2011-11-27

منتصف لعبة صمويل بيكيت


منتصف لعبة صمويل بيكيت
مقال لدنيس دونوهيو*
* دينيس دونوهيو يدرّس الأدب الإنجليزى والأيرلندى والأمريكى بجامعة نيويورك



ت: أمير زكى
نوفمبر 2011

المقال مكتوب بمناسبة صدور المجلد الثانى من الخطابات المختارة لصمويل بيكيت

***

صمويل باركلى بيكيت ولد فى فوكسروك بجنوب دبلن، فى ربيع 1906، هناك خلاف عن التاريخ الدقيق لميلاده. مات فى باريس فى 22 ديسمبر 1989. فى فترة 60 عاما كتب أكثر من 15000 خطابا. محررو "خطابات صمويل بيكيت" يخططون لنشر اختياراتهم لـ2500 خطابا كاملا، والإشارة إلى 5000 آخرين فى شروحاتهم الضخمة، فى أربعة مجلدات. الخطابات المكتوبة بالفرنسية منشور أصلها ثم يترجم ذلك للإنجليزية. المجلد الأول الذى يضم الخطابات من 1929 حتى 1940، نشر فى 2009.

العنوان الفرعى للمجموعة الجديدة "المجلد الثانى: 1941-1956" مضلل قليلا. فلسبب وجيه لا توجد خطابات فى الفترة ما بين 10 يونيو 1940 و17 يناير 1945. فى 12 يونيو 1940 وقبل يومين من احتلال الجيش الألمانى لباريس، بيكيت وشريكته – التى أصبحت زوجته بعد عدة سنوات - سوزان ديكوفو دومينيل تركا المدينة متجهين أولا إلى منطقة حكومة فيشى ثم بعد ذلك إلى بلدية أركاكون، حيث أجبرا على العيش لمدة ثلاثة أشهر. فى منتصف سبتمبر خاطرا بالعودة لشقتهما بباريس. فى 1 سبتمبر 1941، شارك بيكيت فى المقاومة، وهى خلية عمليات تنفيذية بريطانية خاصة. كانت وظيفته هى استقبال وكتابة الرسائل عن حركة القوات الألمانية، هذه الرسائل التى كان تبعث بعد ذلك للبريطانيين. فى سبتمبر 1942 وعندما تم الإرشاد عن الخلية، هرب بيكيت وسوزان إلى فرنسا غير المحتلة، وبعد أسابيع ممتلئة بالتقلبات، استقرا فى بلدية روزيلان دابت بمحافظة فوكلوز، وظلا هناك لعامين حتى تحرير باريس فى 25 أغسطس 1944. ليس من المفترض أن نسأل عن خطابات مرسلة أو متلقاة آنذاك. فى 12 أكتوبر عام 1944، عاد بيكيت لشقته. أول خطاب فى المجلد الثانى يعود تاريخه لـ17 يناير 1945.

سنوات باريس التى تلت الحرب كانت شديدة الصعوبة. بيكيت وسوزان كانا فقراء تماما. المال الذى تركه له أبوه تضاءل إلى حد كبير فى الوقت الذى وصلا فيه إلى فرنسا. كيف كتب أى شئ فهذا أمر عجيب. كتب روايته "وات" أثناء الحرب، ولكن جعلها تنشر فهذه كانت مأساة، فقد أخذت أعواما. فى مارس 1949 وللهرب من ضوضاء باريس، استأجر بيكيت وسوزان غرفة بلا مقابل تقريبا فى أوسى سير مرن، وهى قرية تبعد حوالى 35 ميلا من باريس. هناك كان بإمكانه أن يكتب، وفى أوقات الظهبرة كان يزرع الأشجار بالحديقة، ويسير طويلا مع سوزان. فى 1 يونيو عام 1949 كتب لصديقه جورج دوثويت:

"فى إحدى الأمسيات كنا عائدين إلى أوسى، وعند شروق الشمس فجأة وجدنا أنفسنا محاطين بحشرات غريبة، ذبابات مايو على ما أعتقد. كن جميعا يتجهن نفس الاتجاه، يسرن بالضبط على الطريق، بنفس سرعتنا. لم يكن هذا انتحاء شمسيا لأننا كنا نتجه للجنوب. فى النهاية اكتشفت أنهن كلهن متجهات نحو نهر المارن، لتأكلهن الأسماك، بعد أن يمارسن الحب على سطح الماء.

