2012-09-26

المختفي - سلمان رشدي (2-2)


المختفي.. كيف غيرت الفتوى حياة كاتب (2-2)
سلمان رشدي


ت: أمير زكي
سبتمبر 2012


***

1989

ألفا متظاهر يمثلون حشدا صغيرا في باكستان، حتى أقل سياسي ذو سلطة يستطيع أن يحشد آلاف أكثر في الشوارع بمجرد التصفيق بيديه. هؤلاء "الأصوليون" الألفين الذين جاءوا ليهاجموا مركز المعلومات الأمريكي في قلب إسلام آباد في 12 فبراير كانوا - بشكل ما - نذيرا جيدا. رئيسة الوزراء بنظير بوتو كانت في زيارة رسمية للصين في هذا الوقت، وكان هناك شك في أن هدف المتظاهرين الحقيقي هو خلخلة حكمها؛ المتطرفون الدينيون تشككوا طويلا في كونها علمانية، وأرادوا أن يضعوها تحت دائرة الضوء. وليس لآخر مرة، ستستخدم "الآيات الشيطانية" ككرة قدم في لعبة سياسية علاقتها بها محدودة أو لا علاقة على الإطلاق. يتم رمي الطوب والحجارة على قوات الأمن، مع صرخات "كلاب الآمريكان"، و"اشنقوا سلمان رشدي" – هذه الأمور المعتادة. لا شيء من هذا يفسر تماما رد فعل البوليس، الذي فتح النار مستخدما البنادق والآسلحة نصف الآلية وبنادق الرش اليدوية. المواجهات استمرت لثلاث ساعات، ورغم كل هذه الأسلحة، وصل المتظاهرون إلى سطح البناية وأحرقوا العلم الأمريكي، ودمى تمثل الولايات المتحدة، وتمثله. في يوم آخر ربما سأل نفسه أي مصنع يزود الناس بآلاف الأعلام الأمريكية التي تُحرق حول العالم كل عام. ولكن كل شيء حدث في هذا اليوم تقزم أمام حقيقة واحدة: أُطلق الرصاص على خمسة أشخاص وماتوا. فكر: الدماء ستجلب دماء.

***

هناك رجل عجوز مصاب بمرض مميت، يستلقي في غرفة مظلمة، وهناك ابنه، يخبره أن المسلمين يُرمون بالرصاص ويُقتَلون في الهند وباكستان؛ إنه هذا الكتاب هو المتسبب في ذلك، يقول الولد لأبيه، الكتاب المعادي للإسلام. بعد ساعات قليلة، سيأتي ملف إلى مكاتب الإذاعة الإيرانية وسيذاع على أنه مرسوم الخميني. الفتوى، أو المرسوم، غالبا ما تكون ملفا رسميا، مُوقَعا ومشهودا عليه ومختوما مع نهاية الإجراءات القانونية، ولكن هذه كانت مجرد قطعة من الورق تحمل نصا مكتوبا على الآلة الكاتبة. لا أحد رأى الملف الرسمي، إن وجد واحدا. قطعة الورق أعطيت لقاريء الأخبار في الإذاعة وبدأ يقرأ.

كان عيد الحب.

"التهديد" مصطلح تقني، وهو لا يساوي مصطلح "المخاطرة". مستوى التهديد كان عاما، ولكن مستويات المخاطرة كانت محددة. مستوى التهديد ضد فرد ربما يكون عاليا – وكان على أجهزة المخابرات أن تحدد هذا – ولكن مستوى المخاطرة المتعلق بفعل بعينه يقوم به هذا الفرد ربما يكون أقل كثيرا، على سبيل المثال، لو لم يعرف أي شخص ما الذي يخطط له أو متى. تقييم المخاطرة كان عمل فريق البوليس. كانت هناك مباديء تتعلق بأن عليه أن يخطط، لأن التهديد وتقديرات المخاطر ستشكل حياته اليومية، الآن ولاحقا.

ضابط الأمن الخاص[1] الذي جاء ليراه في صباح 15 فبراير كان اسمه ويلسون، وضابط المخابرات كان ويلتون، والإثنين ينادان بـ "ويل"؛ ويل ويلسون وويل ويلتون. كان الأمر أشبه بنكتة في مسرح المنوعات، باستثناء أنه لا يوجد شيء طريف يتعلق بما حدث هذا اليوم. قيل له إنه بسبب كون التهديد ضده يعتبر خطيرا جدا – تهديد من المستوى الثاني، هذا الذي يعني أنه يعتبر في خطر أكبر من أي أحد في البلد باستثناء الملكة – ولأن التوعد كان من قبل قوى خارجية، فتم تكليف حماية له من الدولة البريطانية. طُلب منه رسميا أن يقبل الحماية وقبلها. شُرح له أنه سيُخصص له ضابطان للحماية، وسائقان وسيارتان. السيارة الثانية موجودة في حال تعطلت الأولى. تم تفسير ذلك بأنه بسبب الطبيعة الفريدة للمهمة والمخاطر غير المحددة المتضمنة، فكل الضباط الذين يحمونه سيكونون متطوعين. تم تقديمه لأول فريق حماية: ستانلي دول وبين وينتر (الأسماء وبعض التفاصيل تغيرت هنا)؛ ستانلي كان واحدا من أفضل لاعبي التنس في قوات الشرطة، بيني كان واحدا من الضباط السود القليلين في الأمن، وكان يرتدي جاكت جلدي مصبوغ وأنيق، الإثنان كانا وسيمين بشكل كبير، وكانا يحملان أسلحة. الأمن الخاص كانوا بمثابة النجوم في بوليس المتروبوليتان، نخبة الصفرين[2]. هو لم يكن قد قابل أبدا أي شخص مسموح له فعليا بالقتل، ولكن ستان وبيني كان مسموحا لهما الآن بالقتل من أجله.

فيما يتعلق بالأمر الحاضر، أكد كل من بيني وستان: "هذا ليس مسموحا"، يقول ستان: "أن تهدد مواطنا بريطانيا، هذا لن يستمر، سيتم حله، عليك فقط أن تحرص لعدة أيام لتدع السياسيين يحلون المشكلة".

قال بيني: "لا تستطيع أن تذهب لمنزلك كما هو واضح، هذا لن يكون أمرا ملائما، هل هناك أي مكان تريد أن تتوجه له لعدة أيام؟"

قال ستان: "اختر مكانا لطيفا، ونحن سنسرع بك إليه فورا، إلى أن تصبح آمنا".

أراد أن يقتنع بتفاؤلهما، فكر، ربما يذهب لنواحي كوتسوولد[3]، ربما في هذا المكان الذي يظهر في صور البطاقات البريدية الذي يضم تلال كثيرة ومنازل بأحجار ذات لون ذهبي. هناك نزل مشهور في قرية برودواي بوكتسوولد يدعي اللايجون آرمز، طالما أراد أن يذهب هناك في عطلة نهاية الأسبوع ولكنه لم يفعل ذلك مطلقا. هل من الممكن أن يذهبوا للايجون آرمز؟ نظر كل من ستان وبيني إلى بعضهما البعض وشيء يدور بينهما.
قال ستان: "لا أرى مانعا من ذلك، سننظر في الأمر".

قال إنه يريد أن يرى ابنه مرة أخرى قبل أن يذهب للاختباء، وكذلك أخته سامين، وافقا على "إعداد ذلك". عند حلول الظلام تمت قيادته إلى طريق بورما في سيارة جاجوار مصفحة، الغطاء المصفح كان كثيفا جدا بحيث لم تكن هناك مساحة علوية كبيرة كما في السيارات العادية، الأبواب كانت ثقيلة جدا فإذا أُغلقت فجأة وصادف وضربتك فهي ستصيبك بأذى شديد، استهلاك الوقود في الجاجوار المصفحة يأخذ جالون لكل ستة أميال، إنها بنفس ثقل دبابة صغيرة. عرف هذه المعلومات من أول سائق أمن خاص؛ دينيس (الحصان) شوفالييه، رجل ضخم مرح ملغد بشفتين غليظتين –"أحد الرفاق القدامي" قال عن نفسه، "هل تعرف المصطلح التقني الذي يطلق علينا نحن سائقي الأمن الخاص؟" سأله دينيس الحصان، هو لم يكن يعلم، قال دينيس: "المصطلح هو س. م. و، هذا هو نحن". وماذا تعني س. م. و؟ فأطلق ضحكة متحشرجة قليلا من حلقه وقال: "السائقون الملعونون الوحيدون".

سيعتاد على نكات البوليس؛ واحد من سائقيه الآخرين سيُعرَف وسط الأمن الخاص بأنه ملك أسبانيا، لأنه ترك مرة الجاجوار بدون أن يغلقها ليذهب إلى دكان السجائر، وعاد ليجدها قد سُرِقت، لذلك أصبح اسم شهرته – لأن ملك أسبانيا اسمه كذلك – عليك أن تقوله ببطء – خوان كار- لوس Car-Los[4].

أخبر ظفر وكلاريسا بما قاله له فريق الحماية: "سينتهي الأمر في عدة أيام". ظفر بدا مرتاحا بشكل كبير، أما وجه كلاريسا فبانت عليه كل الشكوك التي كان يحاول التظاهر بأنه لا يشعر بها. عانق ابنه بشدة ورحل.

سامين، المحامية (وإن لم تعد عاملة – وتعمل الآن في تعليم الكبار) كان لديها دوما عقل سياسي حاد، ولديها الكثير لتقوله عما يحدث؛ الثورة الإيرانية أصبحت مهزوزة من وقت أُجبِر الخميني – وفقا لكلامه – أن "يشرب كأس السم" ويقبل النهاية غير الناجحة لحربه مع العراق، تلك التي تركت جيلا من الإيرانيين الشباب قتلى أو مصابين، الفتوى كانت طريقته في استعادة الزخم السياسي، وتجديد طاقة المخلصين، كان حظ أخيها البائس أن يكون التكأة الأخيرة للرجل الميت، أما بالنسبة لـ"قادة" المسلمين البريطان، فمَن هم تحديدا مَن كانوا يقودونهم؟ كانوا قادة بدون أتباع، دجالون يحاولون أن يصنعوا مهنة من مأساة أخيها، لجيل كامل كان سياسيو الأقليات العرقية في بريطانيا علمانيين واشتراكيين، هذه هي طريقة المساجد في أن تضع الدين على مقعد القيادة، الأسيويون البريطان لم يتناثروا إلى مجموعات هندوسية ومسلمة وسيخية من قبل، يحتاج أحدهم أن يقول لهؤلاء الناس عمن يدق إسفين الطائفية بين المجتمع، قالت، ويُعرّفهم أنهم منافقون وانتهازيون كما هم بالفعل.

كانت مستعدة أن تكون هذا الشخص، وكان يعرف أنها ستكون ممثلة عظيمة، ولكنه طلب منها ألا تفعل ذلك، ابنتها مايا لم تكن قد أتمت عامها الأول، إن أصبحت سامين المتحدث العام باسمه، سيعسكر الإعلام خارج بيتها، ولن يكون هناك مهرب من وهج الشعبية، حياتها الشخصية، حياة ابنتها، ستصبح شيئا مكونا من أضواء الكاميرات والميكروفونات. أيضا فمن المستحيل أن تعلم أي خطر يمكنه أن يلحق بها. هو لم يرد منها أن تغامر من أجله، وافقت على مضض.

واحد من النتائج غير المتوقعة لهذا القرار - فأثناء تصاعد الأزمة، كان مضطرا أن يظل تقريبا غير مرئي، لأن البوليس طلب منه ألا يزيد المشكلة، تلك النصيحة التي قبلها لفترة –  أن أحدا يحبه لم يتكلم عنه، لا زوجته، ولا أخته، ولا أصدقاءه المقربين، الناس الذين رغب في أن يستمر في رؤيتهم. أصبح في نظر الإعلام الشخص الذي لا يحبه أحد في حين أن الكثيرين يكرهونه. "ربما يكون الموت سهلا إلى حد كبير بالنسبة له". يقول إقبال ساكراني، عضو لجنة الفعل البريطانية للشئون الإسلامية، وأضاف: "لا بد أن عقله سيظل ممزقا لبقية عمره لو لم يطلب المغفرة من الله العظيم". (في 2005 ساكراني نفسه سيحصل على لقب فارس باقتراح من حكومة بلير لخدماته المتعلقة بالترابط الاجتماعي).

