2013-11-24

الحوار الأخير لدوريس ليسينج مع جريدة التليجراف

الحوار الأخير لدوريس ليسينج مع جريدة التليجراف

حوار نيجيل فارنيجيل

ترجمة أمير زكي
نوفمبر 2013


***

عندما قابل نيجيل فارنديل دوريس ليسينج في أبريل 2008، وهي في عمر الثامنة والثمانين، وجدها ما تزال غاضبة؛ من الشيوعيين، والسيدة تاتشر، و"السويديين الملعونين" اللذين قدموا لها جائزة نوبل.


لا يستغرق الأمر مع دوريس ليسينج سوى أربع دقائق للتحدث عن شيء غير متوقع إن لم يكن جدليا بشكل كبير. تتحدث عن هتلر وتقول إنها تتفهمه، كعضوة سابقة في الحزب الشيوعي. (تركته عام 1956، العام الذي خطب فيه خروشوف في اجتماع الكونجرس العشرين، وأنكر فيه ستالين). عليّ أن أشرح أننا كنا نتحدث عن إريش ماريا ريمارك، مؤلف كتاب "كل شيء هاديء في الجبهة الغربية". كانت قد قرأت مؤخرا واحدا من كتبه، عن ثلاثة جنود ألمان عادوا – مثل هتلر – من الحرب العظمى ليجدوا الفوضى الاقتصادية في جمهورية فايمار. "رأوا الناس ينقلون العديد من الماركات في عربات يدوية، ولأنهم رفاق قدامى وقفوا بجانب بعضهم البعض. وأنت تقرأ هذا تتفهم هتلر فجأة".

هي بالطبع لا تتسامح مع هتلر، هي فقط تشرح شعبيته المبكرة. أذكر هنا تعليقها الذي يظهر شجاعتها المحببة مع اللغة؛ هي لا تهتم بما يمكن أن يفكر فيه الناس، لقد تجاوزت مرحلة الاهتمام، وهناك عظمة في تجاوز الاهتمام بالناس. على سبيل المثال كم هم عدد الناس الذين يبلغون الثامنة والثمانين ويصبحون ظاهرة عالمية على اليوتيوب؟ هي كانت كذلك في العام الماضي، عندما ذهبت الصحافة إلى المنزل الذي عاشت فيه الثلاثين سنة الماضية في ويست هامبستيد، المنزل الذي نجلس فيه الآن، حيث خرجت من تاكسي أسود مع ابنها بيتر، الذي للسخرية كان يرتدي وشاحا مطعما ببصل طازج حول رقبته، قيل لها إنها فازت بجائزة نوبل للأدب وطُلِب منها التعليق. كانت هذه أول مرة تسمع الخبر، إلا أنها لم تتأثر بشكل بطولي، قالت وهي تتجاهل الأسئلة: "يا يسوع المسيح"، مضيفة: "أنا لا يمكنني الاهتمام كثيرا.. لقد حصلت على كل الجوائز في أوروبا، كل جائزة لعينة".

كانت أكثر لطفا لاحقا، قالت كل الأشياء الطيبة، ولكن الآن عندما أسألها عن لحظة نوبل تعود وتقول "مَن هؤلاء الناس؟ إنهما مجموعة من السويديين الملعونين".

يقول بيتر: "إنهم يبيعون كميات كبيرة من الديناميت يا دوريس". جاء ليلقي التحية، مرتديا عازل الحرارة الخاص ببراد الشاي على رأسه، يعيش هنا، مصاب بالسكر. كانوا عائدين من المستشفى في يوم إعلان نوبل.

تقول: "بيتر ابني" وكانت إشارتها غير ضرورية.

يضيف بيتر: "ابنها الآخر مات". وهذا أيضا كان غير ضروريا. (ابنها الأكبر جون، مزارع في حقول البن في زيمبابوي. مات بأزمة قلبية عام 1992).

"لم ترتدي عازل البراد على رأسك يا بيتر؟"

"لأنني مصاب بالبرد يا دوريس".

يبدو أن الإجابة أرضتها. قالت: "فليكن" ثم عادت إليّ: "المسألة كلها نكتة. تدير جائزة نوبل مجموعة ذاتية مستديمة. يصوتون لأنفسهم ويجعلون صناع النشر في العالم يسيرون على نغمتهم. أعرف عدة أناس حصلوا على نوبل ولم يفعلوا شيئا لسنة سوى نوبل. وهذا يجلب لي ضيقات جديدة لي. بالأسفل هناك 500 شيئا عليّ أن أوقعه".

عندما توجهت للمنزل، كنت قد مررت بالفعل بالعديد من الكراتين في طريقي إلى السلم. كنت قد رأيت بيتر أيضا في نهاية الممر، يجلس على طاولة المطبخ ببيجامته، وبلا مبالاة ولا كلمات أشار بإبهامه إلى غرفة الجلوس، حيث وجدت أمه، طولها خمس أقدام، وبوجه لطيف ومجعد، محاط بخصلات شعر كانت تتهرب من تسريحتها.

بالمناسبة، كانت الغرفة تشبه كل شيء تأمل أن تراه في غرفة جلوس عملاق أدبي: كانت فوضوية بشكل رائع، كمتجر للسلع الرخيصة. قال أحدهم مرة إن ليسينج تبدو وكأنها تعسكر في منزلها. هناك أكوام من الكتب، بعضها مائلة وغير مستقرة، شكل للكرة الأرضية، صينية للعرض، أقنعة أفريقية، لوحات زيتية، أبسطة مطوية على الأرضية. تعيش هنا الآن، تنام على الكنبة الحمراء بسبب آلام ظهرها إذ تعاني من هشاشة العظام، هذا يجعل من الصعب عليها أن تنام على سرير. تشاركها على الكنبة قطة ضخمة تسميها ياميام، الاسم المتخذ من أوبرا ميكادو. تقول وهي تربت على قطتها: "يوما ما سأسقط على ياميام وسيكون عليهم أن يحملوني إلى المستشفى". ليسينج ذات عقل صاف، وصوت رائق، ولكنها تبدو كأنها تقضم الكلمات وتمضغها وتتحدث وهي تصر على أسنانها مثل كلير شورت[i]. هذا يضفى حتى على لحظات حديثها التافه جدية ما.

الكاتبة الأكثر إنتاجا وغير التقليدية كتبت رواية تزعم أنها ستكون الأخيرة (كتبت أكثر من خمسين كتابا وتقول إن "هذا كاف") النصف الأول من كتاب "ألفريد وإيميلي" هو رواية قصيرة عن كيف يمكن أن تتغير حياة والديها لو لم تكن الحرب العالمية الأولى قد اندلعت. النصف الثاني هو سيرة ذاتية عن والديها. كانت أمها ممرضة أثناء الحرب. تقول ليسينج: "كان قلبها دافئا ولكنها لم تكن حساسة. من المحتم أن تمريض المجروحين كان أشبه بالجحيم. يصلون بعربة لوري، وبعضهم مات فعليا. المحتم أن هذا مزقها، تقدير ذلك أخذ مني وقتا طويلا".

