها، تتعلق بيوم من حياة كلاريسا دالواى، سيدة المجتمع التى تبلغ من العمر 52 عاما. تخرج فى الرواية لتشترى احتياجاتها، وتقابل حبيبا قديما لم تعد مهتمة به، تنام القيلولة وتنظم حفلا. هذه هى الحبكة.

على أى حال، نحن لسنا منحصرين فى الرواية عند وجهة نظر كلاريسا، فتيار الوعى ينتقل من شخصية إلى شخصية كما تنتقل العصا من عداء إلى عداء فى سباق الجرى. فندخل عقل بيتر وولش العاشق القديم، ونذهب فى رحلة التسوق مع إليزابيث ابنة كلاريسا. ونقضى وقتا معقولا مع سبتيموس وارين سميث، المقاتل الذى يعانى عصاب ما بعد الحرب (الحرب العالمية الأولى) وغير المتوازن عقليا. ونحن ندخل أيضا لأوقات قصيرة فى عقول شخصيات عابرة تماما؛ الرجل الذى يمر بكلاريسا فى شارع بوند، المرأة الكبيرة التى تجلس على مقعد بالهايد بارك. نحن نعود دوما لكلاريسا، ولكننا نرى وهى تمضى فى يومها المفرط فى عاديته أنها محاطة بتراجيديات وكوميديات متنوعة حولها. نحن نتفهم أن كلاريسا، وهى أى أحد، أثناء أداءها اليومى هى فى الحقيقة تتحرك داخل العالم الواسع، وتغيره بشكل محدود ببساطة عن طريق الظهور فيه.

فى (السيدة دالواى) تؤكد وولف على أن يوم فى الحياة، حياة أى شخص، يحتوى، إذا نظرت له باهتمام كاف، على الكثير مما يحتاجه المرء ليعرف كل شىء عن الحياة الإنسانية، شىء أشبه بالطريقة التى تظهر لنا فيها خريطة الكائن الحى كله عن طريق شريط الدى إن إيه. فى (السيدة دالواى) والروايات الأخرى لوولف، نعرف أنه لا توجد حيوات تافهة، فقط طرق غير لائقة فى النظر إليها.

لم أكن، وأنا فى الخامسة عشر، أفهم أى من ذلك. لم أفهم (السيدة دالواى) وفشلت تماما فى محاولاتى للظهور ذكيا أمام تلك الفتاة (ليباركها الله أينما كانت الآن.)، ولكن كان بإمكانى أن أرى، حتى وأنا طفل جاهل وكسول، كثافة وسيمترية وقوة جمل وولف. كنت أتعجب، أنها تتعامل باللغة بطريقة أشبه بتعامل جيمى هندريكس مع الجيتار[1]. أعنى بذلك أنها تتخذ طريقا ما بين الفوضى والنظام، هى تعزف، وفقط عندما يبدو أن الجمل ستشط نحو الفوضى، تعيدها مرة أخرى إلى النظام بشكل منسجم.

كانت خبرتى الوحيدة مع الجمل قبل ذلك منحصرة على الجمل التقريرية. أما جمل وولف فقد كانت موحية. بدا أنه من الممكن أن تكون الكتب الأخرى محتوية على نفس العجائب. وكما اكتشفت فبعض الكتب تحتوى على ذلك بالفعل. قراءة (السيدة دالواى) غيرتنى، شيئا فشيئا، لأصبح قارئا.

بعد عشرات السنوات من القراءة الأولى، التى جعلتنى مرتبكا ومندهشا، والتى غيرتنى، حاولت أن أكتب رواية عن وولف و(السيدة دالواى). وصلت للفكرة وأنا قلق بشكل مفهوم. من جهة فالمرء إذا وقف بالقرب من شخص عبقرى، فيكون أقرب إلى أن ينظر لنفسه كشخص أصغر مما هو عليه فى الحقيقة، ومن جهة أخرى فأنا رجل، ووولف ليست فقط كاتبة عظيمة ولكنها أيقونة نسوية، وهناك تأكيد طويل الأمد لإحساس أنها تنتمى للنساء.

ما زلت أريد أن أكتب كتابا عن قراءة كتاب. (السيدة دالواى) على الرغم من عدم فهمى العام لأغراضه الكبرى، أظهر لى، فى سن مبكرة نسبيا، ما الذى يمكن فعله بالحبر والورق. يبدو أنه بالنسبة لبعضنا فقراءة كتاب بعينه فى وقت معين هو خبرة حياتية جوهرية، تتساوى هنا مع مصادرنا ككتاب بالخبرات الملهمة التى تقدمها الروايات التقليدية مثل الحب الأول وفقدان الأب، والزواج الفاشل.. إلخ.

