2012-12-23

نجيب محفوظ والإخوان


يظهر للقاريء المدقق لمحفوظ أنه كان واعيا طوال الوقت بمكانة الإسلام السياسي في مصر، فطوال تاريخ كتابته ظلت الشخصية التي تحاول تحقيق مكاسب سياسية من خلال أرضية إسلامية متواجدة في أدبه، بداية من "القاهرة الجديدة" أول رواية عصرية كتبها وحتى كتاباته الأخيرة. قبل موته بوقت قصير قال في جلسة أصدقاء تناقلتها الصحف أن مصر تريد أن تجرب حكم الإخوان المسلمين، هذا الذي حدث بعد وفاته بست سنوات.

كانت "القاهرة الجديدة" أول رواية لمحفوظ تدور في زمن معاصر له وكان مهتما بأن يظهر فيها التيارات الفكرية المتصارعة في زمنه، ليضع علي طه المؤمن بالمادية والاشتراكية في مقابل مأمون رضوان الذي يؤمن بـ"الله في السماء، والإسلام على الأرض"، وإن لم يتكلم محفوظ هنا صراحة عن انتماء مأمون رضوان للإخوان المسلمين. مع تقدم الرواية انسحب الحديث عن الصديقين الندين ليركز على شخصية محجوب عبد الدايم وصعوده الوظيفي الفاسد، قبل أن يجتمع الندين مرة أخرى معلقين على نهاية محجوب البائسة وعلى حال مصر قائلين: "ماذا تخبيء لنا أيها الغد؟!".

يعود محفوظ في السكرية ليصير أكثر صراحة في التعبير عن انتماءات شخصياته، ولا يتجاهل هنا أن يضع أيضا الشيوعي والإخواني في مواجهة بعضهما البعض، يضعهما محفوظ هنا كشقيقين من بيت واحد، حتى مع نهاية الرواية يضعهما في سجن واحد. تدين عبد المنعم المصبوغ بصبغة سياسية كان مثار سخرية أكثر من شخصية من عائلته، ليس فقط من قبل غير المهتمين بالدين - سخرية عمه كمال الباطنية من "يقينه وتعصبه"، وسخرية أخيه أحمد الظاهرة الذي يرى في الإخوان المسلمين "خازوق رباني" - ولكن أيضا من الشخصيات المتدينة في العائلة، تدين الجد أحمد عبد الجواد ومن ثم ابنته خديجة كان تدينا مختلفا، وشعبيا، آثار عبد المنعم إعجاب و"سخرية" الجد أحمد عبد الجواد عندما توجه إليه الأول لطلب يد حفيدته ابنة عائشة، كان كلام عبد المنعم مستشهدا "بالقرآن والحديث". وتسخر الأم خديجة – الأكثر تدينا في عائلتها - من ابنها قائلة: الدين جميل ولكن ما ضرورة هذه اللحية التى تبدو فيها مثل محمد بيّاع الكسكسى؟!" لا يتجاهل محفوظ الإيحاء بملاحظات على الخطاب السياسي الذي تقدمه جماعة الإخوان المسلمين من خلال شخصياته الأدبية، فيقول الشيخ علي المنوفي المعلم المباشر لعبد المنعم في الرواية: تعاليم الإسلام وأحكامه شاملة تنظيم شئون الناس فى الدنيا والآخرة، وأن الذين يظنون أن هذه التعاليم إنما تتناول الناحية الروحية أو العبادة دون غيرها من النواحى مخطئون فى هذا الظن، فالإسلام عقيدة وعبادة ووطن وجنسية ودين ودولة وروحانية ومصحف وسيف". ومن جهة أخرى تقول سوسن حماد: "الإخوان يصطنعون عملية تزييف هائلة، فهم حيال المثقفين يقدمون الإسلام في ثوب عصري، وهم حيال البسطاء يتحدثون عن الجنة والنار، فينتشرون باسم الاشتراكية والوطنية والديمقراطية". أو يرد عدلي كريم على تخوف أحمد من الإخوان قائلا: " ... ليسوا بالخطورة التي تتخيلها، ألا ترى أنهم يخاطبون العقول بلغتنا فيقولون اشتراكية الإسلام؟ فحتى الرجعيون لم يجدوا بدا من استعارة اصطلاحاتنا، وهم لو سبقونا إلى الانقلاب فسوف يحققون بعض مبادئنا ولو تحقيقا جزئيا، ولكنهم لن يوقفوا حركة الزمن المتقدمة إلى هدفها المحتوم، ثم إن نشر العلم كفيل بطردهم كما يطرد النور الخفافيش". إذا نظرنا للرواية كأننا ننظر لمؤشرات أولية لانتخابات أو حركة على الأرض، سنجد أن كفة اتجاه عبد المنعم رابحة من جهة التنظيم والعدد، فالحديث المتكرر عن شعب الإخوان والعدد الذي يؤازر عبد المنعم في مناسباته الاجتماعية يبدو مؤثرا أكثر من اتجاه أحمد، رغم أن أحمد ورفاق اتجاهه ينظرون للأولين بتعالي مستمر.