كان أبوها جنديا في معارك الخنادق. كادت الشظايا أن تقتله عام 1917. كان يرتدي قدما خشبية ويتذكر معركة باشانديل، المعركة التي قتل فيها بقية رفاقه. تقول ليسينج "كان أبي يتحدث عن الرجال الذين عرفهم وماتوا في معركة باشانديل حتى اليوم الذي مات فيه. كان يتساءل دوما إن كان من الأفضل أن يموت معهم، ولكن على الرغم من ذلك لم يجعل الإصابة تعيقه، كان يفعل كل شيء، أذكر أنني رأيته مرة ينزل إلى منجم صعب مستعينا ببرميل وقدمه الخشبية بالخارج تضرب في الجوانب الصخرية". مات في سن الثانية والستين. "كان من المفترض أن يُكتَب في شهادة وفاته أن سبب الموت هو الحرب العظمى".

تعتقد أن شخصيتها تربت على الحروب، عن طريق والديها. بدونها ربما لم تكن لتصير كاتبة، ولن يكون لديها ما قال جراهام جرين إنه يجب أن يكون لدى كل الكتاب: قطعة من الثلج في القلب. "حسنا، لقد فكرت كثيرا في هذا. لقد ولدت عقب الحرب العالمية الأولى، وغضب أبي من الخنادق سيطر عليّ عندما كنت صغيرة ولم يتركني أبدا. وكأن الحرب القديمة كانت في ذاكرتي ووعيي. أعطتني إحساس رهيب بالنذير، اعتقاد بأن الأشياء لا يمكن أن تكون عادية ومنظمة، إنها ملعونة دوما. جثمت الحرب العظمى على طفولتي. الخنادق كانت حاضرة أمامي أكثر من أي شيء أراه. ولم يفوت أبواي فرصة ليجعلوني أشعر بالبؤس من الماضي. أجد أن الحرب تثقل عليّ كلما كبرت. كيف كان من الممكن أن نسمح بهذه الحرب الوحشية؟ لم نظل نسمح بالحروب؟ نحن انزلقنا الآن في العراق في موقف مستحيل. سأكون سعيدة حينما أموت، هذا سيجعلني أتوقف عن القلق من كل هذه الحروب".

كان هذا تعليقا غريبا، أصدره صوت عايش هذه الأمور، وهو ذكرني بشيء كتبته في "ألفريد وإميلي": "يمكنك أن تكون مع أناس كبار ولا تتوقع أن كل مناحي الخبرة موجودة لديهم، خلف هذه الوجوه العادية". في حالة ليسينج لا يمكنك أن تخمن من عينيها الصغيرتين والطيبتين أنها كانت تكره أمها، توضح: "لقد كرهنا بعضنا. كنا نتشاجر من البداية، هي لم تخترني كابنة، لقد سَقَطَتُ عليها. من المؤكد أنني أغضبتها. ظنت أن كل شيء أفعله هو أنني أضايقها. كان لديها قدرة غير عادية على التوهم الذاتي".

هل ساعدها الكتاب على فهم أهلها أكثر، على أن تتعاطف معهم؟ "لأن أبي فقد قدما في الحرب، تصرف وكأنه الوحيد الذي له الحق في المعاناة، في حين أن أمي كانت تعاني أيضا؛ زعمت أن حبيبها الحقيقي غرق في سفينة، ولكني لم أكن متأكدة أبدا من ذلك، لأن الصورة الوحيدة التي كانت لديها له كانت من جريدة، هناك شيء زائف في هذا. لم ليس لديها صورة أفضل؟" بدأت ليسينج في احتقار أمها، نقطة التحول في علاقتهما بدأت عندما زعمت أمها أنها تعاني من أزمة قلبية. "جمعت أولادها وقالت: أمكم بائسة، أمكم بائسة جدا. كنت في السادسة وكرهتها بسبب ذلك. هذه المرأة تئن على سريرها وتشكو مرضها. كيف يمكن لممرضة أن تقول كلاما فارغا عن قلبها؟ من المفترض أن تعرف أنها نوبة قلق وليس أزمة قلبية، لقد اختلقت الأمر. ماتت أمي برضا من جلطة في السبعينيات من عمرها".

ولكنها لم تمت قبل أن تبدأ في إرسال خطابات إلى ابنتها لتتهمها فيها بأنها عاهرة. بعد فترة، ستمزق دوريس خطابات أمها لحظة وصولها وبدون أن تفتحها. في النهاية ستُجبَر على زيارة طبيب نفسي لبحث هذه العلاقة العجيبة. تقول ليسينج: "أبي وأمي لم يكن من المفترض أن يتزوجا، كان هو حالما جدا وجنسانيا، بينما كانت هي نشيطة جدا وماهرة وعنيدة. لم يفهما بعضهما أبدا. كانت تسخر دوما من الجنس، لم تكرهه، بقدر ما كانت تعتبره غير موجود. كانت تتحدث عن الجنس وكأن شخصا مزعجا مصابا بالبرد يضايقها".

ولدت ليسينج في فارس (كما كانت تسمى ساعتها) عام 1919، دوريس ماي تايلر (كما كانت تسمى ساعتها) نشأت في حقل ذرة في روديسيا المستعمرة (زيمبابوي الآن)، هاجر أبويها إلى هناك بعد الحرب. كانت تقرأ بشراهة: كانت تُرسل لها الكلاسيكيات الأدبية من ناد أدبي بلندن. ولكنها لم تكن طفلة سعيدة، وكانت تهرب من آن لآخر. كانت تراودها أيضا توهمات عن وزنها وبدأت حمية من زبدة الفول السوداني والطماطم، لم تأكل شيئا آخر لشهور، ونجح الأمر. تركت المنزل والمدرسة عندما كانت في الخامسة عشر وتزوجت فرانك ويسدام وهي في التاسعة عشر، الذي قابلته وهي تعمل ف سنترال في سالزبري. كان موظفا مدنيا أكبر منها بعشر سنوات. أنجبت طفلين وبدأت في القفز على - ما وصفته بشكل قوي - "جبال هيمالايا الضجر" بالنسبة لأم شابة.

عام 1945، في عمر السادسة والعشرين، هجرت أسرتها وتزوجت من جوتفريد ليسينج، شيوعي وكان عنصرا أساسيا في نادي الكتب اليساري. طلقا بعضهما بعد أربع سنوات، عام 1949. ظلت محتفظة باسم زوجها الثاني، هذا الذي يبدو شيئا غريبا على امرأة نسوية، ولكن ليسينج لم تكن أبدا نسوية تقليدية. لم تكن تقليدية على الإطلاق.