في طريقه لكوتسوولد، توقفت السيارة من أجل البنزين، احتاج أن يذهب إلى الحمام، ففتح الباب وخرج. كل رأس في محطة البنزين ارتفعت لتحدق فيه. كان في الصفحة الأولى من كل جريدة – مارتن آميس قال، في جملة لا تُنسَي إنه "تلاشى في الصفحات الأولى" – وأصبح في ليلة واحدة من أكثر الرجال المعروفين في البلد. بدت الوجوه ودودة – حياه رجل، وآخر رفع له إبهامه – ولكنه كان أمرا مقلقا أن يكون مرئيا جدا في ذات اللحظة التي طُلب منه أن يختبيء فيها. في نزل لايجون آرمز، لم يستطع العاملون المدربون جيدا أن يمنعوا أنفسهم من أن يفغروا فيهم، لقد أصبح يمثل عرضا غريبا، وهو وماريان شعرا بالارتياح عندما حصلا على الخصوصية في غرفتهما الجميلة التي تنتمي لعالم قديم. أعطوه زر إنذار ليضغط عليه لو قلق من أي شيء، اختبر الزر ولم يعمل.

في اليوم التالي في الفندق، أتى ستان وبيني ليقابلانه ومعهما ورقة في أياديهما؛ رئيس إيران علي خامنئي أشار إلى أنه لو اعتذر "فربما سيتم الصفح عن هذا الرجل البائس". قال ستان: "يبدو أنه عليك أن تفعل شيئا لتقلل من سخونة الوضع".

أكد بيني: "نعم، هذا هو الكلام، تصريح مناسب منك ربما يجلب المساعدة".

أراد أن يعرف؛ يبدو بالنسبة لِمًن؟، وتفكير مَن هذا؟

قال ستان: "هذا هو الرأي العام" ثم بغموض: "الأعلى".

هل كان هذا رأي البوليس أم رأي الحكومة؟

قال ستان: "هم سمحوا لأنفسهم أن يكتبوا النص، اقرأه في كل الأحوال".

قال بيني: "في كل الأحوال اصنع التغييرات إن لم يعجبك الأسلوب، أنت الكاتب".

قال ستان: "عليّ أن أقول بصراحة، إن هذا هو النص الذي قُبِل".

النص الذي تسلمه كان فيه جبن وتذلل، أن يوقعه معناه أن يسلم بالهزيمة، هل يمكن أن تكون هذه هي الصفقة التي تُعرَض عليه – أنه سيتلقى دعم الحكومة وحماية البوليس فقط لو تنازل عن مبادئه وعن دفاعه عن الكتاب، أن ينزل على ركبتيه ويتذلل؟

بدا ستان وبيني غير مرتاحين بشكل كبير، قال بيني: "كما قلت، أنت حر في إجراء التعديلات".

قال ستان: "ثم سنرى كيف سيتصرفون".

ولكن بافتراض أنه اختار ألا يصدر تصريحا أصلا الآن؟

قال ستان: "يُعتَقَد أن هذه فكرة جيدة، هناك مفاوضات عالية المستوى تجري من أجلك، وهناك في الاعتبار أيضا رهائن لبنان، والسيد روجر كوبر في السجن بطهران؛ موقفهم أسوأ من موقفك، مطلوب منك أن تقوم بدورك". (في الثمانينيات من القرن الماضي، جماعة حزب الله اللبنانية، الممولة من طهران، أسرت 96 أجنبيا من 21 دولة، منهم أمريكان وبريطانيين. كوبر، رجل الأعمال البريطاني، مقبوض عليه في إيران).

كانت مهمة مستحيلة: أن تكتب شيئا يمكنه أن يُفهَم على أنه غصن زيتون، بدون أن ترضخ لما هو مهم. التصريح الذي وصل كان الأكثر تقززا منه:

"ككاتب (الآيات الشيطانية) أدرك أن المسلمين في أجزاء كثيرة من العالم منزعجون بشكل كبير من نشر روايتي. أنا آسف كثيرا لهذا الانزعاج الذي أداه نشر الكتاب لأتباع الإسلام المخلصين. العيش في عالم يحتوي عقائد عديدة كما هو حادث يجعل هذه التجربة تذكرنا أننا يجب أن نكون مراعين لمشاعر الآخرين".

صوته الداخلي المُبرِر قال له إنه يعتذر على الانزعاج – وهو على كل حال لم يرد أبدا أن يُحدِث انزعاجا – لا على الكتاب نفسه. ونعم، بالطبع علينا أن نراعي مشاعر الآخرين، ولكن هذا لا يعني أنه علينا أن نستسلم لها. هذا هو المضمون المتحدي غير المصرح به. لكنه كان يعرف ذلك، لو كان المقصود من التصريح أن يكون مؤثرا، فلا بد أن يُقرَأ كاعتذار صريح. هذه الفكرة جعلته يشعر بأنه مريض جسديا.

كانت إشارة غير مفيدة، تم رفضها، ثم قُبلَت بشكل جزئي، ثم رُفضَت مرة أخرى، سواء عن طريق المسلمين البريطان أو القيادة الإيرانية. الموقف القوي كان بالأحرى هو رفض التحاور مع التعصب، هو اتخذ الموقف الضعيف وتم التعامل معه بالتالي على أنه رجل ضعيف. الأوبزرفر دافعت عنه: "لا بريطانيا ولا الكاتب فعلا شيئا ليعتذرا عنه" – ولكن شعوره بأنه اتخذ خطوة خاطئة تأكد سريعا؛ "حتى لو تاب سلمان رشدي وأصبح أكثر الرجال تقوى في العالم، فمن الواجب على كل مسلم أن يستولي على كل شيء يخصه؛ حياته وثروته، ويرسله إلى الجحيم". هكذا قال الإمام المحتضر.

***

ضباط الحماية قالوا إنه ليس من المفترض أن يقضي أكثر من ليلتين في لايجون آرمز، كان محظوظا لأن الإعلام لم يجده بعد، ولكن خلال يوم أو أكثر سيجدونه، كان هذا عندما تم تفسير حقيقة مزعجة أخرى: هناك اعتماد عليه في إيجاد الأماكن التي سيبقى فيها. نصيحة البوليس كانت أنه لن يستطيع العودة لمنزله، لأنه سيكون من المستحيل (هذا الذي يعني أنه من المكلف جدا) أن يحموه هناك، ولكن لم تكن هناك "بيوت آمنة"[5]، إن كانت توجد مثل هذه الأماكن فهو لم يرها، معظم الناس المعتادين على أدب الجاسوسية كانوا مقتنعين تماما بوجود البيوت الآمنة، وافترضوا بأنه تمت حمايته في مثل هذه القلاع على حساب البوليس. انتقاد المال المنفق على حمايته سيصبح أكثر صخبا في الأسابيع التالية: كمؤشر على التغير في الرأي العام، ولكن في يومه التالي بلايجون آرمز، سيقال له إن لديه 24 ساعة ليجد مكانا آخر ليبقى فيه. زميلة لكلاريسا عرضت قضاء ليلة أو إثنتين في كوخها بالريف، في قرية تيم بأوكسفوردشاير، وقتها كان قد أجرى اتصالات بكل شخص يمكن أن يفكر فيه، بلا جدوى، ثم راجع رسائله الصوتية ووجد رسالة من ديبورا روجرز، وكيلته الأدبية السابقة، قالت: "اتصل بي، أعتقد أننا نستطيع المساعدة".

ديب وزوجها، المؤلف الموسيقي مايكل بيركلي، دعياه لمزرعتهما في ويلز، قالت له ببساطة: "إن كنت تحتاجها فهي لك". تأثر كثيرا. قالت: "أنظر، إنها رائعة، في الحقيقة لأن الكل يعتقد أننا تشاجرنا، وبالتالي فلا أحد سيتصور أبدا أنك هنا". في اليوم التالي هبط سيركه المتجول إلى ميدل بيتس؛ مزرعة بسيطة في تلال حدود الريف الويلزي. "ابق الوقت الذي تحتاجه" قالت ديب، ولكنه كان يعرف أنه بحاجة لأن يجد مكانا يخصه، وافقت ماريان على الاتصال بالوكلاء العقاريين المحليين لتبدأ في البحث عن أماكن للإيجار، كانا فقط يتمنيان أن يكون وجهها أقل ألفة من وجهه.

بالنسبة له، فلا يُفترَض أن تتم رؤيته في المزرعة، وإلا سيتعرض أمنه للخطر. فلاح محلي كان يرعى قطيع مايكل وديب، وفي لحظة ما هبط التل ليتحدث مع مايكل عن شيء، أخبره مايكل: "من الأفضل أن تختبيء"، انحنى تحت مائدة المطبخ. أثناء ربضه هناك كان يستمع إلى مايكل وهو يحاول التخلص من الرجل بأسرع ما يمكن، شعر بإحساس كبير بالعار؛ أن تختبيء بهذه الطريقة يعني أن تنزع عن نفسك كل احترام للذات، فكر؛ ربما العيش بهذه الطريقة سيكون أسوأ من الموت. في روايته "العار"، كتب عن تكوين "ثقافة المسلم الفخورة"؛ قطبي محورها الأخلاقي هما الشرف والعار، هذا يختلف كثيرا عن السرديات المسيحية التي تتحدث عن الذنب والخلاص. هو جاء من هذه الثقافة، حتى لو لم يكن مؤمنا. أن يتوارى ويختبيء يعني أن يعيش حياة غير شريفة. شعر بالعار، كما شعر كثيرا في هذه السنوات، شعر بالعار والخجل.

***

تهدر الأخبار في أذنه؛ أعضاء البرلمان الباكستاني اقترحوا إرسال فوري لمغتالين إلى المملكة المتحدة، في إيران صرح رجال الدين الأقوى بتصريحات مشابهة خلف الإمام. "السهم الأسود الطويل انطلق، وهو يسافر الآن نحو هدفه". قال خامنئي أثناء رحلة إلى يوغوسلافيا. آية الله إيراني[6] يدعى حسن صانعي عرض مليون دولارا كمكافأة لمن يأتي برأس المرتد؛ لم يكن من الواضح هل آية الله يملك المليون دولار، أو كيف يكون من السهل المطالبة بالمكافأة، ولكن هذه لم تكن أياما منطقية. مكتبة المركز البريطاني في كراتشي – المكان الراكد المحبب الذي طالما زاره – تم تفجيرها.

في 22 فبراير؛ اليوم الذي نشرت فيه الرواية في أمريكا، كان هناك إعلان ملء صفحة في التايمز، مدفوع الأجر من قبل جمعية الناشرين الأمريكان وجمعية بائعي الكتب الأمريكان، وجمعية المكتبين الأمريكان، الإعلان كان يقول: "(الأحرار يكتبون الكتب)، (الأحرار ينشرون الكتب)، (الأحرار يبيعون الكتب)، (الأحرار يشترون الكتب)، (الأحرار يقرأون الكتب). بروح أمريكا الملتزمة بحرية التعبير نُعلِم الجميع أن الكتاب سيكون متاحا للقراء في المكتبات وأماكن البيع في كل أنحاء البلد". مركز "قلم" الأمريكي، بقيادة حميمة لصديقته المحبوبة سوزان سونتاج، أجرى جلسات قراءة للرواية؛ سونتاج، دون ديلايلو، نورمان ميلر، كلير بلوم، لاري مكمورتري كانوا من ضمن القراء، أُرسِل له شريط بالحدث، جلب الدموع إلى عينيه. بعد ذلك بفترة طويلة، قيل له أن بعض الكتاب الأمريكان الكبار تواروا واختبأوا، حتى آرثر ميلر اعتذر – لأن يهوديته ربما تأتي بنتيجة عكسية. ولكن خلال أيام رضخوا عن طريق سوزان، وتقريبا كلهم وجدوا ذواتهم الأفضل ووقفوا ليتم حسابهم.