يحاول مصطفى بيومي صاحب كتاب "نجيب محفوظ والإخوان المسلمون" أن يبلور الخطاب الإخواني في أدب محفوظ، يكتب: "يتسم الفكر السياسي للإخوان بالميل إلى التعميم والحرص على الغموض والابتعاد عن الوضوح والتحديد، فهم سياسيون يرفعون الشعارات الدينية، ودينيون يعملون في السياسة، وفي هذا السياق، يتجلى تمسكهم الدائم بتجنب طرح برنامج تفصيلي ذي نقاط واضحة، ويتشبثون دائما بخصوصية غير منطقية وعاجزة عن الإقناع: الحديث السياسي المترفع كأنهم من رجال الدين، والخطاب الديني المختلف كأنهم يحتكرون الإسلام".   ثم يكتب عن موقف الإخوان من الوفد قائلا: "اختلاف الإخوان مع الوفد لا يحول دون حقيقة أن الغالبية من الرعيل الأول للإخوان كانوا وفديين، أو متعاطفين مع الحزب الشعبي الكبير. ولقد تعرض الإخوان للاضطهاد والمطاردة في العهود غير الوفدية، لكنهم تحالفوا دائما مع كل مضطهديهم ضد الوفد. الإخوان لا يقنعون بالوفد في عالم نجيب محفوظ والوفديون يضيقون بالإخوان وتعصبهم".

لاحظ أن كثيرا ما تكون نظر محفوظ للوفد (حزب سعد زغلول) أقرب للرومانسية في رواياته، فهو الحزب الذي يعبر بشكل أساسي عن الوطنية المصرية، وكل خروج عنه هو خروج عن هذا الحس الوطني. لذلك كان خلط محمد حامد برهان بين وفديته وبين اهتمامه بالانتماء للإخوان المسلمين في رواية "الباقي من الزمن ساعة" مثار انزعاج أبيه الوفدي، مرة أخرى يشير محفوظ إلى أن الدين "الإخواني" الذي تتوطد علاقة محمد به دين مختلف "... عن دين أسرته المتسم بالسماحة والبساطة". ولكن مثلما ابتلي محمد الإخواني بالاعتقال قبل ثورة يوليو ابتلي باعتقال أصعب بعدها رغم التوقع بتحالف بين الثورة والإخوان، ليخرج محمد من السجن "بعين واحدة وساق عرجاء". ليصبح وضعه أقرب للسلبية في عهد جمال عبد الناصر قبل أن يعبر عن حماس للسادات الصديق وحالما بـ"الحل الإسلامي"، ثم ينقلب رأيه بعد زيارة الرئيس إلى إسرائيل. وتتشابه شخصية سليم حسين قابيل في "حديث الصباح والمساء" مع شخصية محمد حامد برهان، إذ تتلاعب الرياح السياسية التي هبت مع ثورة يوليو بسليم المنتمي للإخوان، هذا الذي يجعله يعتبر الكوارث الوطنية كهزيمة يونيو واغتيال السادات كعواقب إلهية.

وإذا كان محفوظ في "السكرية" و"الباقي من الزمن ساعة" و"حديث الصباح والمساء" قد تحدث عن كوادر إخوانية، فهو في المرايا يتحدث عن "أسطورة"، عبد الوهاب إسماعيل: "إنه اليوم أسطورة، وكالأسطورة تختلف فيه التفاسير". لن نلعب طويلا لعبة "من الشخصية الحقيقية؟" مع عبد الوهاب إسماعيل (نحن الذين نقارب عدلي كريم "السكرية" بسلامة موسى وطاهر عبيد" قشتمر" بصلاح جاهين)، فمحفوظ في حواره الطويل مع رجاء النقاش أشار إلى أن الشخصية تحمل ملامح كثيرة من سيد قطب. يرى الراوي في "المرايا" بذور التعصب في شخصية عبد الوهاب إسماعيل، فهو يرفض الكتابة عن كاتب قبطي جيد لأنه لا يثق في أتباع الديانات الأخرى"، ثم يعبر أمام الراوي عن أفكاره الرجعية التي تتضمن ضرورة عودة المرأة إلى البيت واجتثاث الحضارة الأوروبية. ارتفع نجم عبد الوهاب اسماعيل سريعا وهبط سريعا بعد ثورة يوليو كالشخصيات الإخوانية، لصدام الإخوان مع عساكر الثورة.

الشخصيات التي تؤمن بالإسلام السياسي عند نجيب محفوظ غالبا ما تكون أقل جاذبية من الشخصيات التي تؤمن بأفكار أخرى، فستجد من محفوظ اهتماما وتعقيدا أكبر عند شخصية كعلي طه أكثر من مأمون رضوان، وعند أحمد شوكت أكثر من عبد المنعم شوكت، ولكن مع ذلك تظل هذه الشخصيات المتدينة بيقينها وربما تعصبها تحمل صلابة في مواجهة الصعاب عن الشخصيات الأخرى حتى لو حولتها الضربات السياسية لكائنات أقرب للسلبية السياسية مثلما صار محمد حامد برهان في "الباقي من الزمن ساعة".