هاجرت إلى إنجلترا مع بيتر هي ومسودة كتابها الأول "العشب يغني"؛ الذي يدور في روديسيا ويصف مزارع أبيض فقير تدخل زوجته في علاقة مع خادم أفريقي، نُشر عام 1950، عندما كانت في الحادية والثلاثين، وأشار إلى نجمة قادمة، امرأة مستعدة لتحدي التقاليد العنصرية. كشف الكتاب أيضا أنها ستكون روائية ذات مواهب طبيعية كبيرة وسيطرة تقنية. على الرغم من أن الكتاب كثيف بروائح ومناظر المروج، فتقنيته تعتمد بشكل كبير على الروائيين الروس اللذين كانت تلتهمهم، خاصة دوستويفسكي وتولستوي. ولكن حياة الكاتب عنت أنه كان عليها أن تصير أنانية. تقول: "لا أتسامح مع العواطف لأنها مشاعر زائفة". للسنوات الخمس التالية كانت تدفع لعائلة في الريف لتأخذ طفلها الصغير لأسبوعين كل مرة حتى تستطيع الكتابة. تقول: "لا يمكن لأحد أن يكتب وهناك طفل موجود، هذا ليس أمرا سليما، هذا سيضايقك".

بدأت تختلط بالمشهد الأدبي الراقي والعظيم في لندن: ضمت دائرتها جون برجر، جون أوزبورن، برتراند راسل، آرنولد ويسكر. وفقا لويسكر: "كانت طباخة جيدة وكانت تقيم حفلات غداء رائعة، إذ كنا نأخذ الطعام من مجموعة من الأطباق ونجلس واضعين ساقا على ساق ونحن نأكلها. كانت مثلها مثل أفضل شخصياتها: مهتمة بالأصدقاء، ذكية بشكل كبير، لا تهتم بالتفاهات. كانت لا تصبر على الكلام الفارغ والتظاهر. إن لم تكن تتصف بهذه الأشياء، يتم الترحيب بك في العائلة". شخص آخر من أصدقائها في هذا الوقت كان الناقد المسرحي كينيث تينان. كان عليها أن تبقى معه ليلا في إحدى المرات لأن الوقت كان متأخرا. "لم أكن أتوقع شيئا مختلفا عن تبادل محادثة لطيفة. ذهبت لأستعد للنوم وعندما عدت وجدت العديد من السياط قد ظهرت[ii]. الشيء الغريب حقا هو أنه لم يقل شيئا مثل: (ألا تريدين أن تساطي قليلا يا دوريس؟)، وأنا لم أقل أبدا: (كين، لم توجد كل هذه السياط؟)، وبعدها أخذنا نتحدث في السياسة وذهبنا للنوم، وفي الصباح، جاءت سكرتيرته لتلم كل السياط".

إلى جانب سخريتها من الحياة الحضرية في أفريقيا المستعمرة، استكشفت كتبها القسمة التي من خلالها يتحدث الرجال والنساء مع بعضهم وفي مواجهة بعضهم، صرامة وانحراف الشيوعية؛ الطريقة التي لا يفنى بها الشغف مع تقدم العمر، والشيء الأبرز؛ العصاب النسائي. كتابها الأكثر تأثيرا "المفكرة الذهبية" نشر عام 1962 واعتبر حتى يومنا هذا عملا نسويا كلاسيكيا. هذه الممارسة التي تميل للتجريب في السرد ما بعد الحداثي تدور حول الحياة الداخلية لآنا وولف، يستكشف الكتاب ما الذي يعنيه أن يكون الإنسان ذكيا وغاضبا وامرأة. يبدأ من افتراض أن حيوات النساء متصلة بشكل حميمي بقصص عن أنفسهن يسمح المجتمع لهن أن يقدمنها. هذه الرؤية غيرت شكل الرواية نفسها، فقد قُسِّمت حياة آنا إلى مفكرات متعددة الألوان: السوداء للكتابة، الحمراء للسياسة، الزرقاء للحياة اليومية، والصفراء لمشاعرها. تمثل "المفكرة الذهبية" ما تطمح إليه آنا – اللحظة التي ستجتمع كل ذواتها المتعددة إلى كل واحد.

بعدم توقع متوقع، تجد المؤلفة الآن أشياء أكثر لتناقشها عن العمل الذي كتبته في شبابها أكثر من النسويات اللواتي رفعنه إلى مكانة مقدسة. تقول عن الرواية إنها كانت عقبة في طريقها وتأسف لأن النقاد فشلوا في تقدير بنية الرواية، مركزين الاهتمام فقط على رسالتها النسوية، وموضوعها عن الانهيار العقلي كوسيلة للشفاء وتحرير النفس من الأوهام. الغضب الظاهري من الكتاب ربما يتعلق بالمعجبين، خاصة النسويات من أمريكا وألمانيا، اللواتي اعتدن على الوقوف عند بوابة منزلها في الصيف. تقول: "لقد أصبح المنزل ملكا للنسويات، إلا أن الكتاب في الأصل كان سياسيا، اعتدت أن أضجر من حاجتي للشرح للقراء في السبعينيات ما الذي عناه خطاب خروشوف في اجتماع الكونجرس السوفييتي العشرين بالنسبة للشيوعية العالمية. هذا هو ما يعطي للكتاب طاقته حقا. في هذا الوقت كان الرفاق ينكرون أن خروشوف ألقى هذا الخطاب، قائلين إنه اختلاق من الصحافة الرأسمالية. اختنق الرفاق بعد ذلك من اليأس".

تبدو هذه الأيام رافضة تماما لحركة التحرر النسائية، تقول: "لقد تم الانتصار في كل المعارك، باستثناء المقابل المتساوي للعمل المتساوي". ويبدو أن هذا عزل بعض تلاميذها السابقين. ولكن ما الذي توقعته النسويات؟ وما الذي توقعه رفاقها الشيوعيون السابقون؟ وما الذي توقعته أيضا لجنة جائزة نوبل؟ بالتأكيد هم حصلوا على أكثر مما ساوموا من أجله. تبدو ليسينج أنها تستمتع بالثقل الأكبر الذي تمثله آراءها بعدما أصبحت فائزة بنوبل. تصريحها بعد فوزها بنوبل لجريدة إل باييس الإسبانية كانت إحدى الحالات، قالت: "11 سبتمبر كان حدثا بشعا، ولكنا إن عدت بالتاريخ إلى الجيش الجمهوري الأيرلندي، فالأمر ليس بهذه البشاعة". هذا أحدث غضبا في أمريكا، بدت ملتذة بذلك. ولكونها لا تساوم وذات عقل منفرد، فهي تعتبر نفسها مخالفة محترفة. كانت في أقصى لحظات حدتها أثناء مهرجان هاي للأدب في العام الماضي؛ إذ كانت تُسَطِّح كل سؤال من الجمهور بردود مثل: "لا معنى لهذا"، "اشرح ذلك بشكل أكبر".