عندما حصل الكتاب على المركز الأول للأسبوع الثالث على التوالي في قائمة الأفضل مبيعا في النيويورك تايمز، سخر جون إيرفنج الذي وجد نفسه مستمرا في المركز الثاني قائلا إذا كان هذا هو مقابل الصدارة فهو سعيد أن يكون ثانيا. هو نفسه يعرف جيدا، مثلما يعلم إيرفينج، أن التشهير، وليس التقدير الأدبي، هو الذي قاد المبيعات، هو أيضا عرف، وقدّر ذلك، أن العديد من الناس اشتروا نسخا من "الآيات الشيطانية" ليظهروا دعمهم.

بينما يحدث كل هذا وأكثر، كاتب "الآيات الشيطانية" كان رابضا خلف مائدة المطبخ وهو يشعر بالعار، متجنبا أن يراه فلاح يرعى القطعان.

***

وجدت ماريان مسكنا لتؤجره، كوخا متواضعا بحوائط بيضاء وسقف مغطى بالصخور يدعى (تين – أو – كويد) "Tyn-Y-Coed" (منزل في الغابة)، هذا اسم شائع لمنزل في هذه النواحي، كان في قرية ببينتريفيلين، في بريكون، ليس بعيدا عن الجبال السود في بريكون بيكونز[7]. كانت هناك أمطارا غزيرة، وكان الجو باردا عندما وصلوا. ضباط البوليس أرادوا أن يشعلوا المدفأة، وبعد فترة معقولة من الصياح والوعيد، نجحوا في ذلك. وجد حجرة صغيرة بالأعلى حيث كان باستطاعته أن يغلق الباب ويتظاهر بالعمل، بدا المنزل كئيبا كما كانت هذه الأيام. ظهرت تاتشر في التلفزيون؛ متفهمة الإهانة ضد الإسلام ومتعاطفة مع المهانين.

القائد جون هاولي من الأمن الخاص، أتى ليلتقيه في ويلز، يبدو الآن أنه سيكون في خطر لوقت معقول، وهذا لم يكن ما توقعه الأمن الخاص كما أخبره هاولي. الأمر لم يعد مسألة اختباء لعدة أيام حتى يحل السياسيون الأمور، لم يكن هناك تصور بأن يتم السماح له (السماح؟) بأن يستأنف حياته العادية في المستقبل القريب. هو لا يستطيع أن يقرر ببساطة أن يعود لبيته ويغامر بفرصه،  أن يفعل ذلك فهو يخاطر بجيرانه والمكان يمثل عبء غير محتمل على قوات البوليس، لأن الشارع كله، أو ربما أكثر من شارع، سيكون بحاجة لأن يُحاصَر وتتم حمايته. عليه أن ينتظر حتى يحدث "تغير سياسي كبير". ماذا يعني هذا؟ سأل، حتى يموت الخميني؟ أم إلى الأبد؟ لم تكن لدى هاولي إجابة، لم يكن من الممكن بالنسبة له أن يقدر كم من الوقت سيستمر هذا الأمر.

***

كان يعيش وهو مهدد بالموت لمدة شهر حتى الآن، كانت هناك مظاهرات أخرى ضد "الآيات الشيطانية" في باريس، نيويورك، أوسلو، كاشمير، بانجلاديش، تركيا، ألمانيا، هولندا، السويد، أستراليا، وغرب يوركشاير. كم الإصابات والقتلى استمر في الارتفاع، الرواية مُنعت الآن في سوريا، لبنان، كينيا، بروناي، تايلاند، تنزانيا، أندونيسيا، وأماكن أخرى في العالم العربي. في تين -أو- كويد في منتصف مارس أُلقِي بدون إنذار في أسفل حلقة من الجحيم الأورويلي؛ "لقد سألتني مرة.." يقول أوبراين[8]: "ما هي الغرفة 101. أخبرتك أنك تعرف الإجابة مسبقا، كل شخص يعرفها، الشيء الموجود في غرفة 101 هو أسوأ شيء في العالم". الشيء الأسوأ في العالم يختلف من فرد لآخر؛ بالنسبة لونستون سميث في رواية أورويل "1984" كانت الفئران، أما بالنسبة له، في الكوخ الويلزي البارد، فكان الاتصال غير المردود عليه.

كان يقوم بروتينه اليومي مع كلاريسا: في الساعة السابعة كل مساء كان يتصل ليلقي التحية على ظفر، لو لم تكن كلاريسا في البيت مع ظفر في الساعة السابعة ستترك رسالة للأنسر ماشين في منزل شارع سانت بيتر تخبره متى سيعودان. اتصل بمنزل طريق بورما ولم يكن هناك رد، ترك رسالة في أنسر ماشين كلاريسا ثم استجوب جهازه، لم تترك رسالة، أوه، فكر، حسنا هما متأخران قليلا، بعد 15 دقيقة اتصل مرة أخرى، لا أحد، رفع السماعة، اتصل بجهازه مرة أخرى، لا شيء هناك، بعد عشر دقائق اتصل للمرة الثالثة، لا شيء أيضا. كانت تقريبا الثامنة إلا الربع في ليلة يوم دراسي، لم يكن معتادا منهما أن يتأخرا إلى هذا الحد، اتصل مرتين أخريين في العشر دقائق التالية، لا رد. الآن بدأ يشعر بالذعر، كرر الاتصال بمنزل طريق بورما، يتصل ويعيد الاتصال كالمجنون، وبدأت يداه تهتزان، كان يجلس على الأرض ملتصقا بالحائط والتليفون على حِجره، يتصل ويعيد الاتصال. لاحظ ستان وبيني النشاط التليفوني المهتاج لـ"عميلهما"، وجاءا ليسألاه إن كانت الأمور بخير.

قال لا، الأمور لا تبدو كذلك، كلاريسا وظفر متأخران الآن لمدة ساعة وربع عن موعد اتصاله بهما ولم يتركا تفسيرا. بدا وجه ستان جادا، سأله: "هل هذا خرق للروتين؟"، نعم، لقد كان هذا خرقا للروتين، قال ستان: "حسنا، دع ذلك لي، سأقوم ببعض الاستفسارات". بعد عدة دقائق عاد وقال إنه تحدث إلى الميتبول – شرطة المتروبوليتان بلندن – وتم بعث سيارة للعنوان لتقوم بفحص الأمر. بعد ذلك، مرت الدقائق ببطء وبرود كالجليد المتجمد، وعندما جاء التقرير أوقف قلبه؛ أخبره ستان: "السيارة مرت بالمبنى حالا، وأنا آسف لأن أقول إن التقرير يقول إن الباب الأمامي كان مفتوحا وكل الأنوار كانت مضاءة". لم يكن قادرا على الرد. "كما هو واضح فالضباط لم يحاولوا أن يصعدوا إلى المنزل أو يدخلوه". قال ستان: "في مثل هذا الموقف لن يعرفوا ما الذي يمكن أن يلاقوه".

رأي جسدين ملقيين على السلالم في الصالة الرئيسية، رأى بوضوح ساطع جثتي ابنه وزوجته الأولى ثابتتين غارقتين في الدماء، لقد انتهت الحياة، لقد هرب بعيدا واختبأ كأرنب خائف وكان على أحبابه أن يدفعوا الثمن. قال ستان: "لنخبرك ما الذي سنفعله؛ سندخل إلى هناك، ولكن عليك أن تترك لنا حوالي 15 دقيقة، فعليهم أن يجمعوا جيشا".

ربما الإثنان ميتان، ربما لا يزال ابنه حيا وأخذوه كرهينة، قال لستان: "هل تفهمني، فإذا أخذوه وطلبوا فدية، فسوف يرغبون في أن يبادلوني به، وأنا سأفعل ذلك، وأنتم لن تمنعوني من فعل ذلك". كان صمت ستان طويلا وكئيبا، هذا الذي يحدث فقط في مسرحية لبنتر ثم قال: "الأمر الذي يتعلق بمبادلة الرهائن يحدث فقط في الأفلام، وأنا آسف لأن أقول لك إنه في الحياة الواقعية، إن كان هذا اقتحام عنيف، فالإثنين قُتِلا غالبا، السؤال الذي عليك أن تسأله لنفسك، هل تريد أن تموت أنت أيضا؟".

جلست ماريان في مواجهته، غير قادرة على أن تهون عليه، ليس لديه شيء ليقوله، فقط الاتصال المحموم، كل 30 ثانية، الاتصال وصوت الرنين وصوت كلاريسا يسأله أن يترك رسالة، لم تكن هناك رسالة تستحق أن تُتَرك، "أنا آسف" لم يستطع أن يخفي ذلك، رفع السماعة واتصل، وكان صوتها مرة أخرى، مرارا وتكرارا.

بعد وقت طويل، جاء ستان وقال بهدوء: "لن يطول الأمر الآن، إنهم على أهبة الاستعداد"، أومأ وانتظر الواقع ليصله بما سيكون الضربة المميتة، لم يكن مهتما بأن يمسح وجهه رغم أنه كان مبتلا. استمر في الاتصال برقم كلاريسا، وكأن التليفون يملك قوى سحرية، وكأنه لوح ويجا سيصله بالموتى.

بعد ذلك، كان هناك صوت غير متوقع، أحدهم رفع السماعة على الجانب الآخر، "نعم؟" قال، كان الصوت مهتزا.

"أبي؟" قال صوت ظفر، "ما الذي يحدث يا أبي؟ هناك شرطي على الباب ويقول إن هناك 15 آخرين في طريقهم". استولى عليه الارتياح وربط لسانه للحظة، "أبي، هل أنت هناك؟"

قال: "نعم، أنا هنا، هل أمك بخير؟ أين كنتما؟"

لقد كانا في عرض مسرحي بالمدرسة استمر لوقت متأخر، وصلت كلاريسا إلى التليفون واعتذرت، "أنا آسفة، كان عليّ أن أترك لك رسالة، ولكني فقط نسيت، أنا آسفة".

سأل: "ولكن ماذا عن الباب؟ لماذا كان الباب الأمامي مفتوحا وكل الأنوار مضاءة؟".

كان ظفر على التليفون مرة أخرى: "لم يكن الأمر كذلك يا أبي". قال: "نحن فقط عدنا وفتحنا الباب وأضئنا الأنوار ثم جاء الشرطي".

قال ستان: "يبدو أن هناك خطأ مؤسفا، السيارة التي بُعثَت ذهبت إلى منزل خاطيء".

***

تم تفجير المكتبات؛ كوليتز وديلونز في لندن، آبي في سيدني، المكتبات العامة رفضت وضع الكتاب عندها، سلاسل مكتبات البيع رفضت عرضها، دستة من المطابع في فرنسا رفضت طبع النسخة الفرنسية، وتهديدات أخرى ظهرت ضد الناشرين. بدأ المسلمون يُقتَلون بواسطة مسلمين آخرين لو لم يعبروا عن آراء غير دموية؛ في بلجيكا، المُلّا الذي يقال عنه "القائد الروحي" لمسلمي البلد، عبد الله الأهدل ونائبه التونسي سالم البحير، قُتِلا لأنهما قالا ذلك؛ بغض النظر عما يقوله الخميني للاستهلاك الإيراني، ففي أوروبا هناك حرية تعبير.

كتب في يومياته: "أنا مكمم ومسجون، أنا لا أستطيع حتى التحدث، أريد أن أركل كرة قدم في حديقة مع ابني، الحياة اليومية العادية هي حلمي المستحيل". الأصدقاء الذين رأوه في هذه الأيام صُدِموا من تدهوره الجسدي، زيادة وزنه، لحيته التي تركها تنمو لتصبح كتلة قبيحة منتفخة، حالته الكئيبة، كان يبدو كرجل تعرض للضرب.