حياته بدأت تتيسر قليلا فى عام 1950: توفت أمه وتركت له بعض النقود. والأهم من هذا أن رعاه جيرومى ليندون من دار نشر إيديسيون مينوى، الذى لم ينشر كتبه فحسب، ولكن كان يتصرف كوكيله المخلص. نشرت الروايات على فترات قصيرة: "مولوى: (1951)، "مالون يموت" (1951)، "اللا مسمى" (1953). و"وات" ظهرت متأخرة فى عام 1953. ولكن الحدث الحاسم كان هو العرض الأول لـ "فى انتظار جودو" فى مسرح دى بابيلون بباريس فى 5 يناير عام 1953. بعد هذا: طوفان من الشهرة، بعض الثروة وفى 1969 جائزة نوبل.

عقليا، فأكثر الدوافع أهمية فى حياة بيكيت أثناء سنوات المجلد الثانى كانت صداقته بدوثويت. أول خطاب له يعود لتاريخ 27 مايو 1948، ولكنهما كانا صديقين من قبل ذلك. المراسلات بينهما كانت مستمرة حتى 2 مارس 1954 حيث قلت إلى أن انتهت. دوثويت كان محرر جريدة "ترانزيشن" التى أعيد إحياءها، وهى مجلة باللغة الإنجليزية تعنى بالثقافة الفرنسية بشكل أساسى. هو كلف بيكيت بترجمة مقالات من الفرنسية للإنجليزية ولمراجعة الترجمات التى يقوم بها الآخرون. دوثويت كان ناقدا، وخبيرا بالرسم الفرنسى والأمريكى المعاصر بالإضافة إلى الفنين البيزنطى والشرقى. بيكيت لم يكن يعتبر نفسه ناقدا، وإن كان قد نشر كتابا قصيرا عن بروست وعدد من المقالات والعروض التى تحوى رؤاه. ولكن من آن لآخر يجد نفسه منجذبا للحديث عن نظرية الفن وعن إشكالية اللغة، مثلما حدث عن طريق صديقه أكسل كون، الذى انتزع ردا من بيكيت عن اللغة فى 9 يوليو 1937:

"طالما أننا لا نستطيع أن نرفضها مرة واحدة، فعلى الأقل نحن لا نريد شيئا غير مكتمل ليزيد من سوء سمعتها. علينا أن نحفر فيها حفرة بعد الأخرى حتى يبدأ ما هو رابض بالأسفل، سواء كان هذا شىء أو لا شىء، بالتسرب – أنا لا أستطيع تخيل هدف أسمى بالنسبة للكاتب فى هذه الأيام".

وعن طريق المترجم هانز نومان الذى تلقى خطابا من بيكيت فى 17 فبراير عام 1954 يتضمن الجملة الشهيرة: "فى كل الأحوال سأعطيك إشارة واحدة: الحاجة لتكون غير مستعد".

فى الشهور الأولى من عام 1949، بيكيت ودوثويت كانا مأخوذين جدا برسوم صديقهما بارم فان فيلد، وهو فنان ألمانى كان يقيم فى باريس. بيكيت كان معجبا برسومه بشكل كبير، ودوثويت كان أقل من ذلك. المشكلة كانت هنا: كيف تكتب عنها، وتعلى من شأنها. بيكيت عادة كان ينظر إلى إحدى الرسوم لمدة ساعة، بإعجاب كبير، ولكنه لا يجد شيئا ليقوله عنها ربما باستثناء: "رائع.. رائع". النظر لرسوم فان فيلد، على الأقل لمرة دفعه للوصول لنغم البهجة. كتب لدوثويت فى 10 سبتمبر 1951:

"أنا أفكر دوما فى الرسوم الأخيرة، معجزات من العجز المهتاج، إلى جانب جمال وروعة كحطام سفينة من الضوء الفسفورى... مع طرق عظيمة متسعة حيث كل شىء يندفع ويعود مرة أخرى، إلى جانب الهدوء المحطم للعمق الحقيقى".