كانت على حق في مسألة "الجوائز اللعينة". بالمناسبة كانت أول جائزة حصلت عليها هي جائزة سومرست موم عام 1954؛ ومن ساعتها حصلت على كل شيء بخلاف البوكر؛ على الرغم من أنها دخلت القائمة القصيرة خمس مرات. عام 1999 سميت كـ "رفيقة الشرف[iii]". طُلب منها أيضا أن تصبح "سيدة الإمبراطورة البريطانية" ولكنه رفضت لأن الأمر "استعراضي قليلا". لديها فكرة قوية عن سبب حصولها على نوبل في وقت متأخر من حياتها: "ربما كان هذا بسبب إنني كتبت بطرق مختلفة عديدة، بدون أي فكرة من أنه ليس لديّ الحق لأن أفعل ذلك".

في كتابها الأخير عادت ليسينج إلى الأصل، إلى روديسيا حيث طفولتها. هناك فصل مؤثر تصف فيه العودة كامرأة عجوز للبلد الذي أحبته من قبل، لتجده ممزقا بسبب حكم موجابي الطاغي. تقابل شخصا أسود بغيضا سكيرا لا يسمح لها برؤية مزرعة أبيها القديمة. كانت مدافعة كبيرة عن حكم السود. سألتها إن كان هذا اللقاء قد غير رأيها؟ "هل كنت سأهاجم السود لو كنت أعرف ما الذي سيحدث؟ الإجابة هي لا. ومجددا فلم يكن المجتمع الذي نشأت فيه جذابا. كان قبيحا في الحقيقة. لكن إن كان من الممكن قول شيء عن الأمر فهو أنني سأدعمك فقط إن تصرفت بشكل سليم حينما تحصل على السلطة، بدلا من التحول إلى وحش دموي مثل موجابي. على كل حال، نحن مخطئون بشكل جزئي لأننا تصورنا أنه حين يحصل السود على السلطة سيتصرفون مثل فيليب توينبي[iv] مثلا. لم افترضنا هذا؟ بدلا من ذلك أصبح لدينا موجابي؛ رجل كريه. أنا لا أفهم ما الذي حدث له، كل من عرفه قاله إنه كان ذكيا. كم هو منافق حين يلقي بالبيض خارجا رغم قوله إنه لن يفعل. والآن أنظر إلى المكان، مجاعة، مرض، فساد، مستوى أقل من الحياة، شيء بشع".

هل لديها أي مشاعر عنصرية؟ "بالطبع لديّ، لقد نشأت محاطة بعنصريين بطريقة لا أحد يتوقع الآن إنها كانت موجودة، ولكنها ليست مسألة عنصرية. إنه أمر يشبه وجود الرومان في بريطانيا، لقد وجدونا همج وتركونا همج، ولكن بعد بضعة قرون نحن متحضرون الآن". كان أخي عنصريا حقا، كان يعتقد أنه أفضل من السود، لن يمكنك تصديق أنه لم يخطر بباله أبدا أنه يوجد من بين الناس من لا يعترضون على رؤيته من أن السود هم قردة نزلوا للتو من على الشجر. لم نر بعضنا من 30 سنة. لم يتغير شيئا. وأنا أجلس في المطبخ هنا، لن يمكنني ان أجري محادثة معه، سأضطر للعد إلى عشرة. كان يحاول أن يصير كاتبا وكان مقتنعا أنني منعت كتبه من النشر، ولم أفعل. كانت كتبه لا تصلح للنشر. كان مواطنا إنجليزيا متشددا لا يستطيع العيش سوى في المستعمرات، كان وجهه يتحول للاحمرار إن تحول موضوع الحديث للجنس أو الحب.

تقول إنه أصبح مدمنا للكحوليات، وأنها كانت ستصير كذلك أيضا إن ظلت في روديسيا. في النهاية ظل ابنها هناك وأصبح مدمنا. سألتها عن شعورها وقد عاشت في حين مات ابنها. "هذا أمر مضاد لطبيعة الأشياء. جون البائس. لم يكن من المفترض أن يموت. كانت علاقتنا طيبة، على الرغم من أنني كنت أختلف معه في السياسة، كان أبيض يشعر بالمعاناة والقلق من الجفاف. كان رابط الجأش بحيث لا يصرخ أو يزعق أو يشكو. هذه صفة للبريطاني. ولكن عليك أن تحاول أن تبكي من آن لآخر".

بالطبع كانت تختلف سياسيا مع زوجها الثاني. تقول: "لم يكن يعامل كتابتي بجدية، لأنه كان شيوعيا ويعتقد أنني برجوازية وفرويدية وكل هذه الأوصاف. أجد أنه من المستحيل تصديق أن ظل شيوعيا طوال حياته. لقد قتل في كمبالا، في كمين. كان في سيارة مع زوجته الثانية وساقها نحو تنزانيا، هذا كان أمرا مجنونا، ألقوا عليه النيران، وكان موتا بشعا، وهذا أثر على ابنه، بيتر ممزق بسبب هذا. نعتقد أن الشيوعيين هم من فعلوا هذا لأنهم سموا شارعا باسمه. هذه هي الطريقة التي يتصرفون بها". هي تؤمن الآن أن الشيوعيين "قتلة بضمير مستريح". ولكنها أخذت وقتا طويلا لتصل لهذا الاعتقاد. "نعم لقد وصفت الشيوعية بأنها أجمل الأحلام في أحد كتبي. ثم اكتشفت أنها أشبه بكمية من الجوارب القديمة. أنا لا أصدق الان أنه هناك أناس أذكياء يؤمنون بها. ما كنا نتشكك فيه ساعتها كان يتم التعبير عنه بالنكات الخبيثة. النكات التي كانت تناقض كل شيء كنا نؤمن به. اعتدنا أن نلقي النكات عن كيف كنا مخطئين في كل شيء".

كنت أعرف عقلها القلق وعدم قدرتها على مقاومة فرصة لتصدمك. سألتها إن كانت تعتبر مارجريت تاتشر بطلة لأنها واجهت الاتحاد السوفييتي وأنهت الحرب الباردة. لم يكن حظ تاتشر حسنا، قالت: "هل أنهت الحرب الباردة؟ هذا أمر جيد، أنا لم أكن أطيقها".




[i]  Clare Short (1946) سياسية بريطانية.
[ii]  الناقد الإنجليزي كينيث تينان كان معروفا بساديته الجنسية.
[iii]  Companion of Honour وسام بريطاني.
[iv]  Philip Tounbee روائي وشيوعي إنجليزي.

2013-11-17

ذكرى ألبير كامو والحنين للإلحاد القديم

ذكرى ألبير كامو والحنين للإلحاد القديم
جون كارلسون*

* أستاذ مساعد في الدراسات الدينية بجامعة آريزونا


ترجمة: أمير زكي
نوفمبر 2013

***

بينما يحتفل المعجبون والتابعون للفيلسوف والكاتب الفائز بجائزة نوبل ألبير كامو بمئوية مولده اليوم، يتذكر متعددو المعتقدات وعديمو المعتقد ميراثه المتعلق بالدين. بشكل هام يقدم كامو – كغير مؤمن - مثالا مضادا وقويا لحدة وعداء "الإلحاد الجديد" المرتبط بأسماء كريستوفر هيتشنس، سام هاريس، ريتشارد دوكينز وأخرين. في الحقيقة يجعلنا كامو نشتاق لأيام "الإلحاد القديم" إذ لا تتم السخرية من المتدينين بسبب ما يطلق عليه معتقداتهم اللا عقلانية؛ وأن تتم مهاجتمهم بتهمة "الدين الذي يسمم كل شيء"؛ وأن يُطلب منهم أن أن ينسحبوا بينما تنظف العلمانية كل البقايا الدينية من الحياة العامة.