في فترة قصيرة جدا أصبح معجبا بشدة بمن يحمونه، هو قدّر طريقتهم في محاولة أن يكونوا مرحين ومتفائلين ليرفعوا من معنوياته، ومحاولتهم لأن لا يلفتوا الانتباه، كانوا يعرفون أنه من الصعب على "العملاء" أن يجدوا ضباط بوليس في المطبخ، تاركين العجين مخلوطا، حاولوا بجد وبدون ضغينة أن يتركوا له مساحة بقدر استطاعتهم،  وفهم سريعا أن معظمهم وجد قيود هذه الحماية كشيء أصعب - بشكل ما - مما يجدها هو؛ كانوا رجال أفعال، احتياجاتهم معاكسة لاحتياجات روائي ساكن يحاول أن يتمسك بما تبقى في حياته الداخلية، عالم الذهن. كان يستطيع أن يظل ساكنا ويفكر في غرفته لساعات ويبقى راضيا، هم كانوا يجنون لو ظلوا بالداخل لأي فترة من الوقت، من جهة أخرى كان بإمكانهم أن يعودوا لبيوتهم بعد أسبوعين ويحصلوا على إجازة، الكثير منهم قالوا له مع مراعاة الاحترام: "نحن لا نستطيع أن نفعل ما تفعله". هذا الأمر جعلهم يكسبون تعاطفه.

في الشهور والسنوات التالية، تجاوزوا القواعد أحيانا ليساعدوه، في الوقت الذي كانوا ممنوعين فيه من أن يصطحبوه إلى أي مكان عام، اصطحبوه إلى السينما، يُدخِلونه بعد انطفاء الإضاءة، ويُخرِجونه قبل أن تنير مرة أخرى، وقاموا بقدر استطاعتهم بمساعدته في دوره كأب، اصطحبوه هو وظفر لملاعب البوليس الرياضية وشكلا فريقي رجبي مرتجلين حتى يكون باستطاعته أن يجري معهم ويمرر الكرة، في الإجازات رتبوا أحيانا زيارات لمدن الملاهي. في يوم ما، في إحدى الملاهي، رأي ظفر دمية قطنية تُقدًّم كهدية في عرض الرماية وقرر أنه يريدها، أحد ضباط الحماية المعروف بجاك البدين سمعه: "أنت معجب بها، أليس كذلك؟" قال وزم شفتيه: "هممم، هممم"، دخل الكشك ووضع نقوده، عامل العرض أعطاه المسدس المعتاد بعدسة مشوهة، قال: "هممم، هممم"، فحص السلاح: "حسنا إذن"، بدأ في الإطلاق: بوم بوم بوم بوم، تساقطت الأهداف الواحد بعد الآخر، بينما ينظر له عامل العرض بفم مفتوح يظهر أسنانه الذهبية، قال جاك البدين: "نعم، هذا يقوم بعمل رائع"، وضع السلاح جانبا وأشار إلى الدمية، "سنأخذ هذه، شكرا لك".

لم يكونوا كاملين، كانت لهم أخطاؤهم، كان هناك الوقت الذي أخذوه فيه لمنزل صديقه حنيف قريشي، في نهاية المساء كان على وشك أن يرحل معهم قبل أن يجري حنيف في الشارع ملوحا فوق رأسه بمسدس ضخم في جرابه الجلدي، صارخا بمرح: "أوه، انتظر لدقيقة، لقد نسيت مسدسك". ولكنهم كانوا فخورين بعملهم، العديد منهم قالوا له بنفس الكلمات: "نحن لم نفقد أحدا مطلقا، الأمريكان لا يستطيعون قول هذا"، كانوا يكرهون الطريقة الأمريكية في التعامل مع الأمور، قالوا: "هم معتادون على إلقاء الأجساد أمام المشاكل"، هذا الذي يعني أن تعامل الأمريكان يكون دوما بأعداد كبيرة، العشرات أو أكثر، كل مرة يزور شخص أمريكي مهم المملكة المتحدة، تتجادل قوات أمن البلدين بنفس الطريقة عن منهجيهما، يقولون: "نستطيع أن نصطحب الملكة في سيارة فورد كورتينا عادية في شارع أوكسفورد وقت الذروة ولن يلحظ أحد مرورها، مع الأمريكان هناك دائما الصخب والتفاهات، ولكنهم فقدوا رئيسا، أليس كذلك، وكادوا يفقدون آخر".

***

كان بحاجة إلى اسم، هكذا أخبره البوليس في ويلز، اسمه الأصلي كان بلا فائدة؛ كان اسما لا يمكن أن يُنطق، كاسم فولدمورت في روايات هاري بوتر التي لم تكن قد كُتِبَت بعد، لن يستطيع أن يستأجر منزلا به، أو يتقدم للتصويت، لأن التقدم للتصويت يحتاج تقديم عنوان للمنزل، وبالطبع هذا مستحيل. ليحمي حقه الديمقراطي في حرية التعبير عليه أن يتنازل عن حقه الديمقراطي في اختيار حكومته.

يحتاج أن يختار اسما جديدا "سريعا جدا"، ثم عليه أن يتحدث إلى مدير بنكه ويطلب من البنك أن يقبل الشيكات الموقعة بالاسم الزائف، ليكون بإمكانه أن يدفع مقابل الأشياء بدون أن يتم اكتشافه. الاسم الجديد أيضا مفيد لمن يحمونه، إنهم بحاجة لأن يعتادوا عليه، أن ينادونه به طوال الوقت، عندما يكونون معه أو لا يكونون، حتى لا يدعوا اسمه يفلت مصادفة عندما يتنزهون أو يجرون أو يذهبون إلى الجيم أو السوبر ماركت ويكشفونه.

فريق الحماية كان لديه اسم: "عمليات الملكيت"، هو لم يعرف لم أُعطِي الفريق اسم حجر كريم أخضر، وهم أيضا لا يعرفون، لم يكونوا كُتَابا، ومسألة الأسماء لم تكن مهمة بالنسبة لهم، ولكن الآن فهذا دوره ليعيد تسمية نفسه.

قال ستان: "ربما عليك ألا تختار اسما أسيويا، فالناس يخمنون مثل هذه الأشياء أحيانا". إذن فعليه أن يتخلى عن عِرْقه أيضا، سيكون رجلا غير مرئي بوجه أبيض.

فكر في الكُتّاب الذين يحبهم وحاول أن يصنع تركيبات من أسمائهم؛ فلاديمير جويس، مارسيل بيكيت، فرانز ستيرن، صنع قوائم بهذه التركيبات ولكن كلها بدت حمقاء، حتى وجد اسما ليس كذلك، كتبه، الاسمان الأولان لكونراد وتشيكوف جنبا إلى جنب، ها هو ذا، اسمه للإحدى عشر عاما القادمة: جوزيف آنطون.

قال ستان: "يبدو اسما مرحا، لن تمانع إن ناديناك جو". في الحقيقة كان يمانع، قريبا سيكتشف أنه يزدري الاختصار، لأسباب لا يفهمها تماما، ولكن في النهاية لِم جو أسوأ كثيرا من جوزيف؟ هو لم يكن الإثنين، الإثنين بالنسبة له إما مصطنعين بشكل متساو أو مناسبين بشكل متساو. ولكن جو ضايقه تقريبا من البداية، مع هذا، فهذا الاسم ذو المقطع الواحد هو ما وجده فريق الحماية الأسهل في التعامل والتذكر، إذن فقد أصبح جو.

لقد قضى حياته يسمي شخصيات خيالية، الآن عن طريق تسمية نفسه أصبح هو أيضا نوع من الشخصية الخيالية، كونراد تشيكوف لم يكن لينفع، ولكن جوزيف آنطون هو اسم لشخص ممكن الوجود، مَن الموجود الآن؟. كونراد، الخالق متعدد اللغات لشخصيات الجوالين والمرتحلين نحو قلب الظلمات والعملاء السريين في عالم القتلة والقنابل والجبان الوحيد – على الأقل - الذي لا يموت ويتخفى من عاره[9]، وتشيكوف أستاذ الوحدة والكآبة وجمال العالم القديم الذي تهدم - كالأشجار في بستان الكرز - عن طريق وحشية العالم الجديد، تشيكوف الذي اعتقدت "شقيقاته الثلاث" أن الحياة الحقيقية في مكان آخر ورغبن دوما أن يذهبن إلى موسكو التي لا يستطعن[10] العودة إليها: هذان صارا أبويه الروحيين الآن، كان كونراد هو الذي أعطاه الشعار الذي تمسك به، كأنه جملة حياته في السنوات الطويلة التي تلت؛ ففي الكتاب ذو العنوان غير المقبول الآن: "زنجي السفينة نرسيس" البطل، البحار جيمس ويت، الذي أصيب بالسل أثناء رحلة بحرية طويلة، سؤل عن طريق بحار آخر لِم قام بالرحلة وهو يعرف أنه معتل، أجاب ويت: "عليّ أن أعيش إلى أن أموت، أليس كذلك؟"

في الظروف الحالية، بدا السؤال كأمر، قال لنفسه: "جوزيف آنطون، عليك أن تعيش إلى أن تموت". 




[1]  Special Branch وهو فرع أمني ببريطانيا يختص بالشئون المتعلقة بالأمن على مستوى الدولة.
[2]  Double-O Elite يحيل رشدي إلى روايات إيان فليمينج كاتب السلسلة الشهيرة "جيمس بوند"، وفيها تحمل شخصية بوند وأقرانه من العملاء السريين المتميزين رمز رقمي يبدأ بصفرين.
[3]  Cotswolds مجموعة تلال في جنوب ووسط غرب إنجلترا.
[4]  تلاعب بالألفاظ بما يعني "الشخص الذي فقد سيارته".
[5]  Safe House في الثقافة الغربية يعبر هذا المصطلح عن مجموعة البيوت غير المعروفة التي تقع تحت سيطرة الشرطة وأجهزة الأمن والمخابرات لتحافظ فيها على الرجال الذين يمكن أن يتعرضوا للإيذاء.
[6]  من المعروف أن لقب "آية الله" من أسمى الألقاب التي تطلق على رجال الدين الشيعة.
[7]  كلها أماكن بويلز واسم الكوخ باللغة الويلزية.
[8]  أوبراين وونستون الذي سيذكر اسمه هما شخصيتان من رواية "1984" للإنجليزي جورج أورويل.
[9]  يشير رشدي إلى روايتي كونراد "قلب الظلمات" و"العميل السري"
[10]  يشير رشدي إلى مسرحيتي تشيكوف "بستان الكرز" و"الشقيقات الثلاث"

2012-09-21

المختفي - سلمان رشدي (1-2)

المختفي.. كيف غيرت الفتوى حياة كاتب (1-2)
سلمان رشدي

ت: أمير زكي
سبتمبر 2012

***

1989

بعد ذلك، عندما كان العالم يتفجر من حوله، شعر بالضيق من نفسه لأنه نسى اسم مراسلة البي بي سي التي أخبرته أن حياته السابقة انتهت، ووجود جديد أكثر إظلاما على وشك البدء. اتصلت به في بيته، على تليفونه الخاص، بدون أن تشرح كيف حصلت على الرقم. سألته: "ما الذي تشعر به عندما تعرف أنك حُكِم عليك بالموت من قبل آية الله الخميني؟" كان ثلاثاء مشمسا في لندن، ولكن السؤال أخفى الضوء. هذا هو ما قاله، بدون أن يعرف حقا ما يقوله: "هذا لا يبدو أمرا جيدا"، هذا هو ما فكر فيه: أنا رجل ميت. فكر كم يوما متبقيا له، وخمن أن الإجابة غالبا ستتكون من رقم واحد. وضع التليفون وجرى السلالم من غرفة مكتبه في قمة أحد المنازل المصفوفة بإيزنجلتون الضيقة حيث كان يعيش. نوافذ غرفة المعيشة كان لها مصاريع خشبية، وبشكل عبثي أغلقها بإحكام، ثم أغلق الباب الأمامي.