ولكن بيكيت اكتشف سريعا بأنه عندما يكتب عن فان فيلد فهو يكتب عن نفسه أو يحاول أن يضع فان فيلد فى مكانه. ككاتب طليعى، بيكيت كان ينتقد الولاء البرجوازى؛ الحديث عن التعبير والتواصل، الماضى، الاستعارات القديمة، الأحداث القديمة، "هزلية العطاء والتلقى". فى "الحوارات الثلاثة" التى كتبها مع دوثويت فى عام 1949، تحدث عن أفضلية "التعبير عن أنه لا شىء يمكن التعبير عنه، لا شىء بواسطته يمكن التعبير، لا شىء من خلاله يمكن التعبير، لا توجد قدرة على التعبير، ولا رغبة فى التعبير، كل هذا مع جبرية التعبير". برام فان فيلد كان الرسام الأول، وفقا لبيكيت، "التى تتجرد رسومه، قل تتخلص، من الحدث بكل صوره وأشكاله، المثالية مثلها مثل المادية، والأول الذى لم تتقيد يديه بيقينية أن التعبير هو فعل مستحيل". 

الخطابات إلى دوثويت – وخاصة خطاب 9 مارس 1949 – تظهر أن بيكيت كان يثقل دماغه بهذه المتناقضات، ويتمنى أن يتخلص منها، وبالتأكيد فقد كان ممتنا لدوثويت الذى ساعده فى الحفاظ على نفسه. فهما ناقشا أسئلة أخرى: ماذا ينبغى أن يتم مع "جودو" الآن، وكيفية إنتاجه على المسرح. بيكيت كتب المسرحية بسرعة، بين أكتوبر 1948 ويناير 1949ـ ودوثويت ساعده بهذه التفصيلة:

"أنا استوعبت حقا ما قلته عن ملاحظات العرض. هذا سيساعدنى، هى ساعدتنى حقا. أنا أنظر إليها إلى أنها تحمل خبثا كبيرا، كما فى الظل الساخر لشجرة لا تستطيع حتى أن تشنق نفسك عليها".

وفى موضع آخر: "فى "جودو" هناك السماء التى هى مجرد سماء بالاسم، هناك الشجرة التى تجعلك تتساءل إن كانت كذلك، فهى صغيرة وذابلة. أنا أود أنا أراها مقامة بأى طريقة، مجردة بشكل محبط كما الطبيعة، بالنسبة لاستراجون وفلاديمير، مكان للمعاناة، مسيل للعرق والنتانة، حيث ينمو نبات اللفت أحيانا، أو ينفتح الخندق".

هناك أكثر من ذلك، ولكن فى النهاية – مارس 1954 – طلب بيكيت من دوثويت أن يكف عن الشرح والتوضيح. فكما قال: هو ليس مؤهلا لهذه الوظيفة. وقال عن رسوم جاك ييتس: "حتى بالنسبة لهذ الرجل الكبير الذى أحبه وأحترمه، أنا لا أستطيع على الإطلاق أن أتهيأ لنسيان نفسى قليلا".

الميزة الأكثر حميمية فى هذه الخطابات، وليس فقط الخطابات الموجهة لدوثويت، هى ثقة بيكيت فى خبرته الذاتية. كلما قاد نفسه نحو التأكيد التنظيرى، كلما سلم بصحة حقائقه هو. هو لم يسمح أن يتم تهديد التجربة عن طريق النظرية. هو رفض امتيازات الماضى، ولكن ليس ماضيه هو. بعض الحوادث الصغيرة من سنوات طفولته بفوكسروك يتم استعادتها عدة مراته فى نثرياته ومسرحياته. "لو كانت كلها مجرد خيال؟". هكذا يتمنى بيكيت فى رواية "يُرى بشكل سىء، يقال بشكل سىء". ولكنها لم تكن خيالا مجردا، ولا هو كان يتمناها كذلك حقا. هو أراد أن يحرر عقله من أجل أن يتحاور مع نفسه، ولكنه لم يترك أبدا أحداث حياته التى تقطع جمله. المسرحية الإذاعية "كل الساقطين" هى ذكريات مجردة: "أنا أعرف خط السكة الحديد جيدا، وطريق شارع هاركورت الذى اعتدت أن آخذه يوميا ما بين ستيلورجان ودبلن".

حتى اللغة القديمة الفقيرة المنحطة: كلما أراد بيكيت نقدها كلما أحبها بلا سبب. كما كتب فى "من عمل مهجور":

"هناك، هناك، هناك مكان فى قلبى من أجل كل هذا الذى انتهى، من أجل الوجود الذى انتهى، أنا أحب الكلمة، الكلمات هى محبوباتى الوحيدات، ليس الكثير منها".