أمير زكي
ديسمبر 2012

***

مصادر:

-         عمنا نجيب محفوظ تنبأ بسطوع نجم الإخوان في السياســـــة، حوار مع عبد الرحمن الأبنودي، أخبار اليوم، 15/7/2012
-         نجيب محفوظ، القاهرة الجديدة، مكتبة مصر، 1945
-         محفوظ، السكرية، مكتبة مصر، 1957
-         مصطفى بيومي، نجيب محفوظ.. والإخوان المسلمون، كتاب اليوم، 2005
-         محفوظ، الباقي من الزمن ساعة، مكتبة مصر، 1982
-         محفوظ، حديث الصباح والمساء، مكتبة مصر، 1987
-         محفوظ، المرايا، مكتبة مصر، 1972
-         رجاء النقاش، نجيب محفوظ – صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته، 1998


2012-12-03

نيتشه والعدمية الأخلاقية


نيتشه والعدمية الأخلاقية


ترجمة: أمير زكي
ديسمبر 2012

* ويليام لارج أستاذ الفلسفة بجامعة جلوسستر شاير – بريطانيا

شكر جزيل للسيد ويليام لارج على سماحه بالترجمة
Many thanks to Dr. William large who permitted to translate his lecture

***

في الثقافة الشائعة، يرتبط الفيلسوف نيتشه عادة بالعدمية الأخلاقية. ربما نعرّف العدمية على أنها غياب القيم العليا. ترتبط بالعدمية الأخلاقية النسبية الأخلاقية. النسبية الأخلاقية هي الاعتقاد بأن كل القيم - وخصوصا لأنه لا توجد قيم عليا - هي مجرد تعبير عن التفضيل الشخصي. على أي حال فللسخرية فإن هذا النوع من وجهة النظر الأخلاقية تحديدا هي ما ينتقده نيتشه. فبدلا من أن يكون عدميا فهو مضاد للعدمية. العدمية هي تشخيص لانحلال الثقافة الغربية، أكثر منها وضعا أراده نيتشه، أو يريدنا أن نطمح إليه.

ما هو سبب وأصل العدمية في المجتمع المعاصر؟ إنه الهدم المستمر لكل المعاني والدلالات، إنه الاعتقاد بأنه لم يعد هناك شيء يهم حقا، لأنه لم يعد هناك شيء ذو معنى حقا. ليس لدينا منظومة معتقدات أو قيم يمكنها أن توجهنا. منظومات المعتقدات القديمة كالدين والآخلاق لا تزال موجودة، ولكننا في أفضل الأحوال نتبعها بنصف إيمان، وفي أسوأها نعتقد أنها لا تحمل معنى مع ذلك. إنها موجودة فقط على حواف حيواتنا ووعينا. ولكن ليس العالم فقط هو الذي لم يعد يحمل معنى، نحن أنفسنا لم نعد نحمل معنى لأنفسنا. لِم علينا أن نختار مجموعة الأفعال تلك على حساب أي مجموعة أخرى؟ ما الذي يظل يعنيه هذا طالما أن الحياة الفردية للكل لم تعد تحمل دلالة وسط المخطط الكبير للأشياء؟ كما يصف ميشيل هار[1]:

"لم يعد هناك شيء يعني الكثير، كل شيء يعود إلى نفس الشيء، كل شيء متساو، كل شيء هو نفسه ومتكافيء: الصح والخطأ، الخير والشر، كل شيء منتهي الصلاحية، مستهلك، قديم، رث، محتضر: ألم المعنى غير المحدد، الغسق الذي لا ينتهي، ليس اندثارا محددا للدلالات، ولكن سقوطها غير المحدد".  (Allison 1985, p.13)

بالتالي سيكون من العبثي تماما أن نزعم أن هذا ما رغبه نيتشه. على العكس، هو أراد أن يشخص كيف وصلنا إلى هناك. ثقافتنا تشبه شخصية الله في ثلاثية فيليب بولمان: "المواد المظلمة"[2]: كبير ومستهلك، بالكاد يحيا، وبالتأكيد ليس شيئا علينا أن نظل نؤمن به.

الجانب الأخطر في العدمية على كل حال هي أنها في النهاية تصبح سعيدة وراضية عن نفسها، طالما اعتدنا على أن نشعر بالخوف والرعب من حقيقة أن الدين والأخلاق لم تعد تحمل أي معنى حقا، ولكن الآن نحن سعداء لأننا نعيش في عالم بلا معنى. أحد الأمثلة على هذا الرضا هو موت الله. مرة أخرى علينا أن نذكر أنفسنا بتلك الفقرة في "العلم المرح"، حيث كتب نيتشه عن المجنون الذي اندفع إلى السوق وأعلن أن الله مات. العديد من الناس قرأوا هذه الفقرة على أن نيتشه يحتفي ببساطة بالإلحاد، ولكن إن قرأنا هذه الفقرة بحرص، يمكننا أن نرى أن ما تصفه بحق هو كيف أن الناس العاديين لا يهتمون حقا إن كان الله ميتا أم لا. هذا هو المخيف بحق. ليس أن الله ميت، ولكن أن أحدا لم يلاحظ أنه مات:

"ألم تسمعوا عن المجنون الذي أشعل المصباح في ساعات النهار المضيئة، جرى إلى السوق وصرخ بدون توقف: "أنا أبحث عن الله! أبحث عن الله! – في حين كان يقف حوله وقتها العديد ممن لا يؤمنون بالله، يستثيرهم الرجل ليضحكوا أكثر. سأل أحدهم: هل تاه؟ وسأل آخر: هل ضل طريقه كطفل؟ أم أنه يختبيء؟ هل هو خائف منا؟ هل ذهب في رحلة؟ هاجر؟ - وهكذا صاحوا وضحكوا". (Nietzsche 1974, p.181)

كيف يمكن لهذا المشهد أن يكون إعلانا عن الإلحاد، بينما الناس الذي يعلن عليهم المجنون موت الله هم في الحقيقة ملحدون؟ لا، ليس هذا هو ما يعتقد نيتشه أنه هام لفهمنا. حقيقة هذه الفقرة تأتي لاحقا، عندما يخبرهم المجنون بأنه نحن من قتلنا الله: "نحن قتلناه – أنتم وأنا". (Nietzsche 1974, p.181) إلا أنه مع كوننا قتلة الله نحن نظل بلا فكرة عن عالم بدون الله، بدون قيم تعني شيئا، وبسبب ذلك فنحن ما زلنا نتمسك بالعالم المثالي رغم أنه غائب. ليس كافيا أن ننفي القيم، لأن ساعتها كل ما سيتبقى معك هو النفي، والنفي معتمد بشكل كبير على الشيء المنفي. أقول إنني لا أؤمن بالله، ولكن وللتناقض فهذا اللا – إيمان هو معتمد على فكرة الله بنفس قدر الإيمان بالله، فبدون فكرة الله كيف يكون من الممكن أن تكون ملحدا. علينا أن نصل إلى ما وراء كلا من فكرتي الإيمان وعدم الإيمان. علينا أن نصل، ولنستخدم عنوانا لأحد كتب نيتشه، إلى ما وراء الخير والشر.

المصدر الرئيسي للعدمية هو النفي، وبالتالي فلكي نفهم العدمية علينا أن نفهم النفي، أو ما سيطلق عليه نيتشه الإرادة السلبية للقوة، هناك مصدران للقيم في العالم عند نيتشه: الارتكاسية والفاعلة. العدمية بكل أشكالها ارتكاسية، وهذا هو تحديدا السبب في أن فلسفة نيتشه لا يمكن أن تكون عدمية، لأنها ضد الإرادة الارتكاسية للقوة المذكورة.

نقد نيتشه للأخلاق هو لكونها في الحقيقة ثانوية. الأخلاق تقدم نفسها على أنها تقييم موضوعي منزه للعالم، ولكن تحت ذلك هي مجرد شكل آخر من إرادة القوة: الرغبة في الحفاظ على الذات، حتى لو عنى ذلك السيطرة على الآخرين عن طريق المراءاة والمكر. كل الأخلاق منافقة، ليس لأنها زائفة أو خاطئة - هذا الذي سيكون تبسيطا شديدا، طالما كان كل البشر يعيشون بالقيم، حتى لو كانت القيمة الأعلى في عصرنا هي ألا نقدر شيئا - ولكن لأنها تقدم نفسها على أنها ليست من هذا العالم، تتعالى على التوافه والمكابدات، موضوعية وصحيحة تماما.

نيتشه لا ينتقد القيم في العموم، ولكن القيم الارتكاسية، وهذه القيم هي التي قادت إلى عدمية الغرب. وبكونها قد نفت العالم، ولم تجد شيئا إيجابيا فيه، انتهت إلى النفي الكلي وتدمير نفسها. أما إرادة القوة الفاعلة فعلى العكس، فهي يمكن أن تُهزم عن طريق قوة فاعلة أخرى، ولكنها لا تبحث عن هدمها الذاتي.

القيم الفاعلة والارتكاسية تصف علاقات السيطرة والتبعية. ما هو ارتكاسي هو دوما رد فعل لما هو فاعل. إنه يجعل نفسه تابعا للقوى الأكثر سيطرة. ولكن من المهم أن ندرك ذلك؛ أن التبعية ليست غيابا للقوة. نيتشه يعتقد أنها تعبير عن قوة للسيطرة بنفس القدر الذي تجعل به نفسها تابعة. في الحالة الثانية، يحصل المرء على القوة عن طريق تكييف ودمج نفسه مع الحالة الحاضرة. هذه بالضبط هي الطريقة التي تعمل بها المجتمعات الحديثة. إنها القوة على التكيف والنفع، وهؤلاء القادرون على تكيف أفضل يكون لديهم قوة أكبر، وهؤلاء الذين يرفضون التكيف والتشابه والتطابق، تكون لديهم قوة محدودة أو يكونون بلا قوة على الإطلاق. "كن مثل أي شخص آخر، أو كن آخر!" هذا هو شعار مجتمعاتنا، ومدارسنا وجامعاتنا ليست سوى آلات لتنتج هذا القبول.