كان يوم الفالنتاين، ولكنه لم يكن متفاهما مع زوجته، الروائية الأمريكية ماريان ويجينز. قبلها بخمسة أيام، كانت قد أخبرته إنها غير سعيدة في الزواج، وأنها "لم تعد تحس بشعور طيب وهي معه"، وعلى الرغم من أنهما لم يكونا متزوجين سوى من عام واحد، إلا أنه أيضا كان يعرف مسبقا أن هذا الزواج كان خطأ. هي تحدق فيه الآن وهو يتحرك بعصبية في المنزل، يسدل الستائر، يتحقق من ترابيس النافذة، جسده مصعوق من الأخبار، وكأن تيار كهربائي يمر بداخله، وكان عليه أن يشرح لها ما الذي يحدث. تصرفت بشكل جيد وبدأت تناقش ما عليهما أن يفعلاه، استخدمت كلمة "نحن"، هذا كان شجاعا.

سيارة وصلت إلى المنزل، بُعثت بواسطة تلفزيون سي بي إس؛ كان لديه موعد في استوديوهات الشبكة التلفزيونية الأمريكية؛ في مبنى بواتر هاوس، بنايتسبريدج، ليظهر على الهواء في برنامجهم الصباحي عن طريق اتصال بالساتلايت. قال: "عليّ أن أذهب، إنه برنامج على الهواء، لا أستطيع فجأة أن لا أظهر".

في وقت آخر من الصباح، ستجري خدمة تخص ذكرى صديقه بروس شاتوين؛ الذي توفى من الإيدز، وذلك في الكنيسة الأورثوذكسية اليونانية في طريق موسكو، في بايزووتر. سألته زوجته: "ماذا عن الخدمة؟". لم يكن لديه إجابة لها، فتح الباب الأمامي، خرج، ركب السيارة، وتمت قيادته. على الرغم أنه لم يكن ليعرف ذلك وقتها – فلحظة تركه للمنزل لم تبد مشحونة بمعنى ما بشكل غير عادي – إلا أنه لن يعود إلى هذا المنزل - رقم 41 بشارع بيتر، والذي كان منزله لنصف عقد - قبل ثلاثة سنوات، وفي هذا الوقت لن يكون منزله.

في سي بي إس، كان الخبر الرئيسي في اليوم، الناس في غرفة الأخبار على شاشات متعددة كانوا فعليا يستخدمون الكلمة التي ستصبح قريبا معلقة على رقبته كالنير "فتوى":

"أُعلم كل الشعب المسلم الفخور في العالم أن مؤلف كتاب (آيات شيطانية)، المضاد للإسلام، وللنبي وللقرآن، وكل المتورطين في نشره والعارفين بمحتواه، محكوم عليهم بالموت. أطالب كل المسلمين بتنفيذ الحكم عليهم في أي مكان يجدونهم فيه".

أحدهم أعطاه نسخة مطبوعة من النص أثناء مرافقته إلى الأستوديو من أجل اللقاء. ذاته السابقة أرادت أن تناقش كلمتي "محكوم عليه"؛ فهذا ليس حكما تم في أي محكمة يعرفها، أو في دائرة يخضع لها، ولكنه أيضا يعرف أن عادات ذاته القديمة لم تعد مفيدة الآن، لقد أصبح ذاتا جديدة الآن، أصبح شخصا في عين العاصفة، لم يعد "سلمان" الذي عرفه أصدقاءه، ولكن "رشدي" مؤلف "آيات شيطانية"؛ العنوان الذي تم تشويهه بحذق بحذف التعريف "ال". "الآيات الشيطانية" كانت رواية، "آيات شيطانية" كانت آيات شيطانية، وهو كان مؤلفها الشيطاني. كم كان من السهل أن تمحو ماضي شخص لتصنع نسخة جديدة منه، نسخة متطرفة، ويبدو أنه من المستحيل مقاومتها.

نظر إلى الصحفيين وهم يحدقون فيه، وتساءل هل هذه هي الطريقة التي ينظر بها الناس إلى من سيؤخذ إلى المشنقة أو الكرسي الكهربائي. أحد المراسلين الأجانب جاء إليه ليكون ودودا، سأل المراسل ما الذي عليه أن يفعله في مواجهة تصريح الخميني؛ هل هو مجرد زخرفة بلاغية أم أنه أمر خطير حقا؟ قال الصحفي: "أوه، لا تقلق كثيرا، إن الخميني يحكم على رئيس الولايات المتحدة بالموت كل ظهر جمعة".

على الهواء، عندما سؤل عن رده على التهديد، قال: "أتمنى لو كنت كتبت كتابا أكثر انتقادا". كان فخورا، ساعتها ودائما، لأنه قال هذا، لقد كانت الحقيقة، هو لم يشعر بأن كتابه نقديا تجاه الإسلام بشكل خاص، ولكن، كما قال للتلفزيون الأمريكي هذا الصباح، الدين الذي يتصرف قادته بهذه الطريقة يمكنه بشكل محتمل أن يستعين بالقليل من النقد.

عندما انتهت المقابلة، قيل له إن زوجته اتصلت، اتصل بالمنزل، قالت: "لا تعود هنا، فيوجد مائتي صحفي ينتظرونك على جانبي الطريق".

قال: "سأذهب إلى الوكالة، حضّري حقيبة وقابليني هناك".

وكالته الأدبية؛ "وايلي إيكن وستون"، تقع مكاتبها في مبني مُمحر باللأبيض في طريق فيرنشو في تشيلسي. لم يكن هناك صحفيين معسكرين بالخارج – في الحقيقة فالصحافة لم تتوقع أنه سيزور وكيله في مثل هذا اليوم – ولكن عندما دخل كان كل تليفون في المبنى يرن وكل مكالمة كانت عنه. جيلون إيكن، وكيله البريطاني نظر له باندهاش.

وجد أنه غير قادر على التفكير فيما سيفعله، لأنه لم تعد لديه فكرة عما سيكون شكل حياته، هو كان باستطاعته أن يفكر فقط في الحالي والحالي هو الخدمة الكنسية المتعلقة ببروس شاتوين. قال جيلون: "عزيزي، هل تعتقد أنه عليك أن تذهب؟" بروس كان صديقه المقرب. قال: "اللعنة على ذلك، هيا بنا نذهب".

وصلت ماريان ونظرة مضطربة خفيفة على وجهها، منزعجة من كون المصورين قد تجمهروا حولها عندما تركت المنزل. لم تقل الكثير، ولا هم أيضا. ركبوا السيارة؛ ساب سوداء، وقادها على الطريق نحو بايزووتر، مع جيلون، وتعبيراته القلقة وجسده المنهك الطويل يملآن المقعد الخلفي.

أمه وأختى الصغرى تعيشان في كراتشي، في باكستان، ما الذي سيحدث لهما؟ أخته الوسطى، المنفصلة من مدة طويلة عن الأسرة، تعيش في بيركلي، كاليفورنيا. هل ستكون آمنة هناك؟ أخته الكبرى، سامين، "توأمه الأيرلندي" كانت تعيش في ويمبلي مع أسرتها، ليست بعيدة عن الاستاد. ما الذي يمكن فعله لحمايتهم. ابنه، ظفر، فقط يبلغ تسع سنوات وثمانية شهور، كان مع أمه، كلاريسا، في منزلهما بالقرب من كليسولد بارك. في هذه اللحظة، يبدو عيد ميلاد ظفر العاشر بعيدا، بعيدا جدا.

الخدمة كانت بكاتدرائية القديسة صوفيا لأرشدوقية ثياتيرا وبريطانيا العظمى، مبنية ومزخرفة بأبهة من مائة وعشرة عاما مضت لتشبه واحدة من كبرى الكاتدرائيات في بيزنطة القديمة، الخدمة كانت باليونانية الغامضة الطنانة: بلا بلا بلا بروس شاتوين، يرتل القسس: بلا بلا بلا، شاتوين، بلا بلا بلا، يقومون، يجلسون، يركعون، يقفون، ثم يجلسون مرة أخرى، الجو كان ممتليء برائحة الدخان المقدس الكريه.

هو وماريان كانا يجلسان بجانب مارتن أميس وزوجته أنتونيا فيليبس. قال مارتين: نحن قلقون عليك"، وعانقه، أجابه: "أنا قلق على نفسي". بلا شاتوين، بلا بروس بلا. بول ثيرو كان يجلس على دكة خلفه، يقول له: "أعتقد أننا سنكون هنا من أجلك الأسبوع القادم يا سلمان".

كان هناك مجموعة من المصورين على جانبي الطريق بالخارج عندما وصل، الكتاب عادة لا يثيرون اهتمام مصوري الباباراتسي، على أي حال فأثناء الخدمة بدأ المصورون دخول الكنيسة، وعندما انتهت تقدموا نحوه، جيلون، وماريان ومارتين حاولوا أن يمنعوهم، صحفي عنيد رمادي (بدلة رمادية، شعر رمادي، وجه رمادي، صوت رمادي) اخترق الزحام، ودفع جهاز تسجيل تجاهه، وسأله سؤالا واضحا، أجابه: "أنا آسف، أنا هنا من أجل ذكرى صديقي، ليس من الملائم أن أجري حوارات".

قال الصحفي الرمادي وكان يبدو مندهشا: "أنت لا تفهم، أنا من الديلي تليجراف، لقد بعثوني هنا بشكل خاص".

قال: "جيلون، أحتاج إلى مساعدتك".

مال جيلون بطوله الفارع على الصحفي وقال بشدة بصوته الجهوري: "اغرب من هنا".

قال رجل التليجراف: "ليس من المفترض أن تكلمني هكذا، أنا خريج مدرسة عامة[1]".

بعد ذلك كانت هناك كوميديا أكثر؛ عندما خرجنا إلى طريق موسكو، كان الصحفيون يندفعون مثل النحل الذي يتبع ملكته، المصورون كانوا يقفزون على ظهور بعضهم البعض ليصنعوا تلالا متمايلة تقذف أضواء الفلاش. وقف هناك مرتبكا وبلا وجهة، تائها للحظات، لم تكن هناك فرصة لأن يكون قادرا على أن يتجه لسيارته المركونة على بعد مائة ياردة من الطريق، بدون أن تتبعه الكاميرات والميكروفونات والرجال الذين تخرجوا من مختلف أنواع المدارس، والذين تم بعثهم هنا بشكل خاص. أنقذه صديقه آلان يينتوب المخرج والمدير التنفيذي بالبي بي سي؛ سيارة البي بي سي التي تخص آلان كانت تركن في مواجهة الكنيسة، قال: "اركب" ثم قاد السيارة بعيدا عن الصحفيين الصائحين. دارا حول نوتينج هيل لفترة حتى تبدد الزحام بخارج الكنيسة ثم عادا إلى حيث تركن الساب. ركب هو وماريان السيارة وفجأة وجدا نفسيهما وحيدين. سأل: "أين يمكننا أن نذهب"، على الرغم من أن كليهما كان يعرف. ماريان كانت قد أجرت مؤخرا شقة سفلية صغيرة في الركن الجنوب غربي من ميدان لونزديل بإيزلنجتون، ليست بعيدة عن منزل شارع سانت بيتر، استأجرتها ظاهريا كمكان للعمل، ولكن في الحقيقة بسبب التوتر المتنامي بينهما. قليلون جدا من يعرفون بأنها تملك هذه الشقة. ستعطيهما المكان والزمان ليتمالكا نفسيهما ويتخذا القرارات. اتجها إلى إيزلنجتون في صمت، لم يبد أن هناك شيئا ليقولاه.

كان منتصف الظهيرة، وفي هذا اليوم بدت صعوبات زواجهما غير ملائمة للحديث. في هذا اليوم كانت الجموع تسير في شوارع طهران حاملة لافتات عليها وجهه بعينين مفاقأتين، فبدأ وكأنه واحد من جثث فيلم "الطيور"[2] بمحجري عينين مسودتين وملطختين بالدماء ومنقورتين بواسطة الطيور. هذا كان الموضوع اليوم: عيد حبه غير المبهج مع هؤلاء الرجال الملتحين والنسوة الكاسيات وهذا الرجل الكبير المؤذي الذي يحتضر في غرفته، ملقيا أمره الأخير عن نوع من من المجد القاتل.