وفى "نحو الأسوأ":

"الكلمات أيا كانت. أى مكان للأسوأ!كيف أن الأقرب للحقيقة أنها أحيانا ما ترن! كم تحتاج إلى التفاهة! أن تقول إن الليل شاب للأسف وتكون شجاعا".

هناك أشياء كثيرة قادمة: الخطابات التى كتبها بينما كان ينهى "لعبة النهاية"، ويكتب "الأيام السعيدة"، و"شريط كراب الأخير"، و"كيف هذا"، والعمل الصغير والجميل "يُرى بشكل سىء، يقال بشكل سىء" ولكن هذا سيكون فى المجلدين النثريين القادمين".

2011-11-13

ما هو الجانب الخفى عند صمويل بيكيت


مقال لجلين فينسنت (صحفى وكاتب مسرحى أمريكى)

ت: أمير زكى
نوفمبر 2011

المقال مكتوب بمناسبة صدور المجلد الثانى من الخطابات المختارة لصمويل بيكيت

***
"ليس من السهل المرور عبر الأعمار من قبل ذات مغتربة تماما، وشخص يبالغ فى تقدير المأوى". صمويل بيكيت فى خطاب لتوماس مجريفى.

الشهرة جاءت متأخرة لصمويل بيكيت. فى عام 1950 وبيكيت فى الرابعة والأربعين كان كاتبا أيرلنديا غير معروف، يعيش مقتصدا بغرفة فى باريس. كان يقوم برحلات كل صيف عائدا إلى أيرلندا ليزور أمه المريضة، وكانت تُنشَر له من آن لآخر مقالة أو قصيدة فى مجلات أدبية مغمورة. بداية من نهاية الحرب العالمية الثانية كان قد أنهى خمس روايات ومسرحيتين، وإن ظلت جميعها تقريبا غير منشورة حتى ذلك الوقت. بيكيت شعر بأنه مفرغ، غير قادر على الكتابة، وحياته متوقفة؛ كما كتب لصديقه المقرب والأمين، مؤرخ الفن، جورج دوثويت:

"كما ترى يا صديقى القديم جورج، لقد كنت على حق فى عدم الكتابة إليك. أنا لا أعرف إلى أين أنا ذاهب، أنا لست بالشخص الذى يتحرك. هناك شىء يصل لنهايته، وهذه المرة أنا لا أرى شيئا يحل محله... لا تعتقد أننى أشكو. أشكو من أن شيئا ينتهى، أو من أن شيئا لا يبدأ". 

خطابات بيكيت العديدة لدوثويت هى ضمن أكثر الخطابات جاذبية وإثارة المتضمنة فى المجلد الثانى من مجموعة خطابات بيكيت التى نشرتها منشورات جامعة كامبريدج هذا الشهر، وهى تغطى السنوات الهامة 1941-1956. خلال تلك الفترة انتقل بيكيت ليكتب بالفرنسية، ونشرت بعد ذلك، بعد عام 1950، رواياته الأهم (مولوى، مالون يموت، اللا مسمى)، و(فى انتظار جودو) التى جذبت له الشهرة العالمية.

بعد نجاح جودو، تغيرت أعمال بيكيت وتغيرت أحواله الاجتماعية (أضاف سيارة دوس شوفو وعربة يدوية وتليفون لممتلكاته الأرضية) ولكن هذه الخطابات تظهر إخلاصا ملحوظا لفلسفته، هذه النظرة النابعة من الوحل، إيمانه بأن الحياة نفسها لن تتغير. هو واثق من أنه مهما اختار من اتجاه فاللا شىء هو الذى سينتصر. إنه تأكيد نستطيع إدراكه فى صيغة الأمر اللا إرادى المزدوج "أنا لا أستطيع الاستمرار.. أنا سأستمر"[1]، هذا الذى نعرفه مع بيكيت.

فى أحد خطاباته الرائعة والفريدة إلى دوثويت، يصف بيكيت ما يسميه – خذوا نفسا عميقا – "شجاعة نقص اللا وجود": 

"من المؤكد أنها تُلتمَس فى استحالة كونك مخطئا دائما وبما يكفى، سخيفا ومنهزما دائما بما يكفى... أن لا يكون على المرء أن يعبر عن نفسه، أو يتورط فى أى شكل من أشكال السمو، فى عالم المرء الذى بلا تحديد أو قيمة أو هدف؛ هذه لعبة تستحق المحاولة، وهى لعبة لن تنجح، مهما نجحت".