لنبدأ بالقول بأن كامو كان متواضعا في عدم إيمانه، مستدعيا تحذير بنجامين كونستان بأنه هناك شيء "مُستَهلَك" في مهاجمة الدين بكثافة. اعترف كامو بصراحة بأنه لا يؤمن بالله، ولكنه اختار أن يتحدث "باسم الجهل الذي لا يحاول أن ينفي شيئا". بكلمات أخرى، لم يفترض غياب المعتقد عنده أن الآخرين يجب أن يكونوا على خطأ – بالطبع لن يفعل ذلك بطريقة لا يستطيع أن يثبت بها ذلك بشكل مؤكد. لهذا السبب، رفض "الإلحاد، متبنيا بدلا منه مظلة "غير المؤمن". (Incroyant)

لا يحتاج المرء ليكون متدينا مع ذلك ليُقَدِّر كيف أسهم الدين بشكل بَنَّاء في الحضارة والحياة المعاصرة. كطالب جامعي شاب في الجزائر الفرنسية، أنهى كامو أطروحة تبحث في العلاقة بين الميتافيزيقا الأفلاطونية الجديدة والمسيحية. الرمز الرئيسي في الدراسة كان القديس أوغسطين، الذي كان كامو يكن له إعجابا كبير كجزائري آخر. وفقا لكاتب سيرته الذاتية هربرت لوتمان؛ كان القديس أوغسطين بالنسبة لكامو "أسقف كُتَّاب شمال أفريقيا، سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين. رأى كامو في القديس الفنان بكل نقاط قوة وضعف (الأفريقي) الذي شعر كامو أنه سيكونه". كان كامو مأخوذا بشكل خاص ببحث أوغسطين في مشكلة الشر. على العكس من الملحدين الجدد مثل هيتشنس – الذي يرى أن الدين هو حامل الطاعون – أدرك كامو أن الشر هو مشكلة إنسانية. كما أشار دكتور ريو في رواية كامو الرائعة "الطاعون": "كل منا بداخله الطاعون؛ لا أحد، لا أحد في العالم متحرر منه". كامو، مثله مثل دكتور ريو، يطرح التساؤلات نفسها التي يطرحها المتدينون؛ إلا أنه لم يستطع قبول إجاباتهم – أو آمالهم. لم يجد العزاء في إيمان أيوب، أو خلاص المسيح، ولكنه وجده عند سيزيف: الفكرة هي أنه خلال التمرد والتحمل يمكن لسيزيف أن يصير سعيدا.

بشكل مثير للاهتمام، ومع كل تركيزه على نضال سيزيف المنعزل، آمن كامو أن الاتحاد يولد من التمرد. والمشكلات الأخلاقية الشائعة التي يواجهها المؤمنون وغير المؤمنين معا في الحياة السياسية – طاعون النازية على سبيل المثال – تتطلب منهما أيضا أن يعملا معا (كما فعل كامو بتحريره جريدة المقاومة الفرنسية كومبات Combat). في خطاب شهير أُلقي في دير الدومنيكيان بباريس، أثنى كامو على أهمية التعامل المتعاون المشترك، والاختلاف ذو الاحترام المتبادل. "لن أحاول تغيير أي شيء مما أعتقده، أو أي شيء مما تعتقدوه... من أجل الوصول إلى مصالحة تكون مقبولة للجميع". أصر بالأحرى على أن "العالم يحتاج إلى حوار حقيقي" الذي يكون ممكنا فقط "بين أناس يظلون على ما هم عليه ويصرحون بما في أذهانهم، هذا يعني القول أن عالم اليوم يحتاج إلى مسيحيين يظلون مسيحيين". ولكن كامو لم يتوقف هنا، استمر ليحث المسيحيين على "الحديث بصراحة" وأن "يشاركوا بشكل شخصي"، هذا الذي رفض العديد من المسيحيين فعله حين كان هتلر يغزو اوروبا ويرسل العديد من اليهود إلى الموت.

في معركة حول محاكمات التطهير للمتعاونين مع حكومة فيشي، كان رد فعل كامو عنيفا ضد المفكر الكاثوليكي فرانسوا مورياك لأنه "يلقي المسيح في وجهي". كان كامو على حق. ولكن ليس على غير المؤمنين أيضا أن يلقوا إلحادهم الحاد في وجه المؤمنين. في عصرنا المُستَقطِب هذا، علينا أن نستعيد حكمة وتواضع ألبير كامو، ونموذج التعاون المشترك الذي قدمه. الإلحاد الجديد لم يقدم شيئا يمكن مقارنته بذلك، في وقت تهدد وتورط فيه الصراعات الأخلاقية والسياسية – ومنها الصراع ضد التطرف الديني – المؤمنين وغير المؤمنين معا.


2013-11-10

سبعة أشياء لا تعرفها عن ألبير كامو

سبعة أشياء لا تعرفها عن ألبير كامو
روبرت زاريتسكي*

ترجمة أمير زكي
نوفمبر 2013

* أستاذ التاريخ بجامعة هيوستن، ومؤلف كتاب "حياة تستحق أن تعاش؛ آلبير كامو والبحث عن المعنى"

***

اليوم، كان سيبلغ ألبير كامو عامه المائة. يظل صوت الفائز بجائزة نوبل ومؤلف كتب "الغريب" و "الطاعون" و"أسطورة سيزيف" و"المتمرد" حيويا اليوم مثلما كان في حياته. نشأ في حي للطبقة العاملة في الجزائر العاصمة، مع جدة أمية تضرب أكثر مما تتكلم، وأم خرساء جزئيا كانت تعمل كعاملة نظافة. واجه كامو العبث من سن مبكرة، ولم يطارده فقط في حياته – كان لاعب كرة قدم جاد، حين بدأ بالسعال مع دماء ليكتشف أنه مصاب بالسل – ولكنه ضرب فرنسا أيضا عام 1940، عندما سقطت الأمة أمام العدوان الألماني، الذي حولها إلى نظام فيشي المتعاون. بعد العودة إلى فرنسا من الجزائر عام 1942، شارك كامو في المقاومة وأصبح في النهاية محررا للجريدة السرية العظيمة "كومبات" (المقاومة).