مع تشككى الكبير، قررت أنه من الأفضل أن تخاطر بالدخول فى نار محرقة من أن تكتب كتابا وأنت تعرف أنك قادر على كتابته. هكذا بدأت.

روايتى (الساعات) أساسها هو إعادة سرد معاصرة لـ(السيدة دالواى)، أنا تساءلت كم ستتغير شخصية كلاريسا دالواى عن طريق عالم يكون لدى الناس فيه مدى واسع من الإمكانيات. هذه الفكرة أثبتت أنها مجرد فكرة جيدة ولكنها لم تدفعنى للكتابة، نحن بالفعل لدينا السيدة دالواى، سيدة دالواى الرائعة، من فى العالم يريد واحدة أخرى.

ولكونى مصرا (والإصرار هو ميزة جوهرية لأى روائى) لم أمل لفكرة ترك الكتاب تماما. حاولت أن أكتبه بحبكة مزدوجة، أبدل فيه بين الفصول التى تتحدث عن السيدة دالواى المعاصرة والفصول المتعلقة باليوم الذى فى حياة وولف والذى بدأت فيه كتابة الكتاب؛ عندما بدأت وهى متشككة ومضطربة فى وضع الجمل الافتتاحية للكتاب الذى سيبقى إلى الأبد. أنا حاولت حتى كتابة قصة وولف فى الصفحات ذات الأرقام الفردية وقصة كلاريسا فى الصفحات ذات الأرقام الزوجية، بحيث يقبلان بعضهما فى كل مرة تقلب الصفحة. مثل هذه الأفكار يكون لها معنى أثناء الوحدة وأنت فى مكتبك أكثر مما تظهر للناس.

ولكن رغم تضمين العنصر الثانى ظل الكتاب غير مضبوط. ورفض أن يتلاءم مع الأداء الأدبى. ظل بعناد فكرة رواية أكثر منه رواية بالفعل.

عند هذه النقطة قررت أن أدع الكتاب، وأن أكتب بدلا منه كتابا آخر. وفى صباح أحد الأيام وأنا جالس على جهاز الكمبيوتر سمحت لنفسى أن أتساءل عما تعنيه وولف بالنسبة لى، بما يكفى لأقضى معظم العام فى كتابة رواية منحوسة عنها وعن عملها. بالطبع أنا أحببت (السيدة دالواى)، ولكن كل روائى أحب عددا من الكتب والقليل منهم شعروا بحاجة لكتابة كتب جديد عن تلك القديمة. (المثال الذى يأتى للذهن هو رواية جان ريس بحر سارجاسو الواسع، الذى كان يعيد، كما نعرف، سرد رواية جين إير من منظور بيرثا، زوجة روتشستر الأولى.)

ما مشكلتى إذن؟ جالسا على الكمبيوتر، تخيلت كلاريسا دالواى، وتخيلت وولف صانعتها وهى تجلس خلفها، وتلقائيا تخيلت بعدها أمى وهى جالسة خلف وولف.

كما فكرت فى الأمر، بدأت أتعامل مع أمى على أنها الشخصية المنطقية الثالثة. أمى كانت ربة منزل، من نوع النساء اللواتى دعته وولف بـ "ملاك المنزل"، وهى وهبت، مثل العديد من الملائكة، نفسها لحياة كانت صغيرة جدا عليها. كانت دائما تبدو لى كملكة أمازونية، أُسرت وأحضرت إلى الضواحى، حيث أجبرت على العيش فى سجن لم يكن ليحتويها، ولكنه احتواها جبرا.

أمى كانت تتخلص من مشاعرها الغاضبة بالتركيز على كل تفصيلة ممكنة. كان يمكنها أن تقضى نصف نهارها لتختار مناديل المائدة المناسبة للحفل. كان تحضر كل وجبة بشكل رائع، ولكنها تظل قلقة إن كانت أخفقت. حتى أن الجراثيم قررت فى النهاية عدم دخول المنزل تماما، لأنها عرفت أنها لن تجد مكانا فيه.
 