فريق المحررين الذين جمعوا أول مجلدين من الخطابات فعلوا ذلك على مدار عقد، وزودوا الخطابات بملاحظات وشروحات مكثفة ومنضبطة عن كل كتاب ومقال ومسرحية ولوحة وقطعة موسيقية ذكرها بيكيت. إنه عمل مبهر يقدم العديد من النصوص المفاجئة والدالة.

مقالة المحرر دان جان المبتكرة فى مقدمة المجلد تركز على رسائله مع دوثويت، وأيضا بشكل خاص رسائله الموحية إلى باميلا ميتشيل؛ وهى امرأة أمريكية شابة قابلها بيكيت فى باريس عام 1953. ميتشيل وقعت فى غرام بيكيت وعادت إلى باريس فى ربيع 1954. العلاقة دارت فى لحظة حاسمة من حياة بيكيت، فى هذه الأثناء كان أخوه الأكبر فرانك يموت من السرطان بأيرلندا، وإنتاج مسرحية جودو غير المستقر فى لندن كان لا يزال معلقا فى الهواء. (جيمس نولسون، كاتب سيرة بيكيت الذاتية، قال عن هذه الأشهر الأربعة أنها من ضمن "أكثر أيام حياته اضطرابا".)

من أيرلندا، حيث ذهب ليكون بجانب أخيه، كتب بيكيت لميتشيل أولا بحرارة، وبعدها باقتضاب أكثر. يكتب جان: "ااحقيقة أن ميتشيل كانت حبيبته، وأنه قرر إنهاء علاقتهما، يبدو أن هذا سمح له، خلال فقده المزدوج، أن يحزن بشكل أكثر حرية: من أجل أخيه، من أجل نفسه، ومن أجل الحب الذى قرر أنه لن يدوم؛... نادرا ما سمح بيكيت لنفسه بالشاعرية، مهما كان العالم مؤلما، هذا الذى يظهر فى مجموعة خطاباته".

ومع ذلك كان من الغريب أن العديد من هذه الخطابات حذفت من المجموعة أو أبعدت لتكون فى بنط صغير، أو فى هامش من سطر واحد. هذا يتضمن خطابات يُعلِم بيكيت فيها ميتشيل عن مغادرته المفاجأة والمؤلمة إلى أيرلندا وعن انتهاء علاقتهما (رغم أنها لم تنته بالفعل)، ذلك أثناء عودته لباريس بعد أربعة أشهر.

كتب بيكيت إلى ميتشيل: "أنا لم أعد أحب. بالنسبة لى فالأشياء يجب أن تسير كما هى. أنا ليس لدىّ ما يكفى من الحياة لتغيير الأشياء حتى... فكرة السعادة لم يعد لها معنى بالنسبة لى على الإطلاق. كان من المفترض أن أقول هذا لك من فترة طويلة. ولكن هذا لم يكن من الواضح ساعتها كما هو الآن. وبينما كان أخى يموت فهذا لم يكن واضحا على الإطلاق". أنا قرأت الخطاب المحذوف من المجلد بينما أبحث فى كتاب فى مجموعة بيكيت بجامعة ريدينج. جزء من الخطاب نشر أيضا فى كتاب نولسون "ملعون بالشهرة".

هذا الإعلان الأساسى، شعور التخلى ذلك يتم التعبير عنه بشكل مشابه فى مسرحية "لعبة النهاية"، المسرحية التى كان قد بدأ الكتابة فيها بشكل غير منتظم فى هذه الأثناء، وهذا يستحق أن نلاحظه ونكتشفه. ولكن المادة الثرية التى يمكن أن تقدم تزويد بديل عن اضطراب وتكوين وبنية حياة بيكيت عندما نحتاج ذلك، تعتبر أقل دلالة فى مقابل الملاحظات عن العقود والخيارات المتاحة، والأعمال المحتمل إنتاجها، وحتى الملاحظات الموجهة للطابعين فيما يتعلق بعلامات الترقيم.