ولأن مجتمعاتنا، وربما المجتمع نفسه، هو ارتكاسي أصلا، فيكون من الأصعب أن نصف ما هي القوى الفاعلة. شيء واحد نعرفه هو أنها لا بد أن تكون مُقَدَمة، لأنه بدون القوى الفاعلة فلن تكون هناك أي قوى ارتكاسية، فأي شيء سترتكس ضده؟ هذه هي أول خطوة بعيدا عن العدمية. لأن العدمية تقول إن المقدم هو النفي. ولكن هذا هو بالضبط ما تقوله القوى المرتكسة: انف! ما هو فاعل، على العكس، هو الخلّاق، الذي يفرض الأشكال ويسيطر. كلمته الأولى ليست "لا" بل "نعم"، وما على المرء أن يخلقه أولا هو نفسه فيما وراء القوى الارتكاسية للمجتمع. مرة أخرى فنفي المجتمع ببساطة، والقيم المتضمنة بداخله ليس كافيا، فأن تكون معتمدا على قيم المجتمع الذي تزدريه تماما، وأن تنفيه كله دفعة واحدة سيكون المتبقي لك هو ثقب أسود. الفكرة هي أن تخلق قيم جديدة تقفز فيما وراء قيم المجتمع المنفية. هذا هو ما يدعوه نيتشه، كما وصف لدى ديلوز، "القوة الديونسية" (Allison 1985, p.83)..

ربما أفضل طريقة لأن نفهم هذه القوة يكون من خلال التمييز الذي صنعه نيتشه بين ديونيسيس ويسوع. حياة يسوع، كما يعرف من شاهدوا فيلم جيبسون "الآلام" هي حياة تبرير للمعاناة والتي تجعل الحياة نفسها شيء يسبب المعاناة والتي عليها أن تُبَرَر وتُشَرَّع كالمعاناة. هذا يجب أن يتميز عن ديونسيس، أو على الأقل ما يمثله الإله اليوناني لنيتشه. الحياة هنا لا تحتاج لأن تُبَرَر، وحتى لو كان هناك ألم، فبالتالي فهذا جزء مبرر في الحياة. ليس من المفترض ان يدفع لها الثمن من مكان آخر، كما أدت معاناة يسوع على سبيل المثال. الحياة ليست بحاجة لأن تُخلّص، لأنه لا يوجد شيء تُخلّص منه، الأحرى أن تتأكد الحياة كما هي. هذا هو ما يعنيه نيتشه بالعود الأبدي، التي ربما تكون واحدة من أصعب الأفكار:

"ماذا لو في ليلة ما، تسلل جني إلى أكثر أوقاتك وحدة وقال لك: (هذه الحياة التي تعيشها الآن والتي عشتها، سيكون عليك أن تعيشها مرة أخرى والعديد من المرات الأخرى... كيف ستعد نفسك جيدا أمام نفسك وأمام الحياة لأن لا تأمل لشيء بانفعال أكثر من التأكيد والإقرار السامي الخالد؟)" (Nietzsche 1974, p.343)

لم نيتشه ليس عدميا؟ لأن العدمي هو الشخص الذي يختصر العالم إلى لا شيء. بهذه الطريقة فالمسيحي أو الأخلاقي هو العدمي، لأنه بدون يسوع أو الأخلاق، ستكون الحياة لا شيء على الإطلاق. فلأنهم يختبرون الحياة كلا شيء في ذاتها، فهم يحتاجون أخلاق مضافة أو نظام ديني متجاوز للحياة. العدمي الحديث هو مجرد مؤمن بدون إله، مسيحي بدون يسوع، أخلاقي بدون أخلاق. يتبقى معهم نفي العالم، ولكنهم ببساطة ليس لديهم نظام إيماني ليحل محل الدين والأخلاق والفلسفة. بدون الله ستكون الحياة بلا معنى، ولكن هذا يعني أن المسيحية عليها أن تثبت أن الحياة بدون الله بلا معنى. الآن الله مات، وكل ما يتبقى لنا هو لا معنى الحياة. كل ما يمكن حدوثه في المستقبل هو أننا سنحصل على معتقدات جديدة (الرأسمالية، القومية) التي ستغطي موت الله. العدمية هي مجرد عَرَض على الإيمان، مرحلته النهائية وتطوره الأخير. إنها ليست المواجهة للإيمان، ولكن مجرد شكله النهائي، كما يشرح ديلوز ببلاغة شديدة:

"كانت الحياة مزدراة من قَبْل من قِبَل علو القيم السامية. الآن على العكس، فقط الحياة تبقى، ولكن تظل الحياة المزدراة المستمرة الآن في عالم بلا قيم. منزوعة من المعنى والغرض، تتقدم من كل اتجاه نحو اللا شيء". (Deleuze 1983, p.148)

المرء لا يمكن أن يكون عدميا ويؤكد الحياة، وفلسفة نيتشه ليست سوى التأكيد على الحياة كما هي. هذا هو السبب في انتقاده للدين والأخلاق والفلسفة؛ لأنها كلها تبدأ بنفس الافتراض المسبق بأن الحياة لا تعني الكثير ويجب أن تزود بدين أو أخلاق أو "عالم آخر" ميتافيزيقي وأساسي. نعم العدمي يتخلص من هذا "العالم الآخر" ولكنه يظل باق على كراهية العالم الذي بدأت منه أولا كل المعتقدات كدافعها الأصلي. بطريقة ما فالعدمية أسوأ من الأخلاق والدين والفلسفة، لأنها تنفي الحياة، ولكن ليس لديها تعويض على الإطلاق عن الحياة التي تهدمها. ما نحتاجه بالتالي هو إيمان جديد، إيمان ديونيسي، يؤكد الحياة، وحتى المعاناة تكون مجرد جزء من الحياة على نفس القدر من البهجة.