من تحرير فرنسا حتى نهاية حياته، استمر كامو في المقاومة. سواء بسبب تعامل فرنسا الوحشي مع السكان العرب والبربر في الجزائر، أو التمييز الاقتصادي والاجتماعي البين في كل من الجزائر وفرنسا، أو مؤسسة العقاب الرأسمالية، أو استخدام القنبلة النووية، وممارسة التعذيب والإرهاب من قبل كل من الجيش الفرنسي والقوميين الجزائريين أثناء حرب الاستقلال الدموية. قاوم كامو الطرق التي يتحول بها الرجال والنساء إلى مجردات، وتبرير وسائل غير مقبولة من أجل غايات مستحيلة. في مئويته يمكننا القيام بأشياء أقل من استعادة كلماته عن واجب الكتاب: يقول كامو إن نبل مهنتنا: "ستظل متجذرة دوما في انغماسين صعب الحفاظ عليهما: رفض الكذب عما يعرفه المرء، والمقاومة ضد القمع".

1) كامو لم يكن وجوديا. تدخين سيجارة جلواز مع الإسبريسو في مقهى باريسي لا يجعل المرء وجوديا. ولا الصداقة العميقة، وإن كانت القصيرة، مع طفل الوجودية الشهير جان بول سارتر. كان كامو يُذَكِّر الصحفيين دوما، وبشكل صحيح، أنه ليس جزءا من حركة ما بعد الحرب الشائعة، بشكل كبير لأنها كانت ترفض التحرك. بدلا من تقديم حل للتشخيص الكئيب للوضع الإنساني، قاموا باعتناقه – وهو حل غير مقبول لمؤلف "المتمرد" و"الطاعون".

2) كامو لم يكن فرنسيا. في الحقيقة كان كامو من ضمن طائفة "الأقدام السوداء" المصطلح الذي يطلق على معظم المستعمرين الأوروبيين الذين عاشوا في الجزائر في القرنين التاسع عشر والعشرين، مع ذريتهم، وأصبحوا مواطنين فرنسيين. بينما كان أبوه من بوردو (على أي حال اعتقد كامو دوما أنه من الألزاس واللورين[i])، كانت أمه من أسبانيا، وجذور كامو تضرب عميقا في الجزائر. بعد نصف قرن من موت كامو، بدأ الكتاب والمفكرين الجزائريين يقبلون ذلك: بالنسبة للروائية (وعضو الأكاديمية الفرنسية) آسيا جبار، كامو كان ابنا للجزائر وواحدا من شهدائها العظام.

3) كامو لم يكن فيلسوفا. على الرغم من حصوله على مؤهل في الفلسفة من جامعة الجزائر (كانت أطروحته عن مفكر كان يحب أن يطلق عليه "الشمال إفريقي الآخر" وهو القديس أوغسطين) رفض مصطلح "فيلسوف" بالقدر نفسه الذي رفض فيه مصطلح "وجودي". مقالاه الفلسفيان: "أسطورة سيزيف"، و"المتمرد"، كانا بالضبط مجرد مقالات: بكلمات أخرى محاولات مؤقتة لفهم الوضع الإنساني. ومثلها مثل الكثير من حياته وأعماله، كانت مقالاته تسعى لطرح الأسئلة لا تقديم الإجابات.

4) كامو لم يكن متشائما. بالطبع كان يحب أن يذكرنا أنه لا يوجد سبب للأمل. كيف يمكن الحصول على أمل في عالم من "اللا مبالاة الأليمة" أمام احتياجاتنا المتكررة للمعنى؟ ولكن هذا لم يكن أبدا مدعاة لليأس. فكر في هذا المشهد من فيلم "آني هول"[ii] عندما كان وودي آلن يحاول أن يتقرب من امرأة شابة وهي تنظر للوحة جاكسون بولوك[iii]، وردت عليه برؤية أبوكاليبسية عن العالم. مثله مثل آلن، سيسألها كامو إن كانت مشغولة غدا ليلا، وبعدما يعرف أنها تخطط للانتحار ساعتها، سيصمت للحظة قبل أن يسألها إن كانت مشغولة الليلة.

5) كامو لم يكن معاديا لأمريكا. هذا لا يعني أنه كان مؤيدا لأمريكا. لقد كان بطريقة ما أشبه بالزائر لجبال الهيمالايا للمرة الأولى: تساميها يملأ المرء بالروعة إلى جانب الرعب. أثناء زيارة قصيرة له لمدينة نيو يورك بعد الحرب مباشرة، شعر كامو بالذهول من المفارقات: فقر منطقة باوري أمام امتيازات الجانب الشرقي. مع نهاية محاضرته العامة في جامعة كولومبيا، تم إعلان أن أموال الأمسية التي كانت موجهة للتبرعات قد سرقت، قام الجمهور فورا بسد العجز، هذا السخاء أذهل كامو بشكل كبير. ومع ذلك، كان مذهولا أيضا بـ "جيش النجوم الصغار المسترخيين على العشب وهم عاقدين أقدامهم". هؤلاء الذين رآهم بجامعة فاسار. ما يفعلونه للشباب هنا يستحق التذكر". بوضوح، لم يفكر كامو أن "النجوم الصغار" أنفسهم لن يشغلوا أنفسهم بالتذكر.

6) كامو لم يكن دوما روائيا. مثله مثل الكاتب الذي يقارن دوما أسلوبه به، آرنست همنجواي، بدأ كامو عمله بالكتابة كصحفي. كمراسل للصحيفة المستقلة "لالجي رابابليكيا"[iv]، كتب عام 1939 سلسلة من الأخبار المنتقدة لوضع قبائل البربر، الذي يعود حظهم البائس بشكل كبير للا مبالاة فرنسا. استمر في مشاغباته حتى ليلة الحرب العالمية الثانية، عندما شعرت السلطات بالارتياح لوجودة عذر لإغلاق الجريدة. عمله الصحفي، مثله مثل بقية كتاباته، كان مميزا بالقناعة بأنه في الوقت الذي "نضع فيه المشكلة الإنسانية موضع المشكلة السياسية، فنحن نأخذ خطوة للأمام".

7) كامو لم يكن الأخ التوأم لجورج أورويل والذي نشأ في الجزائر الفرنسية بعد انفصاله عنه. كان أورويل أطول وكان يرتدي التويد. ولكن الشائعة مفهومة على أي حال. كل من الرجلين كان يدخن بلا توقف، كل منهما كان مريضا بالسل، كل منهما مات شابا وكل منهما عاش وفقا لقناعاته السياسية: أورويل أثناء الحرب الأهلية الأسبانية، وكامو أثناء الحرب العالمية الثانية. (أراد كامو أيضا أن ينضم للجمهوريين في فرنسا، ولكن السل منعه من القيام بذلك). كل منهما ظل على اليسار، على الرغم من الجهود الكبيرة لليسار الفرنسي والبريطاني، المفتونين بالشيوعية، للتبرؤ منهما. كل من الرجلين بصراحته الأخلاقية وشجاعته الشخصية كان أساسيا للشهادة ليس فقط عن عصره ولكن عن عصرنا نحن أيضا.
  