إحدى الغرائب المتعلقة بدراسة بيكيت، أنه بينما يوجد العديد من الاهتمام المحاط به – ثلاث سير ذاتية، مئات من الكتب الأكاديمية، والآن هذين المجلدين من الخطابات – إلا أنه تبقى العديد من الفراغات المربكة غير المعروفة (لا توجد ولم تظهر خطابات لأمه وهى الشخص البارز فى حياة بيكيت، لا توجد خطابات لأى من أفراد الأسرة المقربين، ولا حتى لسوزان ديكوفو دومينيل، رفيقته وزوجته) هذا الذى يمنع بشكل مزعج مناقشة جوانب محددة من حياة بيكيت الشخصية.

المبدأ الذى قاد المحررين فى اختيار الخطابات هو تقدير أمنيات بيكيت واختيار الخطابات التى لها علاقة بأعماله فقط. رغبة بيكيت فى الخصوصية موثقة جيدا. ولكن كما لاحظ آخرون فالصعوبة كانت فى تحديد الخط الفاصل بين حياة بيكيت وكتاباته، التى، وعلى الرغم من تجريدها وعمقها، تتسم بدافع انفعالى وبشكل ما هى شخصية بشكل كبير.

كيف توفق بين شخصية بيكيت الخجولة والمتحفظة والوضوح فى كتابته؟ إنها تعبر عن ملاحظة للذات الموسوسة التى تعبر عن استياءه الروحى والجسدى، والتفاصيل العيادية لجسده (قل شخصيته)، كل ألم، وكل تضخم، وكل إفراز، وكل انتصاب (أو عدم انتصاب)، وكل ريح خارج، وكل دقة قلب؟ بيكيت كان يكتب كأنه يقتفى أثر ذاته. كان قد أخبر ميتشل: "أنا بشكل عبثى وغبى مخلوق ناتج عن كتبى".

بنفس طريقة اعتقاد بيكيت أنه بإمكانه استخراج حياة صمويل بيكيت من أعماله، يبقى الإثنان  شيئا واحدا بشكل معقد. هذا شىء نادرا ما اهتم بيكيت بمناقشته، ليس بالضرورة لأنه أمر مربك (على الرغم من أن امتناعه عن نشر معظم أعماله المبكرة يدل على أنه كان غير مرتاح لمضمونها وما يمكن استخراجه منها.) صمته كان سببه، كما قال فى أكثر من مناسبة، أنه غير قادر على فهم العلاقة هو نفسه. كما كتب فى رواية "اللا مسمى" عن الشخصيات المعارضة له:

"أنا لست، أنا لست بحاجة لقول ذلك، أنا لست مورفى ولا وات ولا ميرسيه[2] ولا..، لا، أنا لا أستطيع أن أضغط على نفسى لأسميهم، ولا الآخرين الذين نسيت أسماءهم، والذين أخبروننى أننى كنتهم، والذى من المؤكد أننى حاولت أن أكونهم".

من منطلق هذه العلاقة الغريبة بين الذات (مهما كانت محطمة) والنص والمعنى (إن كان هناك معنى) يستمد عمل بيكيت الكثير من قوته. إنه توقع الإلهام وتهديدات الإفناء الذاتى، وحميمية الحميمية المفقودة مع الذوات الأخرى، والإصرار على الملامسة والانسحاب، والاختلاف بين المخفى والمرئى هذا الذى يجعلنا متعلقين بكل كلمة يكتبها. وسط عدم الوثوق هذا، نحن نكتشف الحوادث "الواقعية" من حياته، تلك التى يقدمها لنا فى جرعات صغيرة (خاصة فى أعمال مثل "صحبة" و"شريط كراب الأخير") كما لو أنها إشارات سرية موجهة لشخصيته المتأزمة.

أن تكشف أكثر عن حياة بيكيت الخاصة فهذا ليس تحايلا على رغبته، طالما أن هذا - فى العقود الأولى لما بعد الحداثة وشفافية أسلوب التويتر – هو الذى – كحداثى –  كان يميل إليه إن لم يكن يبحث عنه. القارئ المعاصر يريد شريكا أكثر مما يريد قديسا أدبيا. كهذا الرجل بكل متناقضاته، وآلامه العميقة، وإدماناته وعلاقاته، واحتياجه الشديد للحب والصحبة بنفس قدر حاجته للعزلة، وميله الجنسى المعقد، وذاته المغتربة والمنفتحة، و، كما يبين مجلد الخطابات هذا بشكل كبير، طموحه اليائس فى أن تكشف كتاباته إنسانيته.