مصادر الكاتب
Allison, D.B. ed., 1985. The New Nietzsche : contemporary styles of interpretation, Cambridge, Mass.: MIT Press.

Deleuze, G., 1983. Nietzsche and philosophy, New York: Columbia University Press.

Nietzsche, F.W., 1974. The Gay Science : with a Prelude in Rhymes and an Appendix of Songs, New York: Vintage Books.



[1]  Michel Haar (1937-2003) فيلسوف ومترجم فرنسي، تخصص في نيتشه، ودرّس الفلسفة في جامعة بانثيون سوروبون
[2]  His Dark Materials ثلاثية روائية خيالية للإنجليزي فيليب بولمان

2012-11-04

لا تولد قبيحا – رجاء عليش – اقتباسات


"أنا رجل بلا امرأة.. بلا حقل للقمح.. بلا كرة للعب.. بلا ذكريات مضيئة.. بلا طريق للمستقبل".

***

"أصبحت أؤمن أن القبح ربما كان أفظع العاهات وأكثرا إيلاما وتدميرا للنفس الإنسانية على الإطلاق فالإنسان القبيح لا يثير إشفاق أحد من الناس أو إحساسه بالعطف عليه أو الرثاء له.. القبح يستفز مشاعر الآخرين العنيفة.. كل حاستهم النقدية الساخرة، فيوجهونها بضراوة عنيفة ناحية الإنسان القبيح قاصدين إهانته وتدمير معنوياته".

***

"لكن إن قلنا إن القبح هو إحدى العاهات التي تدمر حياة الإنسان القبيح فالغريب أن الإنسان القبيح لا يحس بأي عجز جسماني يمنعه من الاستمتاع الكامل بالحياة كالآخرين.. إنه فقط يحس بحاجز شفاف وغير مرئي يحول بينه وبين الاندماج في الحياة.. حاجز من صنع الآخرين الذين يضمرون له الكراهية والشر لمجرد أنه إنسان مختلف قبيح".

***

"مشكلة الإنسان القبيح في رأيي ليست هي إحساسه بالاختلاف عن الآخرين لكن في ذلك التربص القائم به من جانب هؤلاء الآخرين.. تضخيم المشكلة أمامه بصورة تدعو إلى اليأس المطلق وإلقاء السلاح.. تدعو إلى كراهية الناس واعتبارهم مصدر تعاسته الحقيقية.
المشكلة هي الإذلال الدائم له.. تذكيره دائما بناحية قصوره الخاصة.. النظر إليه باستغراب شديد إذا ما حاول أن يمارس الحياة كشخص عادي متمالك لحواسه الخمسة وهنا يقع الناس في أغرب تناقض متصور.. إنهم يعتبرون القبيح إنسانا عاديا تماما ولكنهم في نفس الوقت يستنكرون منه بشدة أن يمارس حياة الإنسان العادي".

***

"الغريب أن الناس يعاقبون الإنسان القبيح على جريمة لم يتركبها هو بل ارتكبت في حقه من جانب قوى مجهولة شيطانية كان يمكن أن تنكل بهم مثله لكنهم أفلتوا بمعجزة، بمجرد صدفة حسنة في حياتهم.. يعاقبونه جميعا.. يعاقبونه طول الوقت.. يعاقبونه حتى نهاية حياته".

***

"أتصور لو أنني رأيت الإله في لحظات الحزن الفظيعة في حياتي لما ترددت في إطلاق الرصاص عليه، فما صنعه هذا الإله بي يعتبر جريمة لا يمكن اغتفارها.. لو أن الغزاة قدموا إلى مدينتي الميتة القلب لفتحت لهم الأبواب.. لما رفعت سلاحا ضدهم لا لشيء إلا لأنهم يحملون الإذلال والعار للناس الذين أكرههم من أعماقي".

***

"في حياته كلها لم يشعر أنه ند للآخرين الذين يهزأون به طول الوقت.. يعذبونه باستمتاع شديد مذهل... ليس فقط لأنه ضئيل الحجم مشوه الخلقة بصورة مروعة بل لأنه يشعر في أعماقه بالضآلة أمامهم.. بأن الصراع غير موجود على الإطلاق بالنسبة له أو غير عادل على الأقل. يشعر بأن الهزيمة هي قدره المحتوم في الحياة.. عيون الآخرين تسلط عليه آشعة ساخنة تذيب جدرانه الخارجية المصنوعة من الصفيح.. يحس أنه عار أمامها.. مجرد من الحماية.. أن مصيره معلق برغبتهم في المسالمة أو الصراع لكنهم وكما عودوه دائما يجنحون إلى الصراع لأنهم متأكدون أنهم سيكسبون المعركة منذ اللحظة الأولى لبدايتها ولأن المعركة والنتيجة المروعة التي تنتهي إليها تسبب لهم سعادة تهز قلوبهم من الأعماق".