جالسا أمام الكمبيوتر، تساءلت؛ إن محوت الهدف الأعظم – بالنسبة لامرأة يكون رواية، وبالنسبة لأخرى يكون منزلا نظمته جيدا وحافظت عليه بحيث منعت التلوث والحزن من الوجود فيه – فأنت تقوم فى الحالتين بنفس الجهد. هذا هو الأمر. الرغبة فى إدراك المثل الأعلى، فى لمس المتعالى، فى خلق شىء أعظم مما يمكن ليد وعقل الإنسان أن تخلقانه، بغض النظر عن مدى موهبة تلك الأيادى والعقول.

بدا بشكل أساسى أن أمى ووولف مرتبطتان بمهمتين متشابهتين؛ الإثنتان تسعيان نحو مثل مستحيلة، والاثنتان لم تشعرا بالرضا، سواء بكتاب أو بكعكة، فى الحالتين لم يرضيا رغبتهما فى الكمال، هذا المعلق بعيدا عن المتناول.

هذا التشابه يبدو حقيقيا من خلال مضمون أعمال وولف، التى أصرت على أنه لا توجد حياة يمكن أن تهجر، وأن حيوات النساء تكون عرضة للرغبة فى الهجران أكثر من حيوات الرجال.

وهكذا أعدت تسمية أمى بلورا براون (وفقال لمقال لوولف معنون بـ "السيد بينيت والسيدة براون")، أصبح الكتاب ذا حبكة ثلاثية، وانطلقت من هنا.

ورغم أن الكاتب العظيم هو أولا وأخيرا كاتب عظيم، بغض النظر عن حياته أو حياتها أو أموره الذاتية، إلا أن وولف ربما تكون أعظم مؤرخة لحيوات النساء. نساءها لسن سيدات شهيرات لديهن سمعة. ومهاراتهن أقرب للمهارات النسائية التقليدية. السيدة دالواى مثل السيدة رمزى فى (نحو المنارة) هى مضيفة مثالية. الاثنتان لديهما موهبة كبيرة فى تنظيم حفل غداء، ويستطيعان مساعدة أى شخص ليشعر بالارتياح، ويتأكدان من كون الطعام وتنظيم الأطباق فى حالة مثالية. لعشرات السنوات بعد هذه الفترة، تحن نزدرى بشكل كبير هذه القدرات. والأفضال، كما يمكن أن يقال، التى للنساء اللواتى يعانون المشكلات العالمية، لا تزال حتى فى 2011 تنسب عموما للرجال.

جزء من عبقرية وولف يكمن فى رفضها النزول متعاطفة مع شخصياتها، ورفضها لتعظيمهن. ولكن الرجال فى رواياتها هم الذين يبدون سخيفين بعض الشىء؛ ريتشارد دالواى وعمله الصغير بالقضاء، السيد رمزى وحاجته المستمرة لإعادة التأكيد على عبقريته وقوته وقدراته. فبينما يعمل الرجال ويعبرون عن قلقهم ويندبون حظوظهم فى العالم، تبث النساء الحياة فى الرجال وفى عائلاتهن وفى بيوتهن. النساء هن التيارات الكهربية التى تسرى فى الغرف. النساء ليسوا فقط مصادر الراحة بل أيضا الحياة والاكتمال. النساء يعرفن أنه فى النهاية، نحن نظل فى حاجة إلى الطعام والحب، حتى بعد أن يأخذ وظائفنا الشباب، وتنتقل أعمالنا الأرضية إلى رفوفهم.

وولف كانت، وهذا لا يفاجئنا، غير واثقة مما تكتب، حتى لو كانت تكتبه بشكل رائع. هى كانت تعتقد أن أختها فانيسا التى كان لديها أطفال وعشاق وشعور عام بالحرية المهملة مع إخلاصها لنفسها ولرسومها هى الفنانة الحقيقية. وولف كانت تعرف أن أختها ربما لا تكون بالضرورة أعظم المثقفات، ولكننها ظلت تشعر بأن فانيسا ذات روح متوهجة فى حين أنها هى الخالة الثقيلة والنحيلة والعقيمة (زواجها بليونارد كان ودودا ولكنه لم يكن مفعما بالعاطفة) التى تقضى حياتها فى كتابة الكتب. هذه المهمة مثيرة للإعجاب ولكنها جافة جدا إن قورنت برعاية أسرة.