فى خطاب كتبه عام 1956 لمخرجه الأمريكى آلان شنايدر، عن العرض القادم لـ"لعبة النهاية"، كتب بيكيت: "أنا ألهث لأرى رد الفعل ولأعرف إن كنت على الطريق ويمكننى أن أتعثر، أم أننى فى الوحل". مرة أخرى.


[1]  هذه هى الجملة الأخيرة فى رواية بيكيت "اللا مسمى"
[2]  أسماء شخصيات من روايات بيكيت الأولى.

2011-11-06

أصل الأخلاق وفصلها - فريدريك نيتشه (3-3)


يناقش نيتشه فى هذا المقال المعنون بـ"ماذا تعنى المثل الزهدية؟" المثال الزهدى في جميع أشكاله..

أولا يناقش معنى المثال الزهدى عند الفنان، ويقول ببساطة أنه لا يوجد معنى للمثال الزهدى عند الفنان، وفى موضع آخر يقول إن معانيه عنده متعددة إلى الحد الذى يصح أن نقول فيه أنه لا يوجد معنى عنده، وإحدى هذه المعانى المتعددة هى كون الفنان منفصل عن فنه، وكونه لا واقعيا، يمثل نيتشه لذلك بقوله إن هوميروس لو كان مثل أخيل لما كتب عن أخيل، وجوته لو كان فاوست لما كتب عن فاوست. من جهة أخرى فالفنان على مر التاريخ كان على الدوام خادما لأخلاق ما لفلسفة أو ديانة، فهو دائما يكون بحاجة إلى سند، وبنفس الطريقة اعتمد فاجنر على مثال زهدى وهو المثال الذى طرحه شوبنهاور. 

إذا انتقلنا للمثال الزهدى لدى الفلاسفة فنيتشه يرى أن الفلاسفة عبر الأزمنة والأمكنة، كانوا باستمرار على عداوة مع الشهوة، وشوبنهاور يمثل ذروة هذه العداوة. فالفيلسوف مثله مثل أى إنسان يسعى نحو الوضع الأمثل لاستعراض قوته، وهذا لن يتحقق للفيلسوف إلا بالتخلص من الانزعاج والمشاغل والواجبات والهموم القائمة فى العالم.

المثال الزهدى عند الكاهن

بعد الفنان يتحدث نيتشه عن الكاهن الزاهد، الكاهن الزاهد يكون زهده هو مقوّم حياته، فهو يستمد قوته من مقاومة أعداء هذا المثال (نلاحظ أن الاستمرار يتطلب مقاومة، مثل تطلب شوبنهاور لهيجل وغيره كمقاومين له لكى يستمر)، وبالنسبة للكاهن الزاهد تكون الحياة خطأ لا بد من التراجع عنه لصالح وجود آخر – يمكننا أن نقول إنه غير حقيقى – يحتفى به. والكاهن الزاهد لا يريد فحسب السيطرة على شىء من أشياء الحياة بل يريد السيطرة على الحياة كلها، يبدو أن إرادة الزهد هذه تحتوى على تناقض فهى ترفض الحياة وتحاول السيطرة عليها فى نفس الوقت. 

نيتشه يرى أن نوعية الكاهن الزاهد موجودة فى كل الأعراق وفى كل المراتب الاجتماعية. "إنها محاولة لاستخدام القوة من أجل إنضاب نبع القوة وأصلها". فى حين تصير الأشياء المضادة للحياة كالمرض وإذلال الجسد وإماتة الرغبات هى الأمور الداعية للنشوة والمتعة بالنسبة له. 

يأتى الوقت الذى ستتفلسف فيه هذه الطبيعة الزهدية، وهى بالتالى تضع الحقيقة فى مكان بعيد عن الحياة، الحياة التى تعتبرها خطأ، مثل الفلسفات الهندية الفيدية التى تعتبر العالم المادى كله أوهاما. وما قسمة كانط حاول عالم الظواهر وعالم الشىء فى ذاته إلا امتداد لهذه النظرة الزهدية. 