***

"... هذه إحدى ميزات الوسامة الشديدة.. أن يصدقك كل الناس بينما أنت تكذب عليهم أما هو الإنسان القبيح المكروه من كل الناس فإن أحدا لن يصدقه حتى لو قال الصدق.. إنه متهم من كل الناس بالكذب.. مشكوك فيه دائما لأنه غريب وقبيح".

***

"يقولون عن العالم رغم ذلك إنه عادل ورحيم وإن الناس بسطاء متسامحون.. هؤلاء الناس الطيبون لديهم القدرة الفائقة على تبرير كل جرائم العالم الوحشية.. بالذات جريمة قتل معنويات إنسان من حقه أن يعيش كالآخرين.. عندما يعجزون عن إقناعك بمنطقهم المتخاذل الشرير يقولون لك ببساطة شديدة مقززة: نصيبك ستناله في العالم الآخرحيث كل أنهار العسل واللبن وحيث تستلقي هناك حول شطآنها الدافئة كل حثالة الأرض المنكوبة التي لم تنل حقها في الحياة".

***

"للوهلة الأولى أدرك أنه أمام إنسان محطم تماما.. إنسان خلق ليتعذب حتى الموت.. لا يصادفه المرء كثيرا في الحياة.. خيل إليه أن هذا الإنسان ملحوم في أكثر من مكان لأن به عديدا من الشروخ وانه يمكن أن يتفسخ بين أصابعه بسهولة شديدة إذا لم يمسكه بحذر تام، لكنه لم يستطع للحظة خاطفة أن يقاوم رغبة شريرة آثمة في أن يضحك من هذا الإنسان الغريب الملامح كأي رجل آخر في العالم.. هذه الرغبة التي لا يمكن مقاومتها.. الإنسانية تماما".

***

"أحيانا يحس أنه حيوان ذو خلية واحدة بالغة الحساسية يعيش داخل قوقعة مغمورة تحت مياه سحيقة.. يعذبه إحساسه الفظيع بالوحدة.. بالحنين للجنس الآخر.. للمس المرأة الناعم المثير.. لرائحة عرقها.. لفحشها.. لبذائتها.. لذلك العالم الخرافي الذي تعيش فيه والذي لم يقدر له رغم سنوات عمره الطويلة أن يقترب منه بالقدر الذي يريد.. لا يجد حرجا وهو يعبر جسر الأربعين "جسر اللا عودة بين الشباب والشيخوخة" في أن يصرخ بأعلى صوته طالبا الحصول على امرأة.. امرأة واحدة فقط.. حاجته الحميمة أقوى بكثير من كرامته.. من اعتزازه بنفسه، لكن هذه المرأة الوحيدة لم توجد أبدا في حياته".

رجاء عليش
لا تولد قبيحا

2012-10-18

أسئلة وأجوبة مع مو يان

أسئلة وأجوبة مع مو يان


ترجمة: أمير زكي
أكتوبر 2012

بمناسبة فوز مو يان بجائزة نوبل في الآداب 11 أكتوبر 2012


***
 

الكاتب الصيني وافق مشكورا على أن يجيب على أسئلة مقدمة من موقع "العالم الشرقي"، أكبر موقع روسي عن الحياة اليومية وتاريخ وثقاقة الشرق الأقصى وجنوب شرق آسيا، مع مناسبة النشر المنتظر لرواية "جمهورية النبيذ"، الحوار ترجم إلى الإنجليزية بواسطة إيجور ييجوروف. الترجمة الإنجليزية بإذن من إيجور ييجوروف.

س: هل زيارتك الأخيرة إلى روسيا تركت فيك انطباعا جديدا؟ هل فكرتك تغيرت عن البلد بالمقارنة بالماضي؟
ج: زرت روسيا لأول مرة في صيف 1996. أمضت الرحلة يومين في مدينة صغيرة بالقرب من مدينة منزولي الصينية الحدودية. انطباعاتي عن هذا اليوم كان سيئة مع فكرة روسيا التي كونتها أثناء قراءتي لكتب المؤلفين الروس. ليس قبل 2007 عندما ذهبت إلى موسكو وشاركت في معرض كتاب عام الصين حيث قدرت مساحة وعظمة المدينة تماما. الامتدادات الروسية الكبيرة التي تبدو بلا حدود، تخفي جرأة واحتفال البلد الممزوجين باللطف والجمال الرقيق.

س: ما مشاعرك تجاه الأدب الروسي ومن هو كاتبك الروسي المفضل؟
ج: الأدب الروسي هو أول الآداب الأجنبية التي تعرفت عليها. عندما كنت لا أزال طفلا قرأت "حكاية الصياد والسمكة" لبوشكين من كتاب النصوص المدرسي الذي يخص أخي الكبير، بعدها توجهت إلى "الطفولة" (جامعاتي) بواسطة جوركي. بالطبع مثلي مثل أي شاب صيني في تلك الأيام، قرأت "كيف سقينا الفولاذ" لنيكولاي أوستروفسكي. كاتبي الروسي المفضل هو ميخائيل شولوخوف، وروايته "الدون الهاديء" أضافت الكثير لتكويني ككاتب.

