2013-01-27

"عندما كتب بيكيت (في انتظار جودو) لم يكن يعرف الكثير عن المسرح"


حوار التليجراف مع آنا مكمولان*

حوار: ديزي بوي-سيل

ترجمة: أمير زكي
يناير 2013

بمناسبة مرور 60 عاما على العرض المسرحي الأول لـ "في انتظار جودو"

* آنا ماكمولان؛ أستاذة المسرح بجامعة ريدينج

***

مع بلوغ "في انتظار جودو" عامها الستين، تشرح المتخصصة ببيكيت آنا مكمولان لم تظل المسرحية جذابة.

مسرحية صمويل بيكيت "في انتظار جودو" عرضت لأول مرة بالفرنسية بمسرح صغير في الضفة الشمالية من باريس بمسرح "دي بابيلون" من ستين عاما، في الخامس من يناير عام 1953.

من ساعتها أصبحت واحدة من أهم وأشهر المسرحيات في القرنين العشرين والحادي والعشرين، وعرضت مرات لا نهائية في العالم كله، المختصة بصمويل بيكيت آنا مكمولان تجيب عن بعض الأسئلة عن هذا العمل الأصيل:

ما هي أهم العروض لـ "في انتظار جودو"؟

كما هو واضح هناك عرض روجر بلين في باريس. عدد من النقاد الفرنسيين الذين شاهدوه قالوا: "نحن لم نر أبد شيئا كهذا، هذا ليس المسرح نفسه الذي نعرفه".

وهناك بالطبع عرض بيتر هول (الذي كان في عمر الرابعة والعشرين ساعتها) والذي أخرج العرض الإنجليزي الأول بعده بعامين، عام 1955، في مسرح الفنون بندن. الناقد المسرحي كينيث تينان قال إنه غيّر قواعد المسرح.

النقاد البريطانيون كانوا مرتبكين في البداية من المسرحية أكثر من الفرنسيين الذين شهدوا أنواع مشابهة من الدراما الوجودية. ولكن بعد ذلك فتينان وعدد من النقاد البارزين بدأوا يكتبون عن المسرحية. من الصعب التذكر الآن، ولكن شيئا مثل هذا لم يُرى من قبل. المسرحية بدأت بتغيير الطريقة التي يفكر بها الناس عن المسرح.

عرض بيكيت نفسه كان مهما أيضا؛ أخرجها بمسرح شيلر في برلين عام 1975. العرض سافر عالميا ووصف بأنه عرض باليهي للغاية. اهتم بيكيت بشكل كبير بالملابس والتصميمات. شوهد العرض كنسخة صارمة، ولكن هذا لا يعني أنه ليس بإمكاننا إعادة تفسير المسرحية.

العلاقة بين شخصيتي بوتسو ولاكي يمكنها أن تكون مربكة جدا؛ إنها علاقة قمع واعتماد يمكنها أن تقود المسرحية لأن تُفَسَّر في عدد من مواقف الصراع في العالم كجنوب أفريقيا وساراييفو – التفسير الأخير كان بعرض سوزان سونتاج تحت الحصار[1].

هل صنع بيكيت العديد من التغييرات في المسرحية بعدما عرضت لأول مرة؟

نعم، هو صنع العديد من التغييرات، عندما كتبها لأول مرة لم يكن يعرف الكثير عن المسرح، هو كان يحضر المسرحيات وهو شاب، وبعض أصدقائه كانوا يعملون في المسرح، ولكنه تعلم صنعة المسرح عندما حضر بروفات مسرحياته في الخمسينيات.

في الستينيات بدأ يخرج مسرحياته وهنا يمكنك أن تبدأ برؤية بيكيت وهو يكتب حقا للإخراج المسرحي، هو بالفعل أعاد كتابة أجزاء من "جودو" وأضاف العديد من الشروحات أثناء البروفات بمسرح شيلر – الأصول لا تزال موجودة.

إذن فهل كل النسخ ملحق بها هذه التغييرات؟

في الحقيقة ليست كل النسخ، وهناك جدل مثير عن ما هي النسخة التامة حقا.