والآن بعد انتهاء اليوم الدراسي كان عليه أن يرى ظفر. دعا صديقته بولين ملفيل وطلب منها أن تبقى بصحبة ماريان أثناء غيابه. بولين، الممثلة ذات العينين الصافيتين، اللتين تحدقان بوهج، ذات القلب الدافيء والعِرق المختلط، والتي تملك العديد من القصص عن جيانا[3]، كانت جارته في هايبري هيل في بدايات الثمانينيات من القرن الماضي، حضرت فورا وبدون مناقشة، على الرغم من كونه عيد ميلادها.

عندما وصل إلى منزل كلاريسا وظفر، كان البوليس هناك فعليا، "ها أنت ذا" قال الضابط: "كنا نتساءل إلى أين ذهبت".

"ما الذي يحدث يا أبي؟" كان لدى الصبي نظرة على وجهه لم يكن من المفترض أن تكون على وجه طفل في التاسعة من عمره.

قالت كلاريسا بشكل مرح: "كنت أقول له إنه سيتم الاعتناء بك بشكل أفضل حتى تنتهي هذه الضربات، وأن الأمور ستنتهي على خير"، بعدها عانقت زوجها السابق كما لم تعانقه منذ انفصلا من خمس سنوات.

كان الضابط يقول: "نحن نريد أن نعرف ما هي خططك التالية".

فكر قبل الرد. ثم قال في النهاية: "ربما سأذهب إلى البيت"، ولكن الأوضاع المتصلبة للرجل الذي يرتدي زيا رسميا أكدت شكوكه.

"لا يا سيدي، أنا لا أقترح ذلك".

فأخبره - كما عرف دوما أنه سيفعل - عن الشقة السفلية بميدان لونزديل، حيث تنتظره ماريان. "عادة لا أحد يعرف أنه مكان تزوره باستمرار يا سيدي؟"

"لا، أيها الضابط، لا أحد يعرف".

"هذا جيد. عندما تعود يا سيدي لا تخرج مرة أخرى هذه الليلة إن كان هذا يناسبك. هناك لقاءات تحدث، وسوف تُنصح بنتائجها غدا، مبكرا بقدر الإمكان. وحتى هذا الوقت، عليك أن تلزم منزلك".

تحدث إلى ابنه، وقربه منه، مقررا في هذه اللحظة أنه سيخبر الصبي أقصى ما يمكنه إخباره، معطيا حسا إيجابيا لما يحدث بقدر ما يستطيع، فهذه هي الطريقة التي يمكن بها مساعدة ظفر ليتعامل مع الأحداث، بأن يجعله يشعر أنه بداخلها، وأن يقدم له نسخة أبوية يتمسك بها بينما هو يُقصف بالنسخ الأخرى في ساحة المدرسة أو من خلال التلفزيون.

"هل سأراك غدا يا أبي؟"

هز رأسه. "ولكني سأتصل بك" قال له: "سأتصل بك كل مساء في الساعة السابعة، إن لن تكوني هنا"، مخبرا كلاريسا: "من فضلك اتركي لي رسالة على الأنسر ماشين في البيت وأخبريني متى يمكنني الاتصال". هذا كان في بداية عام 1989؛ مصطلحات: "كمبيوتر شخصي"، "لابتوب"، "موبايل"، "إنترنت"، "واي فاي"، "إس إم إس"، "إي ميل" كانت لم تُحدَد أو كانت جديدة تماما. هو لم يكن يملك كمبيوتر أو هاتف محمول، ولكنه كان يملك منزلا، وفي هذا المنزل كان هناك جهاز أنسر ماشين، وكان بإمكانه أن يتصل هناك ويستجوبه، باستخدام جديد لكلمة قديمة، ويحصل على، لا، يسترجع رسائله. كرر: "الساعة السابعة، كل ليلة، حسنا؟"

أومأ ظفر بجدية: "حسنا يا أبي".

قاد السيارة وحده باتجاه البيت، والأخبار في الراديو كلها كانت سيئة، الخميني ليس فقط رجل دين قوي، ولكنه على رأس دولة، ويأمر بقتل مواطن من دولة أخرى، ليس له سلطة عليها، ولكن لديه قتلة تحت خدمته، تم استخدامهم ضد "أعداء" الثورة الإيرانية، بمن فيهم هؤلاء الذين يعيشون خارج إيران. فولتير قال مرة إنها فكرة جيدة للكاتب أن يعيش بالقرب من حدود دولية، فإذا أغضب شخصا نافذا يستطيع أن يعبر الحدود ويبقى آمنا. فولتير نفسه ترك فرنسا متوجها إلى إنجلترا، بعد مهاجمته للأرستقراطي شوفالييه دي رو، وبقى في المنفى لثلاث سنوات تقريبا. ولكن أن تعيش في بلد مختلف عن بلد المضطهِد لم يعد ضامنا للأمان، الآن هناك "أفعال خارجية"، بتعبير آخر هم سيأتون وراءك.

الليل في ميدان لوندزيل كان باردا، مظلما، وصافيا. كان هناك شرطيان في الميدان، عندما نزل من سيارته تظاهرا أنهما لم يلاحظاه، كانا في وضع مراقبة قريب، يراقبان الشارع بالقرب من الشقة لمائة ياردة في كل اتجاه، كان يستطيع أن يسمع وقع أقدامهما حتى وهو بداخل المنزل. أدرك، وسط مساحة وقع الأقدام اللافتة تلك، أنه لم يعد يفهم حياته، أو ما يمكن أن تكون عليه، وفكر، للمرة الثانية يومها، بأنه من الممكن ألا تكون لديه حياة متبقية ليفهم.

ماريان اتجهت إلى السرير مبكرا. اتجه إلى السرير بجانبها، ومالت إليه وتعانقا ببرود، كزوجين غير سعيدين كما كانا، كانا مستلقيين منفصلين كل منهما مع أفكاره، وفشلا في النوم.


1966

كان في السنة الثانية من منهج قراءة التاريخ في كامبريدج عندما عرف عن "الآيات الشيطانية". في الجزء الثاني من ترايبوس[4] التاريخ، كان ينتظر أن يختار ثلاثة "موضوعات متخصصة" من بين اختيارات واسعة معروضة. قرر أن يعمل على التاريخ الهندي أثناء فترة الكفاح ضد البريطانيين، من انتفاضة 1859 حتى يوم الاستقلال في أغسطس 1947؛ القرن المتميز الأول أو ما شابه ذلك في تاريخ الولايات المتحدة، من إعلان الاستقلال حتى نهاية إعادة البناء[5]، والموضوع الثالث وعرض في هذه السنة لأول مرة كان عنوانه "محمد، صعود الإسلام والخلافة المبكرة". كان بإشراف آرثر هيبرت، أستاذ عصر وسيط، عبقري، وكان، وفقا لأساطير الكلية، قد أجاب على أقل أسئلة يعرف عنها في امتحانات التاريخ الخاصة به، بحيث استطاع أن يكمل كل الإجابات في الوقت المخصص.

في بداية العمل معا، هيبرت قدم له نصيحة لن ينساها، قال له: "لا تكتب أبدا تاريخا حتى يكون بإمكانك سماع أصوات الناس". فكر في هذا لسنوات، وأصبحت أشبه بنصيحة إرشادية قيمة أيضا للأدب. إن لم يكن لديك إحساس بالطريقة التي يتكلم بها الناس، فأنت لم تعرفهم بما يكفي، وبالتالي لا تستطيع – ولا عليك – أن تسرد قصتهم. الطريقة التي يتحدث بها الناس، بالجمل القصيرة المختصرة أو الثرثرة الطويلة الممتدة تكشف الكثير عنهم: مكانهم الأصلي، طبقتهم الاجتماعية، طبعهم، إن كانوا هادئين أم غاضبين، حميمين أم باردين، وقحين أم مهذبين، صريحين أم متخابثين، ونعم، بالطبع أخيار أم أشرار. إن كان هذا هو كل ما تعلمه تحت قدمي آرثر فسوف يكون كافيا. ولكنه تعلم أكثر من ذلك، تعلم عالم: وفي هذا العالم ولد واحد من أعظم أديان العالم.

كانوا بدوا بدأوا بالكاد في الاستقرار، مدنهم كانت جديدة، مكة كان عمرها عدة أجيال قليلة. يثرب التي أعيد تسميتها إلى المدينة كانت مجموعة من االخيام حول واحة، بدون حتى سور للمدينة. كانوا لا يزالوا غير مرتاحين في حياتهم المدينية. مجتمع بدوي محافظ، ممتليء بالتقاليد، يقدر رفعة المجموع أكثر بكثير من حرية الفرد، ولكنه كان شاملا أيضا. العالم البدوي كان أموميا، تحت مظلة عائلاته الممتدة حتى الطفل اليتيم كان قادرا على إيجاد الحماية ونوع من الهوية والانتماء. كل هذا كان يتغير. المدينة كانت أبوية، ووحدتها الأسرية المفضلة كانت ذرية. مجموع المحرومين كثر، وأصبح يزداد اضطرابا كل يوم. ولكن مكة كانت ثرية، والكبار الحاكمين فيها كانوا يحبونها بهذه الطريقة. الميراث الآن يسير على الخط الذكوري. وهذا أيضا ما فضلته الأسر الحاكمة.
خارج بوابات المدينة تنتصب معابد لثلاث إلهات؛ اللات، مناة، والعزى، في كل مرة ترحل القوافل التجارية التي تجلب الثراء للمدينة أو تعود بداخلها، تتوقف أمام واحد من المعابد وتقدم قربانا، أو لو استخدمنا اللغة الحديثة، تقدم ضريبة. أغنى الأسر في مكة كانت تسيطر على المعابد، والكثير من ثرائها جاء عن طريق القرابين. الإلهات كُن قلب الاقتصاد في المدينة الجديدة والحضارة المدينية التي تبدأ في التحقق.

بناء يطلق عليه "الكعبة" أو (المكعب) في وسط المدينة، كان مخصص لرب يدعى "الله"، الذي يعني (الإله)، كما أن "اللات" تعني (الإلهة). "الله" كان غير معتاد لأنه غير متخصص؛ هو لم يكن إله المطر أو إله الثراء أو إله الحرب أو إله الحب، هو ببساطة إله كل شيء. هذا الإخفاق في التخصص ربما يشرح عدم شعبيته النسبية. عادة فالناس يقدمون القرابين لأسباب محددة: صحة طفل، مستقبل مشروع تجاري، جفاف، شجار، قصة حب. كانوا يفضلون الألهة الخبراء في مجالاتهم عن هذا الرب غير المتخصص أو المتخصص في كل شيء.

الرجل الذي سينزع "الله" مما يشبه الانغمار هذا سيصبح نبيه – محولا إياه إلى المساوي أو على الأقل المكافيء لإله العهد القديم "أنا هو"[6] وإله العهد الجديد (الثلاثة في واحد) – محمد ابن عبد الله من قبيلة بني هشام. في طفولته مرت عائلته بظروف صعبة، تيتم وعاش في بيت عمه. محمد ابن عبد الله حصل على سمعة كتاجر ماهر ورجل شريف، وفي سن الخامسة والعشرين طلبت منه المرأة الثرية الأكبر منه في السن خديجة الزواج. في الخمسة عشر عاما اللاحقة كان ناجحا في عمله وسعيد في زواجه. على أي حال هو أيضا كان رجل بحاجة إلى العزلة، ولسنوات طويلة قضى أسابيع وهو يعيش كناسك في كهف بغار حراء. عندما وصل سن الأربعين اخترق الملك جبريل عزلته وطلب منه أن يتلو الآيات التي ستشكل في النهاية الكتاب المقدس الجديد "القرآن". بطبيعة الحال محمد اعتقد أنه فقد عقله وهرب، عاد ليسمع ما الذي يريد الملك أن يقوله فقط لأن زوجته وأصدقاءه المقربين أقنعوه أنه ربما الأمر يستحق رحلة عودة إلى الجبل، فقط للتحقق إن كان الله فعلا يحاول أن يتواصل معه.