كانت تشعر بهذا حتى وهى تكتب (غرفة تخص المرء وحده)، الوصايا النسوية القديمة. التى يبدو أنه ليس من السهل عدم تنفيذها بشكل أكبر مما نتصور. ربما يمكن أن تقول أنه من معايير العظمة هو قدرة الفنان على التعالى على نفسه وعلى شخصيته، على قلقه وعلى خطاياه. وولف كانت تطلب المساواة للنساء، وفى نفس الوقت، كانت قلقة لأن عقمها كان يعنى أن حياتها كانت عبارة عن فشل.

(الساعات)، والذى كان العنوان المبدئى لرواية وولف (السيدة دالواى) فاجئت كاتبها وناشرها ومحررها، لأنها فرت مما كان يبدو المصير الواضح، وهى أن تُقرأ (غالبا بعدم رضا) من عدد قليل من معجبى وولف وبعدها تسير بما جمعته من كرامة نحو أرفف الكتب المهجورة. ولكنها باعت بشكل جيد (وفقا لقواعد الأعلى مبيعا) وبعدها وهى مفاجأة كبرى للجميع، تحولت إلى فيلم من المعروف أنه ناجح. حيث لعبت فيه نيكول كيدمان دور فيرجينيا وميريل ستريب كلاريسا، وجوليان مور دور لورا. عدد من الناس سألنى عما أعتقد أنه سيكون رأى وولف فى الكتاب والفيلم. أنا متأكد أنها كانت ستكره الكتاب، فقد كانت ناقدة حادة. وربما سيكون لديها تحفظات على الفيلم، وإن كنت أعتقد أنه كان سيسرها أن ترى نجمة سينمائية من هوليود تقوم بدورها.

أمى، الشخص الحى الوحيد الذى ظهر فى الكتاب، لم يعجبها الكتاب، وإن كانت ادعت بشجاعة أنها تحبه. أنا، المخلوق الأنانى، اعتقدت أنها ستكون سعيدة لفكرة أننى اعتبرت حياتها مهمة بما يكفى لتوضع فى رواية. ولكن لم يكن يخطر ببالى أنها ستشعر بالاستباحة والخيانة، وأن حياتها لم تفسر بشكل صحيح. أيتها الأمهات، لا تنشئن أولادكن ليصبحوا روائيين.

بعد عدة سنوات من نشر الرواية، وأثناء تصوير الفيلم، أكتشف أن امى مصابة بالسرطان. لم يكن هذا معروفا لمدة طويلة، وحينما عرفناه كان قد مر وقت طويل. عاشت لمدة أقل من عام بعد التشخيص.

كنت فى لوس أنجلس معها، ومع أبى وأختى أثناء أيامها الأخيرة. اتصلت بسكوت رودين، منتج الفيلم، وقلت له: أنا لا أعتقد أن أمى ستكون قادرة على مشاهدة الفيلم، هل يمكن أن ترتب لها رؤية أى شىء جاهز منه؟ رودين كان لديه عشرون دقيقة من المشاهد يمكن أن تعرض على شريط فيديو، أحضره مندوب إلى منزل أسرتى، وضعته فى التلفزيون فى حين انتظر المندوب بهدوء فى غرفة أخرى.

وجدت نفسى جالسا مع أمى المريضة والمحتضرة على أريكة كانت لدينا منذ كنت فى الخامسة عشر، نشاهد جوليان مور وهى تقوم بدورها، وكأن عملية تناسخها قد تمت وهى لا تزال حية.

هذه حادثة صغيرة جدا بالنسبة لطبيعة الأشياء. إنها من مظاهر الرحمة الصغيرة. إلا أنه بعد عشر سنوات، ما زلت مذهولا من طبيعة الأحداث؛ فمن جهة لدينا وولف التى تبدأ روايتها الجديدة، قلقة من كونها لن تكون أكثر من كونها رغبة عن كتابة تجربة فاشلة أخرى لإنسان آخر، مكتوبة بواسطة امرأة غريبة الأطوار أكثر من كونها عبقرية، كاتبة متطلبة تهتم بحيوات نساء عاديات فى عالم محاصر بالمعارك والآلام، ومهدد بأن يفنى كله. ومن جهة أخرى، وبعد 70 عاما، لدينا أمى، المرأة التى ربما ومن الممكن أن تكون قد كتبت عنها، ترى ممثلة متألقة تقوم بدورها، وتعرف (على الأقل أتمنى أن تعرف) أن حياتها تعنى أكثر مما سمحت لنفسها أن تتخيل.



[1]  جيمى هندريكس (1942-1970) أمريكى، من أشهر وأهم عازفى الجيتار فى العالم.