"فيبر آند فيبر" نشرت مجموعة من المفكرات التي احتفظ بها بيكيت عندما كان يخرج عددا من مسرحياته، ففي النهاية المسرحية هي نفسها – صعلوكان ينتظران جودو – ولكن هذه المفكرات تتضمن نصا مُرَاجَعا، وأي شخص يخرج المسرحية يمكنه أن يطلع على النص المنشور ويستعين بهذه المفكرات أيضا.

ولكنه كان كاتبا ومخرجا دقيقا تماما، وهو لم يكن يحب حقا أن يغير الناس في النص ببساطة.

ما هو المهم في عروض "في انتظار جودو"؟

هناك العديد من الأشياء؛ شخصيتا فلاديمير واستراجون جذبتا عددا من الشراكات التمثيلية؛ هذا يتضمن ريك مايال وآدريان إدمنسون، ستيف مارتين وروبين ويليامز. شاهدت عرضا من جوهانسبرج عندما سافر إلى لندن كان النجمان فيه هما جون كاني وونستون نتشونا، وكانت هذه عروض رائعة للغاية.مؤخرا إيان مكلين وباتريك ستيوارت أديا الدورين في مسرح وست إند. بيكيت الآن مثل شكسبير، هذه الأدوار يتهافت عليها الممثلون.

المسرحية أربكت الكثيرين: ما الذي تحاول أن تقوله في اعتقادك؟

يمكننا أن نتحدث إلى الأبد عن معناها، ولكني في الحقيقة أعتقد، مثل بيكيت، إنها عن اختبار المسرحية، أنت تذهب وتجلس على مقعدك بالمسرح وتمتص ما يحدث، الشخصيات في مواجهتك تنتظر وبينما ينتظرون نشاركهم الزمن نفسه والمكان نفسه ونشاهد بشر وهم يتفاعلون على المسرح. نشاهد هذه اللحظات من اللطف وتلك اللحظات من القسوة وأعتقد إنها بالفعل تعرض لنا الحقائق الأساسية للوجود الإنساني.


[1] أخرجت الكاتب الأمريكية سوزان سونتاج مسرحية "في انتظار جودو" وعرضتها في ساراييفو عام 1993 أثناء حصار الصرب للمدينة

2013-01-07

الظلمة في قصة "عربي" لجيمس جويس


الظلمة في قصة "عربي" لجيمس جويس
مقال لـ كريس باور
عن الجارديان 20/12/2012

ترجمة: أمير زكي
يناير 2013

***

في هذه القصة القصيرة، هناك رحلة ليلية لشاب صغير إلى سوق منعزل تحدد نهاية طفولة هانئة.

قصة جيمس جويس القصيرة "عربي" تظهر لنا "دبلنيون" وهي تطأ مستنقع المراهقة، جويس يضيء بشكل خافت هذه الأرضية النفسية، ويحيطها من كل جوانبها بظلمة كئيبة. عندما تبدأ القصة، يكون صيف الطفولة قد مر، ونهارات الشتاء القصيرة قد قدمت: "فضاء المساء فوقنا كان باللون البنفسجي المتحرك، وتجاهه تنتصب أعمدة الإنارة في الشارع رافعة المصابيح الخافتة".

يعيش الصبي مع عمه وعمته في شارع ذو اتجاه واحد– شارع "سد" يوحي به جويس عن جهل ساذج بالعالم الأوسع – وهو واقع في حب أخت صديقه مانجان. كونه مراهقا، ويتعلم على يد الأخوية المسيحية، جعل مشاعر انجذاب الصبي مرتبكة ومضطربة ومؤلمة:

"كثيرا ما كانت عيناي تمتلئان بالدموع (لم أعرف لماذا)... لم أعرف إن كنت سأكلمها أم لا، وإن كلمتها، كيف يمكنني إخبارها بإعجابي المضطرب. ولكن جسدي كان مثل القيثارة وكلماتها وإيماءاتها كانت مثل الأصابع التي تجري على الأوتار".