كان من السهل أن تعجب بالتالي؛ التاجر الذي حول نفسه إلى رسول الله، من السهل أن تتعاطف مع اضطهاده، وأن تحترم تطوره السريع نحو أن يكون مشرع مبجل، وحاكم مقتدر، وقائد عسكري ماهر. روح القرآن، والنظام القيمي الذي يقره كان في جوهره هو التشريع المتلاشي للنظام الأموي، مجتمع أكثر اهتماما، لا يترك الأيتام خارج البيوت في البرد، الأيتام مثل محمد؛ الذي جعله نجاحه كتاجر يعتقد أن عليه أن يحصل على مكان في النظام الحاكم للمدينة، والذي تم رفض ارتقاءه هذا لأنه لم يكن يملك عائلة قوية لتحارب من أجله.

كانت هناك مفارقة مدهشة: العقيدة المحافظة أساسا، والتي تنظر خلفها بإعجاب نحو ثقافة متلاشية، تصبح فكرة ثورية، لأن الناس المنجذبين لها بشكل قوي كانوا هؤلاء المهمشين بسبب التحضير – الفقراء الساخطين، حشود الشوارع، ربما بسبب هذا فالإسلام - هذه الفكرة الجديدة - بدا مهددا جدا للصفوة المكية، وهذا هو السبب في أنه اضطهد بقسوة شديدة، وسبب أن مؤسسه ربما – فقط ربما – عرضت عليه صفقة جذابة صممت لرشوته.

التسجيل التاريخي ليس مكتملا، ولكن معظم التجميعات الرئيسية للأحاديث أو القصص التي تخص حياة النبي – تلك التي جمعت بواسطة ابن اسحق، الواقدي، ابن سعد، والطبري – تستعيد حادثة ستعرف فيما بعد على أنها حادثة "الآيات الشيطانية"[7]. النبي نزل من الجبل في يوم ما وتلا آيات من السورة (أو الفصل) التي ستصبح سورة رقم [8]53،. وكانت تحتوي على هذه الكلمات: "أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى". في لحظة تالية – هل هي أيام أم أسابيع أم شهور – عاد محمد إلى الجبل ونزل، خجلانا، ليعلن أنه خدع في الزيارة السابقة: الشيطان ظهر له متنكرا في صورة رئيس ملائكة، والآيات التي أوحيت له لم تكن بالتالي إلهية بل شيطانية، ولا بد أن تحذف فورا من القرآن. رئيس الملائكة بسبب هذا أوحى بآيات جديدة من الله، حتى تحل محل "الآيات الشيطانية" في الكتاب العظيم: "أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذن قسمة ضيزي، إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان".

وبهذه الطريقة تمت تنقية التلاوة من عمل الشيطان. ولكن يبقى السؤال: لم قبل محمد في البداية هذا الوحي "الزائف" الأول على أنه حقيقة؟ وما الذي حدث لمكة أثناء الفترة ما بين الوحيين، الشيطاني والملائكي؟ هذا الأمر عرف هكذا: محمد أراد أن يُقبل عن طريق أهل مكة: "فكان يتمنى هداهم" هكذا كتب ابن اسحق[9]. وعندما سمع المكيون أنه اعترف بالإلهات الثلاث: "سروا وابتهجوا بشكل عظيم". لم إذن تراجع النبي؟ المؤرخون العربيون (الأكاديمي الأسكتلندي المختص بالإسلام و. مونتجومري وات، والماركسي الفرنسي ماكسيم رودينسون) قدما قراءة محملة سياسيا لهذه القصة؛ معابد الإلهات الثلاث كانت مهمة اقتصاديا بالنسبة للنخبة الحاكمة للمدينة، النخبة التي استبعد منها محمد – بشكل غير عادل في رأيه - لذا فربما يكون هناك اتفاق تم عرضه ليتم شيئا كهذا: إن وافق محمد أو رئيس الملائكة جبريل أو الله، على أن الإلهات يمكن عبادتهن عن طريق أتباع الإسلام – لا كمساوين لله بالطبع ولكن كموجودات ثانوية وأقل منه، مثلا كالملائكة، فهناك بالفعل ملائكة في الإسلام، إذن ما المشكلة في أن نضيف إليهم ثلاثة آخرين، صادف وكانوا رموزا ذوات شعبية ومربحين في مكة؟ - بالتالي فاضطهاد المسلمين سيتوقف، ومحمد نفسه سيتم منحه مكانا في مجلس المدينة الحاكم. وربما رضخ النبي لوقت قصير لهذا الإغراء.

إذن ما الذي حدث؟ هل تملص نبلاء المدينة من الاتفاق، معتقدين أن محمد بمغازلته للشرك قد أنقص من نفسه في عيون أتباعه؟ هل الأتباع رفضوا قبول الوحي المتعلق بالإلهات؟ هل محمد نفسه ندم على الانتقاص من أفكاره عن طريق الاستسلام لنداء التقبل الصارخ؟

من المستحيل التصريح بشيء بشكل أكيد، ولكن القرآن تحدث عن كيف تم اختبار كل الأنبياء عن طريق الإغراء: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته". هكذا تقول السورة 22[10]. ولو كانت حادثة "الآيات الشيطانية" تلك هي الإغراء بالنسبة لمحمد، فيجب أن نقول إنه خرج منها بشكل جيد؛ هو اعترف بأنه تم إغراءه وتنصل من هذا الإغراء، الطبري يقتبس منه قائلا: "افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل"[11]. بعد ذلك، توحيد الإسلام أصبح قويا ولا يهتز، خلال الاضطهاد والمنفى والحرب وقبل أن يصل النبي للنصر على أعداءه والعقيدة الجديدة تنتشر كالنار المحرقة حول العالم.

فكر، ستكون قصة جيدة، عندما قرأ عنها في كامبريدج. ففي وقتها كان يحلم بأن يصبح كاتبا، وخزن القصة في خلفية عقله للاستخدام المستقبلي، وبعد ذلك بثلاثة وعشرين عاما، سيجد بالضبط كيف هي قصة جيدة.


1984

كانت هناك رواية تنمو بداخله، ولكن طبيعتها الدقيقة كانت تتهرب منه. ستكون كتابا كبيرا، كان يعرف هذا، تتحرك باتساع بين المكان والزمان. كتاب رحلات، هذا كان يبدو صحيحا، هو تعامل - كما أنه يعرف كيف يتعامل - مع العوالم التي أتى منها. الآن كان يحتاج أن يصل هذه العوالم بالعالم المختلف تماما الذي صنعه بحياته، هو بدأ يعتقد أن هذا - وليس فقط الهند أو باكستان أو السياسة أو الواقعية السحرية - هو ما سيكون موضوعه الحقيقي، هذا الموضوع الذي سيهتم به لبقية حياته المهنية، السؤال العظيم عن "كيف يجتمع العالم؟" – ليس فقط كيف يصب الشرق في الغرب، أو الغرب في الشرق، ولكن كيف يشكل الماضي الحاضر مثلما يغير الحاضر فهمنا عن الماضي، وكيف يتسرب العالم المتخيل، موضع الأحلام والفن والابتكار والإيمان أحيانا ليتجاوز الحد الذي يفصل بينه وبين المكان "الواقعي" الذي يعتقد البشر خطأ أنهم يعيشون فيه.

هذا هو ما لدينا: مجموعة من المهاجرين، أو لنستخدم المصطلح البريطاني "الوافدين"، من الهند وباكستان وبنجلاديش، ومن خلال رحلاتهم الشخصية، يمكنه أن يستكشف الاجتماع وأيضا الانفصال الموجود هنا وهناك، الآن ولاحقا، في الواقع والأحلام. هو لديه بداية شخصية تدعى "صلاح الدين شامشاوالا"، يتم أنجلزته إلى "سالادين شامشا" (Saladin Chamcha)، الذي لديه علاقة متوترة مع والده ويعود إلى الثقافة الإنجليزية. شامشا سيكون بورتريه لرجل مجتث، يهرب من أبيه ومن بلده، من الثقافة الهندية ذاتها نحو الإنجليزية التي لا تسمح له بأن يندمج فيها تماما، ممثل بأصوات مختلفة وهو يؤدي جيدا طالما ظل غير مرئي، يؤدي في الراديو أو في التلفزيون فقط بالصوت، رجل وجهه – رغم ولعه بالثقافة الإنجليزية – يمثل "لونا خاطئا بالنسبة لتلفزيوناتهم الملونة".

وشامشا المضاد... حسنا، ملاك ساقط. في عام 1982، تعرض الممثل آميتاب باتشان - النجم الأكبر في سينما بومباي - لإصابة شبه مميتة في طحاله أثناء تصوير مشاهد الحركة في فيلمه ببانجالور. في الشهور اللاحقة كانت أخبار تمريضه تتصدر الصفحات الأولى من الأخبار اليومية، عندما كان مستلقيا أقرب للموت، حبس البلد أنفاسه، وعندما قام مرة أخرى، التأثير كان أقرب لقيامة المسيح. هناك ممثلون في جنوب الهند حصلوا على وضع أشبه بالآلهة لأنهم يمثلون أدوار الآلهة في أفلام تدعى "أفلام الأساطير"، باتشان أصبح نصف إله حتى بدون مثل هذه المهنة. ولكن ماذا لو نادى هذا الممثل الإله - وهو يعاني من هذه الإصابة البشعة - إلهه في ساعة احتياج ولم يجد ردا؟ ماذا لو - كنتيجة لهذا الصمت الإلهي المروع - بدأ مثل هذا الشخص يتساءل أو حتى يفقد إيمانه الذي حافظ عليه؟ هل من الممكن، في مثل هذه الأزمة الروحية، أن يفقد عقله أيضا؟ وهل من الممكن وسط جنونه أن يهرب بشكل ما حول العالم متناسيا أنه عندما تهرب لا يمكنك أن تترك نفسك خلفك؟ بماذا يمكن أن يسمى هذا النجم الساقط؟ الاسم وصله فورا، وكأنه ينتظره ليصل إليه؛ جبريل. الملاك جبريل، جبريل فاريشتا. جبريل وشامشا: روحان تائهان في المتصل الزماني المكاني الذي بلا سقف المتعلق بالمتشردين. سيكونان بطليه.

الرحلات تضاعفت. هنا كان جزءا من مكان مختلف تماما. في فبراير 1983، 38 مسلما شيعيا، أتباع امرأة شابة تدعى نسيم فاطمة، اقتنعوا عن طريقها بأن الله سيشق مياه بحر العرب وفقا لأمرها، فيكون بإمكانهم أن يحجوا عن طريق المحيط من كراتشي لمدينة كربلاء المقدسة في العراق، تبعوها في الماء، والعديد منهم غرق. الجزء الأعجب في أمر الحادث هو أن بعض الناجين زعموا، على الرغم من كل الدلائل التي تثبت العكس، أنهم شهدوا المعجزة.

هو كان يفكر في هذه القصة لأكثر من عام الآن. هو لم يرد أن يكتب عن باكستان، أو عن الشيعة، لذلك أصبح المؤمنان في مخيلته سنيا وهنديا. وبالنسبة للسنة فهم يريدون أن يذهبوا إلى مكة لا كربلاء، ولكن فكرة شق البحر ظلت في قلب القصة.

أجزاء أخرى تزاحمت، معظمها كانت عن "المدينة المرئية وغير المرئية"، وافدو لندن في عصر تاتشر. مجاورات لندن في ساوثول، في غرب لندن وبريك لين في اتجاه الشرق، حيث يعيش الوافدون الآسيويون، مختلطين ببريكستون، جنوب النهر، ليشكل حي بريكول متخيل بوسط لندن، وفيه عائلة مسلمة من أبوين أرثوذوكسيين وبنات مراهقات متمردات يديرون مقهى شاندار، اسمه متنكر بأُردية خفيفة عن المطعم الرائع الحقيقي بساوثول. في هذا الحي مشاكل عنصرية كانت تختمر، وربما عن قريب فالشوارع سوف تحترق.