[i] جزء من الإمبراطورية الألمانية في القرن التاسع عشر. وهي منطقة فرنسية حاليا.
[ii] خطأ من مؤلف المقال، المشهد الذي سيتم ذكره من فيلم Play it again, Sam لوودي آلن
[iii] Jackson Pollock (1912-1956) فنان أمريكي
[iv] L'Alger Républicain

2013-11-03

وقع الأقدام - صمويل بيكيت


كتبت عام 1975

ترجمة أمير زكي
نوفمبر 2013

***

ماي (م) شعر رمادي أشعث، معطف رمادي قديم يغطي القدمين، ويصل للأرض.
صوت امرأة (ص) يأتي من أعلى المسرح المظلم.

مساحة الحركة: أسفل المسرح، المسافة تسع خطوات، الطول متر واحد، بعيدا عن الوسط قليلا، يمين الجمهور.





الحركة: تبدأ بالقدم اليمنى (ي)، من اليمين (ي) إلى الشمال (ش)، بالقدم اليسرى (ش) من ش إلى ي.
اللفة: إلى اليمين من ش، وإلى الشمال من ي.
الخطوات: مسموعة كخطو ايقاعي.
الضوء: معتم، أقوى على مستوى الأرضية، أقل على الجسد، أقل على الرأس.
الأصوات: الصوتان ضعيفان وبطيئان دوما.