س: هل يمكن أن تقول أسماء كتاب مشاهير عالميين، صينيين أو أجانب، أثروا فيك بشكل كبير؟
ج: بخلاف شولوخوف، سيكون ليو تولستوي، إيفان تورجينيف، جارسيا ماركيز، وويليام فوكنر.

س: ما تقييمك لتطور الأدب الصيني المعاصر في الثلاثين سنة الأخيرة؟ ما الكتب التي تعتبرها أعمالا فارقة؟
ج: أنا مقتنع أن التطور الذي وصل له الأدب الصيني في الثلاثين سنة الأخيرة مهم. بالإضافة لأعمال الكتاب الآخرين، فالكتب التي تخصني - التي تتضمن "الذرة الرفيعة الحمراء"، "الصدور الكبيرة، المؤخرات العريضة"، "جمهورية النبيذ"، "الموت والحياة يضجرانني" - تعتبر علامات فارقة أيضا.

س: أي أعمال الشباب والموهوبين من كتاب ما بعد الثمانينيات من القرن الماضي، دجانج يوران، وفينج تانج على سبيل المثال، من الممكن أن تشير إليها كأعمال واعدة بشكل كبير؟
ج: هذان الكاتبان ليسا سيئين، أنا لا أعرف الكثير عن بقية كتاب "ما بعد الثمانينيات".

س: كتبك ممتدحة بشكل كبير من قبل الياباني الحاصل على نوبل كينزابورو أوي. هل تقدر أعماله؟ هل أنتما صديقين؟
ج: نثر السيد كينزابورو أوي المبكر هو الذي أحببته كثيرا، هذا يتضمن القصة القصيرة "الأسير" وروايات: "مسألة شخصية"، "الصرخة الصامتة" والأعمال الأخرى، هو أستاذي وصديقي.

س: الروايات الضخمة التي تنتجها في وقت قصير تبدو شيئا مدهشا، يختلف عن أي من الكتاب الصينيين المعاصرين لك، ما هو دافعك وأسلوبك المعتاد في الكتابة؟
ج: في الحقيقة الناتج ليس بهذه الضخامة، ولكن السبب الدال ربما يكون حشد الشخصيات في كتبي، ربما يكون هذا هو السبب في أن أي عمل لي يستطيع أن ينتج إلى حد ما ردود فعل ويجتذب الناس.
أنا لا أكتب أي شيء هكذا، على أي حال، طالما وضعت نفسي في حالة الكتابة أثير مواد كالبركان. أنا لا أكتب لسنوات فيما بين الكتب، على سبيل المثال فبعد نشر "الحياة والموت يضجرانني" في 2006، لم يظهر عملي الجديد "الضفدع" قبل نهاية 2009.

س: "جمهورية النبيذ" هي رواية معقدة جدة وغير معتادة، ومختلفة كثيرا عن بقية كتبك. هل تعتقد أنها الخيار الصحيح ليتعرف القراء الروس على أعمالك؟
ج: أي قاريء روسي يقدر "المعلم ومارجريتا" لميخائل بولجاكوف، سيجد بلا شك أن روايتي تناسب ذائقته.

س: "جمهورية النبيذ" ممتلئة بالأمثال والحكم، أمثال شينجيو،[1] إحالات أدبية، اقتباسات من أشعار كلاسيكية، تتضمن أجزاء مكتوبة بلغة أدبية قديمة، من هو شاعرك المفضل القديم وقصيدتك المفضلة؟
ج: من ضمن الشعراء القدامى فلي بو هو المفضل وقصيدته "أحضر النبيذ" مناسبة جدا لذوقي، خاصة الأبيات:
"ألم تر أبدا؟
مياه النهر الصفراء؟ -
- كيف تتدفق من السموات إلى النهر، ولا تعود أبدا؟
ألم تر أبدا
كيف ينتحبن في مرايا القصر على شعورهن
- أسود حريري عند الفجر، أبيض عند الغسق؟
...
حصاني الغض
فروي الذي يساوي ألف
- ناد الصبي، واجعله يرهنه مقابل النبيذ،
وسوف نشرب متناسين هموم ألف عصر"[2].

س: غزارة الاقتباسات والصور من رواية "حافة الماء"[3] تجعل المرء يعتقد أنه العمل الصيني الكلاسيكي المفضل لك، هل هذا حقيقي؟
ج: أحب بالفعل "حافة الماء"، اعتدت على اعتبارها قراءتي المفضلة في أيام طفولتي.

س: المقولة التي أفضلها عن كونفوشيوس هي: "عندما أسير مع إثنين آخرين، يمكنهما أن يخدماني كمعلمين". هل من الممكن أن ذكر مقولتك القديمة المفضلة من أجل قراءنا؟
ج: كونفوشيوس قال: "هذا الذي لا ترغبه، لا تفعله للآخرين". هذا معياري الحياتي ومقولتي المفضلة.



[1] Chyngyu Idioms مجموعة أمثال صينية تعتمد على سياقات الكلاسيكيات القديمة ولا تزال تستخدم في اللغة المعاصرة
[2] عن ترجمة بريندان أوكين إلى الإنجليزية
[3] Water Margin رواية صينية تعود إلى القرن الرابع عشر