تذكر أنه كان يستمع لسياسي هندي على التلفزيون يتحدث عن رئيسة الوزراء البريطانية "السيدة تورتشر[12]" ظل يقول: "السيدة مارجريت تورتشر" هذا كان طريفا بشكل كبير، حتى، أو ربما لأن مارجريت تاتشر لم تكن معذبة. إن حدث وكانت هناك رواية عن لندن السيدة ت، فربما تكون هناك مساحة – مساحة كوميدية – للتنويع على اسمها.

كتب في دفتره: "كيف يدخل التجديد إلى العالم؟".

كتب: "فعل الهجرة، يضع في الأزمة كل شيء عن الفرد أو المجموعة المهاجرة، كل شيء عن الهوية والذات والثقافة والاعتقاد. لذلك فإذا كانت هذه الرواية عن الهجرة فيجب أن تكون عن فعل التساؤل. يجب أن تمارس الأزمة التي تصفها".

وكتب: "الآيات الشيطانية".

الكتاب استغرق أكثر من أربع سنوات ليكتبه، بعد ذلك، عندما حاول الناس أن يختصروه لـ"إهانة"، أراد أن يرد: "أستطيع أن أهين الناس بشكل أسرع من هذا". ولكنه لم يستطع الانتصار على خصومه بغرابة أن كاتب جاد سيستغرق عُشْر حياته يكتب إهانة، وذلك لأنهم رفضوا أن يتعاملوا معه ككاتب جاد، فمن أجل مهاجمته هو وعمله، كان عليهم أن يصفوه كشخص شرير، خائن مرتد، باحث بلا مباديء عن الشهرة والثروة، انتهازي "هاجم الإسلام" من أجل مصلحته الشخصية، هذا ما كانت تعنيه هذه الجملة التي تكررت كثيرا: "هو قام بذلك لغرض". حسنا، بالطبع هو قام بذلك لغرض، كيف يكتب المرء ربع مليون كلمة بالصدفة؟ المشكلة، كما قال بيل كلينتون تقريبا، هي ما يعنيه المرء بـ "ذلك".

الحقيقة الساخرة كانت في أنه بعد روايتين تعاملتا بشكل مباشر مع التاريخ العام لشبه القارة الهندية، هو كان يرى الكتاب الجديد بالأحرى كاستكشاف شخصي؛ المحاولة الأولى لصنع عالم من خلال خبرته الشخصية عن الهجرة والانمساخ، بالنسبة له كان الأقل سياسية في الكتب الثلاثة، والمادة التي استخلصها من القصة الأصلية للإسلام كانت - كما كان يعتقد - تحترم بشكل أساسي نبي الإسلام، حتى أنها تعجب به، إنها عاملته كما كان يقول دوما أنه يريد أن يُعامَل، لا كرمز إلهي (مثلما عند المسيحيين "ابن الله") ولكن كرجل (الرسول)؛ إنها أظهرته كرجل عصره، تَشكّل من عصره، وكقائد كان معرضا للإغراء وقادر على الانتصار عليه. "أي نوع من الأفكار أنت؟" تسأل الرواية الدين الجديد، واقترحت أن أي فكرة ترفض أن تلتوي أو تخضع للتسويات ستتدمر ككل شبيهاتها، ولكنها تقر بذلك، أن في أحوال نادرة جدا، هذه الأفكار تصبح هي التي تغير العالم. نبيّه أغري بالتسويات، ولكنه رفضها، وفكرته غير الملتوية أصبحت أقوى بما يكفي لتلوي التاريخ وفقا لرغبته.

عندما اتهم لأول مرة بأنه مسيء، كان مندهشا بحق، هو اعتقد أنه صنع تعاملا فنيا مع ظاهرة الوحي - تعامل من وجهة نظر غير مؤمن بالفعل، ولكنه تعامل خلاق مع ذلك. كيف يمكن أن نعتقد أن هذا مسيء؟ السنوات الحساسة الموسومة بسياسة الهوية الغاضبة التي تلت علمته - وعلمت كل شخص آخر- الإجابة على هذا السؤال.


1988

النسخة الإنجليزية من "آيات شيطانية" صدرت يوم الإثنين، 26 سبتمبر 1988، ولأوقات قصيرة هذا الخريف، أصبح الإصدار حدثا أدبيا. تمت مناقشته في لغة الكتاب، هل كان جيدا، هل كان مثلما قالت عنه فيكتوريا جليندينينج في لندن تايمز "أفضل من (أطفال منتصف الليل) لأنه متماسك أكثر، ولكن فقط بطريقة تماسك شلالات نياجرا". أو آنجيلا كارتر في الجارديان: "ملحمة تم عمل ثقوب فيها لتسمح للرؤى... رواية معاصرة مزدحمة، ممتلئة، أحيانا عجيبة ورائعة"؟. أو هل كانت مثلما كتبت كلير توملين في الإندبندنت: "عجلة لن تتحرك"، أو رأي هرميون لي الأكثر حدة في الأوبزرفر، إنها رواية "تهبط بجناحين منصهرين نحو عدم المقروئية". كم هي واسعة العضوية في نادي صفحة 15 الملفق الذي يضم القراء الذين لم يستطيعوا تجاوز هذه النقطة من الكتاب؟

في وقت قريب بما يكفي، لغة الأدب ستغرق في نشاز الخطابات الأخرى – السياسية، الدينية، الاجتماعية، ما بعد الاستعمارية – وموضوع الجودة أو الغرض الفني سيبدو غالبا بلا جدوى. الكتاب الذي كتبه سيتلاشى وسيحل محله كتاب موجود بالكاد، فيه يشير رشدي إلى النبي وصحابته على أنهم "حثالة ووسخين". (هو لم يفعل ذلك، رغم أنه سمح للشخصيات التي تضطهد صحابة النبي المتخيل لاستخدام لغة مهينة)، وأطلق على زوجات النبي عاهرات (هو لم يفعل – على الرغم من أن العاهرات في بيت الدعارة في مدينته المتخيلة "جاهلية" يستخدمن أسماء زوجات النبي لإثارة الزبائن، الزوجات أنفسهن موصوفات بوضوح على أنهن يعشن حياة طاهرة في الحريم). الرواية غير الموجودة هي الرواية التي سيتوجه غضب الإسلام ضدها، وبعد ذلك فناس قلائل أرادوا أن يتحدثوا عن الكتاب الحقيقي، غالبا ليتفقوا مع تقييم هرميون لي السلبي.

عندما سأله أصدقاؤه كيف يمكنهم المساعدة، توسل قائلا: "دافعوا عن النص". الهجوم كان محددا جدا، في حين أن الدفاع كان عموميا جدا، يعتمد على المبدأ القوي المتعلق بحرية التعبير. هو تمني، وشعر أنه يحتاج، دفاعا محددا بشكل أكبر، مثل تلك الدفاعات التي قامت في حال الكتب المنتقدة الأخرى، مثل "عشيق ليدي تشاترلي"، "يوليسيس"، أو "لوليتا" – لأن هذا كان هجوما عنيفا، ليس على الرواية بشكل عام أو على حرية التعبير نفسها، ولكن على التجميع المعين للكلمات، على مقاصد ونزاهة وإمكانية الكاتب الذي وضع هذه الكلمات معا. "لقد فعل ذلك من أجل المال. فعل ذلك من أجل الشهرة. اليهود جعلوه يفعل ذلك. لا أحد كان سيشتري هذا الكتاب غير المقروء لو لم يذم الإسلام". هذه هي كانت طبيعة الهجوم، ولمدة سنوات "الآيات الشيطانية" لم يسمح لها بأن تعيش الحياة الطبيعية للرواية، أصبحت شيئا أصغر وأقبح: إساءة وهو أصبح المسيء، ليس فقط في عين المسلمين، ولكن في رأي العامة على المستوى الكبير.

ولكن لأسابيع قليلة في خريف 1988 كان الكتاب لا يزال "مجرد رواية"، وهو كان لا يزال نفسه. "الآيات الشيطانية" دخلت القائمة القصيرة لجائزة البوكر، مع روايات لبيتر كاري، بروس شاتوين، مارينا وارنر، ديفيد لودج، وبينلوب فيتزجيرالد. بعد ذلك، يوم الخميس 6 أكتوبر، صديقه سلمان حيدر، الذي كان نائب المندوب السامي الهندي في لندن، اتصل ليخبره رسميا أن كتابه تم حظره في الهند؛ الكتاب لم يتم فحصه عن طريق أي مؤسسة رسمية ذات صلة، ولا كان هناك أي ملمح لعملية قضائية، الحظر كان سببه - وهذا أمر مشكوك فيه - هو وزارة المالية، وفقا لمادة 11 من قانون الجمارك، التي تمنع الكتاب من أن يستورد. وزارة المالية صرحت بشكل غريب بأن الحظر "لا ينتقص من القيمة الأدبية والفنية" لعمله. فكر قائلا: شكرا جزيلا. في 10 أكتوبر، تم تلقي أول تهديد بالقتل في مكاتب ناشره، فايكنج بنجوين بلندن، في اليوم التالي، ألغيت جلسة قراءة في كامبريدج من قبل المكان المنظم، بسبب أنهم تلقوا تهديدات أيضا.

انتهى العام بشكل سيء. كانت هناك مظاهرة ضد "الآيات الشيطانية" في بولتون، في شمال غرب إنجلترا، حيث حُرق الكتاب في الثاني من ديسمبر. في الثالث من ديسمبر تلقت كلاريسا أول مكالمة تهديد. في الرابع من ديسمبر كانت هناك مكالمة أخرى، صوت قال: "سوف نصل لك الليلة يا سلمان رشدي، في رقم 60 من طريق بورما". هذا كان عنوان بيتها. اتصلت بالبوليس، والضباط ظلوا في المنزل طوال الليل، ولم يحدث شيء. التوتر صعد إلى مستوى آخر، في الثامن والعشرين من ديسمبر، كانت هناك تهديد بزرع قنبلة في فايكينج بنجوين. ثم كان عام 1989، العام الذي تغير فيه العالم.





[1]  المدارس العامة في بريطانيا، هي مدارس غالية المصاريف وتقبل طلاب محددين، غالبا ينضمون بعد ذلك للنخبة والطبقة الحاكمة.
[2]  The Birds فيلم المخرج الأمريكي ألفريد هيتشكوك، أنتج عام 1963
[3]  دولة بأمريكا الجنوبية
[4]  Tripos مناهج درجة علمية بجامعة كامبريدج
[5]  المقصود الفترة التي تلت الحرب الأهلية الأمريكية، والتي امتدت من 1865 حتى 1877.
[6]  معنى كلمة "يهوه" أحد أسماء الله في العهد القديم.
[7]  وهي المعروفة في الثقافة العربية بقصة الغرانيق.
[8]  سورة النجم
[9]  كتب سلمان رشدي: “He longed for a way to attract them”، ولم أجد في نسخ كتاب "السيرة النبوية" لابن اسحق المتاحة على الإنترنت جملة تقترب من تعبير رشدي، ولكني وجدت الجملة المذكورة في سياق تفسير ابن كثير لسورة الحج، وفيه يتحدث عن قصة الغرانيق، رواة القصة عند ابن كثير مذكورون كالتالي: "قال ابن أبي حاتم، حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن اسحق الشيبي، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى ابن عقبة عن ابن شهاب".
 [10] سورة الحج
[11]  كتب رشدي: "I have fabricated things against God and have imputed to him word whuch He has not spoken” والجملة مأخوذة من كتاب "تاريخ الأمم والملوك" للطبري مثلما هي مكتوبة في الترجمة.
[12]  بدلا من قول الاسم الصحيح Mrs. Thatcher يقول Mrs. Torture وكلمة Toture تعني التعذيب.