عندما لاحظت أخت مانجان الصبي أخيرا، كانت تلمع من وسط الظلام المحيط، "الضوء الصادر من المصباح المواجه للباب انعكس على انحناءة رقبتها البيضاء، أضاء شعرها الساقط الملقى هناك، وأضاء اليد المتكئة على الدرابزين". تقول إنها لا تستطيع أن تذهب لسوق "عربي" ويعدها الصبي إنه لو فعل سيحضر لها شيئا من هناك. يسأل عمه إنه كان يستطيع أن يذهب السبت القادم. في هذا اليوم سيعود العم متأخرا، وسيكون ذلك بعد التاسعة حين يرحل الصبي ليعبر المدينة المظلمة. اختياره لوقت غير مناسب للأطفال ملحوظ، فالرحلة ستقود الصبي من الطفولة نحو الرشد. تلك التي يصفها جويس كانتقال من الأمل الممتد إلى الإحباط الممتد.

كنت في السادسة عشر عندما قرأت "عربي" لأول مرة، وفي خريف هذا اليوم دخلت، في هذا الوقت، في أسوأ مشكلة صادفتها. الشرطة اتصلت بأبواي، وأبواي بغضب تبعوني وأمروني بالعودة للبيت. كنت في قطار قشاش وبعيد جدا، وبعد امتداد هذه الرحلة غير المنتهية والقلقة، أقبل الليل. من ساعتها أفكر دوما في ذلك عندما أقرأ عن الصبي الذي يرحل إلى "عربي" في "قطار منعزل" "يسير وسط البيوت المهدومة، وعلى النهر المتلأليء. كل من الرحلتين انتقلتا من الطفولة الهانئة إلى فضاء أكثر خطورة، كما يشرح هيو كينار: نحو "ذل فارغ ذو أصداء". بمصطلحات رمزية، كل من الرحلتين لم يكن سيساعدهما كثيرا ضوء النهار.

عندما وصل الصبي إلى مقصده، كانت معظم المحلات مغلقة. "المساحة الأعظم من الساحة كانت مظلمة، كنت ألاحظ ظلمة مثل تلك تسود الكنيسة بعد الخدمة". هنا في الأرضية المظلمة للسوق الرث، قصة جويس أصبحت ترتيلة. شاهد الصبي فتاة شابة يغازلها رجلان، وهذا المناخ الجنسي لتبادلهم المغازلات أربكه. عندما توجهت لتسأله عن طلبه ممتعضة أخبرها أنه لا يريد شيئا. وبينما يغادر السوق، خالي الوفاض وإن امتلك معرفة جديدة ومريرة، سمع صوتا "يصيح من أحد أركان المعرض بأن الضوء سينطفيء، الجزء الأعلى من الساحة مظلم تماما الآن".

نحن نحضر مرور طفولة السارد؛ إنها الضوء الذي يتقلص من حوله. يخبرنا: محدقا في الظلمة، رأيت نفسي كمخلوق تم اقتياده والهزء منه بواسطة التوافه، اشتعلت عيني بالألم والغضب". هنا تنتهي القصة، ونجد أنفسنا نلقى إلى بدايتها، التي تحمل لنا حضور الموت في "الحدائق المظلمة المنداة، حيث ترتفع الروائح من جوامع الرماد".

في المساء، انتقل السارد من كونه صبيا بريئا يلعب في الضوء الأخير للطفولة، إلى شاب متألم استوعب ان النضج ليس إدراك وعد الطفولة، ولكن فقدانه. هذا تعميد نمطي عند جويس، واحدة من تلك اللحظات الصغيرة الحاسمة التي لا تكون الحياة فيها هي ذاتها فيما بعد. إنه أمر يستخدم كثيرا كتأثير أدبي، وإن كنا ننسى كيف يمثل بالضبط  الطريقة التي نختبر بها التغيير، كما هو حقيقي بالنسبة لي في حالة هذه الليلة الخريفية من عشرين عاما. إلى مدى ما هذه هي نتيجة الطريقة التي نشكل بها ذكرياتنا، ننسقها أثناء استمرارنا في نفس الوقت الذي ننسى فيه كما مهولا من التفاصيل. بالضبط كسارد "عربي"، شاب يكبر ويتذكر ليلة واحدة يختلط فيها الازدراء واللطف، ما نعود لننظر إليه هو تسلسل هذه اللحظات الدالة، الخيط الرفيع الذي يتتبع طريقنا نحو الاتساع المُظًلًل.