ستار. المسرح مظلم.
دقة جرس ضعيفة وحيدة. صمت بعد توقف صوت الصدى.
ضوء خافت على المساحة، باقي المسرح مظلم.
تبدأ (م) الخطو نحو ش، تلتف في ش، تخطو ثلاث مسافات أخرى. تتردد، تتوقف، تواجه الجمهور في ي.
م: أمي (صمت، بطبقة الصوت نفسها) أمي.
(صمت)
ص: نعم يا ماي.
م: هل كنتِ نائمة؟
ص: نوما عميقا. (صمت) سمعت صوتِك في نومي العميق. (صمت) لا يوجد نوم عميق لا أستطيع سماع صوتِك فيه. (صمت. تستمر م في الخطو لأربع مسافات. بعد المسافة الأولى، تقول ص بشكل متناغم مع الخطوات) واحد إثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة دوري واحد إثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة دوري. (متحررة من العد) ألن تحاولي أن تحصلي على القليل من النوم؟
(تتوقف م، تواجه الجمهور في ي. صمت)
م: ألا تريدين مني أن أحقنك مجددا؟
ص: بلى، ولكن الوقت مبكر جدا.
(صمت)
م: ألا تريدين مني أن أغير وضعيتك مجددا؟
ص: بلى، ولكن الوقت مبكر جدا.
(صمت)
م: أن أعدل مخداتك؟ (صمت) أن أغير ملاءاتك؟
(صمت) أن أقدم لك القصرية؟ (صمت) قصرية التدفئة؟
(صمت) أن ألصق تقرحاتك؟ (صمت) أن أُحمّيك؟
(صمت) أن أرطب شفتيك الجافتين؟ (صمت) أن أصلي معك؟
(صمت) من أجلِك؟ (صمت) مجددا.
(صمت)
ص: بلى ولكن الوقت مبكر جدا.
(صمت)
م: في أي عمر أنا الآن؟
ص: وأنا؟ (صمت، بطبقة الصوت نفسها) وأنا؟
م: تسعون.
ص: كثير جدا؟
م: تسعة وثمانون، تسعون؟
ص: لقد جلبتك متأخرة. (صمت) في الحياة. (صمت) سامحيني مجددا. (صمت، بطبقة الصوت نفسها) سامحيني مجددا.
(تستمر م في الخطو. بعد انقضاء مسافة واحدة تتوقف وتواجه الجمهور في ش. صمت)
م: في أي عمر أنا الآن؟
ص: في أربعينياتك؟
م: قليل جدا؟
ص: أخشى ذلك (صمت. تستمر م في الخطو. وبعد أول التفاف في ش) ماي. (صمت، بطبقة الصوت نفسها) ماي.
م: (تخطو) نعم يا أمي.
ص: ألن تقومي أبدا؟ (صمت) ألن تقومي أبدا... بتغيير الأمر كله؟
م: (تتوقف) الأمر؟
ص: الأمر كله (صمت) في عقلك التعس. (صمت) الأمر كله (صمت) الأمر كله.
(تستمر م في الخطو، خمس ثوان، يتلاشى الضوء من على المساحة
كل المسرح مظلم. يتوقف وقع الخطوات.
صمت.
رنة جرس بصوت أضعف. تتوقف الأصداء
ضوء أقل على المساحة، باقي المسرح في ظلام
تبدأ م في الخطو ناحية ي
صمت)
ص: أسير هنا الآن. (صمت) بالأحرى آتي وأقف. (صمت) مع قدوم الليل. (صمت) تتصور أنها وحيدة. (صمت) أُنظُر كيف تقف ثابتة، كيف تقف صلبة، ورأسها مواجه للحائط. (صمت) كيف هي ساكنة ظاهريا. (صمت) هي لم تخرج منذ طفولتها. (صمت) لم تخرج منذ طفولتها (صمت) أين هي، ربما يُطرح السؤال. (صمت) لِم، في البيت القديم، البيت نفسه الذي – (صمت) البيت نفسه الذي بَدَأَت فيه. (صمت) حيث بدأت. (صمت) حيث بدأ كل شيء. (صمت) ولكن هذا، هذا، متى بدأ هذا؟ (صمت) عندما كانت الفتيات اللواتي في سنها بالخارج في...  ملعب اللاكروس[i] كانت فعليا هنا. (صمت) في هذا. (صمت) في الأرضية هنا، العارية الآن، التي كانت يوما- (تبدأ م في الخطو. الخطوات أبطأ قليلا) ولكن دعنا نراها تتحرك، في الصمت (تخطو م. عند نهاية المسافة الثانية) أنظر كيف تدور بمهارة. (تلتف م، تخطو. تقول ص بإيقاع متناغم مع المسافة الثالثة) سبعة، ثمانية، تسعة، دوري. (تلتف م عند ش، تخطو مسافة أخرى، تتوقف مواجِهة للجمهور عند ي). أقول في الأرضية هنا، العارية الآن، هذه المساحة من الأرضية، التي كانت مغطاة في الماضي بالسجاد، بكومة ثقيلة. حتى جاءت إحدى الليالي، إذ لم تكن أكثر من طفلة، نادت أمها وقالت، أمي، هذا غير كاف. الأم: غير كاف؟ ماي – اسم الطفلة الأول – ماي: غير كاف. الأم: ما الذي تعنيه يا ماي بغير كاف، ما الذي يمكن أن تعنيه يا ماي بغير كاف؟ ماي: أعني يا أمي أنه يجب أن أستمع للأقدام مهما كان وقعها خافتا. الأم: الحركة وحدها غير كافية؟ ماي: نعم يا أمي، الحركة وحدها غير كافية، يجب أن أستمع إلى الأقدام، مهما كان وقعها خافتا. (صمت، تستمر م في الخطو، ومع الخطو) يمكن أن يُطرح سؤال، هل ما زالت تنام؟ نعم، في بعض الليالي تنام، تخاطيف، تضع رأسها البائس على الجدار وتخطف نوما قصيرا. (صمت) ما تزال تتكلم؟ نعم، في بعض الليالي تتكلم، عندما تتصور أنه لا أحد بإمكانه السماع. (صمت) تتحدث عن كيف كان الأمر (صمت). تحاول أن تتحدث عن كيف كان الأمر. (صمت) الأمر كله. (صمت) الأمر كله.
(تستمر م في الخطو، خمس ثوان، يتلاشى الضوء من على المساحة.
كل المسرح في ظلام. تتوقف الخطوات.
صمت.
رنة جرس أضعف، تتوقف الأصداء.
ضوء أضعف على المساحة. الباقي في ظلام.
تنظر م إلى الجمهور في ي.
صمت)
م: تكملة. (صمت. تبدأ في الخطو. تظل الخطوات أبطأ قليلا. بعد مسافتين تتوقف وتواجه الجمهور في ي. صمت) تكملة. بعد وقت قليل، عندما نُسيَت تماما، بدأت في – (صمت) بعد وقت قليل عندما كانت وكأنها لم تكن أبدا، لم تكن أبدا، بدأت في السير. (صمت) مع هبوط الليل. (صمت) تتسلل عند هبوط الليل إلى الكنيسة الصغيرة من بابها الشمالي، المغلق دائما في هذا الوقت، وتصعد وتهبط، تصعد وتهبط عند ذراعها البائسة[ii]. (صمت) في بعض الليالي ستتوقف، كشخص تجمد من رعشة العقل، وتقف متصلبة حتى تستطيع التحرك مجددا. ولكن عديدة هي الليالي التي كانت تخطو فيها بدون توقف، تصعد وتهبط، تصعد وتهبط، قبل أن تختفي بالطريقة التي جاءت بها. (صمت) لا يوجد صوت. (صمت) على الأقل لا شيء مسموع. (صمت) الشبيه. (صمت. تستمر في الخطو. بعد مسافتين تتوقف وتواجه الجمهور عند ي. صمت) الشبيه. ضعيف، على الرغم من أنه غير مرئي بأي وسيلة، في ضوء معين. (صمت) لديه الضوء المناسب. (صمت) رمادي أكثر منه أبيض، ظل شاحب من الرمادي (صمت) مخطط. (صمت) شبكة من التخطيطات (صمت) أنظر له وهو يمر- (صمت) -  أنظر لها وهي تمر بجانب الشمعدان، كيف للهبه، لضوئه... كالقمر وسط الغيوم العابرة. (صمت) بعد ذلك بعدما ذهبت، وكأنها لم تكن موجودة، بدأت في السير، تصعد وتهبط، تصعد وتهبط، في هذه الذراع البائسة. (صمت) عند هبوط الليل. (صمت) أي يمكن القول، في مواسم معينة من العام، وقت صلاة الغروب. (صمت) بالضرورة. (صمت، تستمر في الخطو. بعد مسافة واحد تتوقف وتواجه الجمهور عند ش، صمت). السيدة وينتر العجوز، التي سيتذكرها القاريء، السيدة وينتر العجوز، في نهاية مساء يوم أحد خريفي، وهي تجلس للعشاء مع ابنتها بعد الصلاة، وبعدما تناولت بعض الطعام، وضعت سكينها وشوكتها وأحنت رأسها. ما هذا يا أمي، قالت الابنة، فتاة غريبة جدا، رغم أنها بالكاد تعتبر فتاة... (بصوت متقطع) هذا بشع وغير- ... (صمت. بصوت عادي) ما هذا يا أمي، ألا تشعرين بنفسك؟ (صمت) لم ترد السيدة و فورا. ولكن في النهاية رفعت رأسها وتفحصت إيمي بملء عينيها وقالت – (صمت) – وتمتمت، نظرت إلى إيمي بملء عينيها وتمتمت، إيمي ألم تلاحظي شيئا... غريبا في صلاة المساء؟ إيمي: نعم يا أمي، لم ألاحظ شيئا. السيدة و: ربما كانت هذه مجرد تهيؤات. إيمي: ما هو بالضبط يا أمي الذي ربما كان قد تهيأ لك؟ (صمت) ما هو بالضبط يا أمي الذي ربما تخيلت أنه.. شيء غريب لاحظتيه؟ (صمت) السيدة و: أنت نفسك لم تلاحظي شيئا... غريبا؟ إيمي: لا يا أمي، أنا نفسي لم ألاحظ شيئا، لو عبرت عن ذلك بتهذيب. السيدة و: ما الذي تعنيه يا إيمي بالتعبير عن ذلك بتهذيب، ما الذي يمكن أن تعنيه يا إيمي بالتعبير عن ذلك بتهذيب؟ إيمي: أعني يا أمي أن أقول إنني لم ألاحظ شيئا... غريبا في الحقيقة، أقول ذلك بتهذيب. لأنني لم ألاحظ شيئا من أي نوع، غريبا أو غير غريب، لم أر شيئا، لم أسمع شيئا من أي نوع، فقد كنت غير موجودة. السيدة و: كنتِ غير موجودة؟ إيمي: كنت غير موجودة. السيدة و: ولكني سمعتك تردين. (صمت) سمعتك تقولين آمين. (صمت) كيف يمكنك أن تردي لو كنتِ غير موجودة؟ (صمت) كيف يكون من الممكن أن تقولي آمين وأنتِ غير موجودة كما تدعين؟ (صمت) محبة الله، وشركة الروح القدس، تكون معنا جميعا، من الآن وإلى الأبد، آمين. (صمت) لقد سمعتك بوضوح. (صمت، تستمر في الخطو. تتوقف بعد ثلاث خطوات بدون مواجهة الجمهور. صمت طويل. تستمر في الخطو، تتوقف وتواجه الجمهور عند ي. صمت طويل) إيمي. (صمت. بطبقة الصوت نفسها) إيمي. (صمت) نعم يا أمي (صمت) ألن تقومي أبدا؟ (صمت) ألن تقومي أبدا... بتغيير الأمر كله؟ (صمت) تغيير؟ (صمت) الأمر كله؟ (صمت) في عقلك التعس (صمت). تغيير الأمر كله. (صمت) الأمر كله.
(صمت. إظلام من على المساحة. ظلام تام.
صمت
رنة جرس أكثر خفوتا. تتوقف الأصداء.
ضوء قليل على المساحة.
لا أثر لماي.
توقف لعشر ثوان.
ظلام.)
ستار




[i]  Lacrosse لعبة رياضية جماعية.
[ii]  يحاكي تصميم الكنيسة شكل الصليب، وبالتالي تسير م عند إحدى ذراعي الصليب.