ولكن امتدادا للتناقض المنطلقة منه الإرادة الزهدية، يشير نيتشه إلى أن هناك واقعا فسيولوجيا يفسر المثال الزهدى، وهو أن الحياة المتدهورة تحاول الحفاظ على نفسها، تحاول الحفاظ على الحياة.

وإذا كان المرضى – مرضى الحياة – هم الذين يشكلون المثال الزهدى فهم بالتالى يمثلون أكبر خطر على الأصحاء والأقوياء، الذين لا تكون مصاعبهم مع من هم أقوى بل مع من هم أضعف، هؤلاء الذين يسممون الحياة. لأن هؤلاء أيضا هم من يشككونا فى الحياة. هم الذين يتساءلون "كيف يسعنى أن أتخلص من ذاتى؟". و"أنا متعب من هذه الذات". هذا التسميم الذى ينتهى بأن يقول الأقوياء: "من العار على المرء أن يكون سعيدا فى وجود هذا البؤس كله". 

بنفس هذه الطريقة تنقلب القيم بالشكل الذى تحدثنا عنه فى المقال الأول. 

يطلب نيتشه بالتالى  فصل المرضى عن الأصحاء حتى لا يصير الأصحاء مرضى. وهذا ما يطلبه من الأقوياء، فإما الصحبة الجيدة أو العزلة. فلا بد - من وجهة نظره - المدافعة عن الإنسان ضد المرضين الرهيبين: "القرف العميق من الإنسان"، و"العطف العميق على الإنسان".

الكاهن الزاهد.. راعى المرضى

وجود المرضى يتطلب وجود أطباء لهم، ولما كان هذا ليس دور الأصحاء، فمريض آخر يقوم بهذه المهمة، وهو الكاهن الزاهد، ولكن رغم كونه مريضا إلا أن عليه أن يكون رابط الجأش ومتمكنا من نفسه وذلك ليحوز ثقة المرضى ويكون موضع خشيتهم، وبالتالى يحاول أن يحميهم من الأصحاء، وأن يقود ازدراءهم لهم. يرى نيتشه أن الكاهن يغيّر اتجاه الحقد، فنوعية البشر "المعذبين" يميلون إلى تحميل عذابهم إلى شخص بعينه؛ نساءهم، أبناءهم، أقربائهم، حتى يأتى الكاهن الزاهد ويقول له: "أنت نفسك السبب".


ولكن فى حين ينظر الكاهن الزاهد لنفسه على أنه طبيب، لا ينظر له نيتشه على أنه كذلك، لأن الكاهن الزاهد يحاول فقط مكافحة الألم الذى يعانى منه المريض، ولا يبحث عن سبب المرض أو الحالة المرضية الحقيقية. إن الكاهن الزاهد – وتجربة المسيحية  كمثال - تقدم للإنسان التعزية من العذابات فحسب.
هذه التعزية أو هذه المحاولة للتخفيف من الألم قد تتم بتخدير الحياة بشكل كامل، أو بالممارسات العملية الآلية، أو بالانضمام لجماعة تقلل من ازدرائه لشخصه، لذلك نيتشه يرى أنه بينما يميل الأقوياء إلى الانفصال، يفضل الضعفاء الاتحاد.

أسلوب الزاهد فى رأى نيتشه لم يفسد النفس البشرية فحسب، بل أفسد الذوق أيضا، ودليل ذلك فى الأدب تفضيل العهد الجديد بالكتاب المقدس الذى يقدم أسمال النفس البشرية من وجهة نظره، على حساب العهد القديم الذى يضم أبطالا ورجالا عظاما.

لا يرى نيتشه أن الفلسفات المعاصرة له بالإضافة إلى العلم يمكنها أن تكون مواجهة بحق للمثال الزهدى، لأنها فى النهاية تبحث عن إيمان، وهو – كواحد من الباحثين عن المعرفة – يحترس من كل أنواع المؤمنين، فالعلم مثلا ينطلق من نفس أرضية المثال الزهدى من حيث كونه يبحث عن "الحقيقة". إن رفض الميتافيزيقا لصالح الاكتشافات العلمية أدى إلى أن يصغّر الإنسان من نفسه، وإلى أن يتجه إلى العدم، نفس وجهة المثال الزهدى القديم. 

ولكن مع كل هذا الرفض لإرادة العدم، ينهى نيتشه كتابه بقوله إن تلك الإرادة أفضل من أن لا يكون للإنسان إرادة على الإطلاق.