2009-09-28

ملاحظات عن معنى (فصل بلا كلمات)

كتبت من عام ونصف تقريبا مقالا أقارن فيه بين مقال (ما الميتافيزيقا) الشهير للفيلسوف الألمانى مارتن هايدجر وفصل بلا كلمات لبيكيت ، وقد نشرت هذا المقال هنا ، واليوم أنا لا أريد أن أكرر ما كتبته ساعتها ، إنما أريد أن أذكر بعض الملاحظات ، كإضافة لما كتبته فى المقال من جهة ، و لرصد بعض المعلومات التى لم تكن تخص مضمون المقال من جهة أخرى .
كتب صمويل بيكيت (فصل بلا كلمات) عام 1957 ، كتبها بالفرنسية (لغته الثانية) ثم ترجمها بنفسه إلى الإنجليزية ، وهى عادته التى مارسها على العديد من إبداعاته وأهمها مسرحيته الأساسية (فى انتظار جودو) ، فقد كان بيكيت يفضل الفرنسية عن الإنجليزية ، وتمييز المسرحية بإنها (فصل بلا كلمات 1) هدفه التفرقة بينها وبين (فصل بلا كلمات 2) التى كتبها عام 1958 .
ومسرحية (فصل بلا كلمات) هى مسرحية تنتمى إلى الفلسفة الوجودية ، هذا لا يعنى أن بيكيت كاتب وجودى ، ولكن بقراءة دقيقة للمسرحية ستجد العديد من الأفكار الوجودية فى مضمون النص ، والوجودية المقصودة هنا ليست فقط الوجودية بشقيها الهايدجرى والسارترى ، ولكن كتاريخ ممتد بداية من كيركجور ونيتشه فى القرن السابق لكتابة المسرحية ، ومن أبرز الأفكار الوجودية فى النص فكرة استبعاد المنطق والعقل فى الوصول للحقيقة ، لقد حاول بطل المسرحية استخدام عقله فى إخضاع الأدوات التى تحيطه ولكنه فشل فى ذلك ، كإنه إعلان فشل لطموح النهضة الفلسفية الحديثة (أحلام ديكارت وبيكون) ، وهذا ملمح وجودى ، فهايدجر استبعد العقل والمنطق والعلم ورأى إنه عن طريق المشاعر (كالقلق) يمكننا أن نصل للحقيقة ، أما أفكار (الإنسان الملقى به) ، وبداية الشقاء ببداية الوجود الإنسانى وغيرها ، فقد ناقشتها فى المقال المذكور سلفا . ولكنى أريد أن أؤكد على أن نهاية المسرحية تحمل فارقا بين فكر بيكيت والفكر الوجودى ، ففى رأيي أن الفلسفة الوجودية فلسفة متفائلة ، عكس ما شاع حولها من أنها متشائمة ووفقا لدفاع سارتر عنها (فى الوجودية مذهب إنسانى) ، هايدجر -كما قلنا- فى مقال (ما الميتا فيزيقا) عن طريق مشاعر تبدو سلبية (القلق) رأى أنه استطاع الوصول لحقيقة ما ، فى حين أن نص بيكيت متشائم ، وإن كنت قرأت أخيرا رأيا يرى أن عدم استجابة البطل للصافرات فى نهاية المسرحية هو نوع من التمرد (ملمح إيجابى) ، وهذه فكرة تقرّب بيكيت من هايدجر .
بيكيت فى هذه المسرحية ، ومرة أخرى كعادته ، يستغل ثقافته الواسعة ، ليس فقط فى التأثر بالوجودية ، وقد تأكدنا هنا إنه اطلع على هايدجر ، ولكن أيضا فى استخدامه أسطورة تنتالوس الذى رآه أوديسيوس لما زار العالم الآخر ، وكان يعاقب من قبل الآلهة ، بإنه كان يقيم بجانب بحيرة وبجانبه شجرة فاكهة ، وكلما يريد قطف ثمار الشجرة ، ترتفع فروعها بعيدا عن متناوله ، وكلما انحنى ليشرب ماء من البحيرة ينحسر الماء بعيدا عن فمه ، وهذا تقريبا ما كان يحدث لبطل (فصل بلا كلمات) وكأنه يعاقب من قبل قوى مجهولة ، من جهة أخرى هناك اعتماد بيكيت على كتاب العالم الألمانى كوهلر (عقلية القرود) الذى كتب فيه عن تجربة على القرود كانت تضع القرود فيها المكعبات على بعضها لتصل لثمار الموز ، مثلما كان يحاول بطل المسرحية من أجل الوصول لقنينة الماء.
حالة تجربة كل شيء ممكن فى العالم المتاح ثم الوصول لنتيجة هى عدم التعويل على الأشياء (عدم التعويل على العالم) ربما تبدو أقرب لحالة صمويل بيكيت الحياتية نفسها ، بيكيت ، قبل كتابة هذه المسرحية ، كان يمر بتجربة حياتية ثرية ، ما بين تفوقه الدراسى وتجوله فى أنحاء أوروبا ، وعلاقته مع جيمس جويس وقصة حبه المضطربة مع ابنته لوشيا واشتراكه فى الحرب العالمية الثانية فى صفوف المقاومة الفرنسية وصولا إلى بزوغ شهرته وتأكيد موهبته مع نشر مسرحيته (فى انتظار جودو) ، بعد ذلك اختار بيكيت نمط حياة هادئ ، امتد من نهاية الخمسينيات حتى نهاية حياته 1989 ، لم يكدر نمط الحياة الرتيب سوى نجاح بعض أعماله وفوزه بجائزة نوبل عام 1969 ، إذن فكأن بيكيت بهذا النص يكرس لمعتقده ونمط حياته الذى سيتبعه إلى النهاية .
***
لمزيد من المعلومات:

2009-09-26

فصل بلا كلمات 1

فصل بلا كلمات 1
أداء حركى لممثل واحد



تأليف : صمويل بيكيت

ترجمة : أمير زكى

النص الإنجليزى والصور التوضيحية من موقع صمويل بيكيت

---------------


صحراء ، ضوء شمس ساطع .

يدخل رجل إلى المسرح بظهره مقذوفا من جهة اليمين ، يسقط ، ينهض فى الحال ، ينفض ملابسه ، يستدير ، ويفكر .
صفير من جهة اليمين .

يفكر ، يخرج من جهة اليمين .فى الحال ، يعود بظهره مقذوفا إلى المسرح ، يسقط ، ينهض فى الحال ، ينفض ملابسه ، يستدير، يفكر .

صفير من جهة اليسار .

يفكر ، يخرج من جهة اليسار .
فى الحال يعود بظهره مقذوفا إلى المسرح ، يسقط ، ينهض فى الحال ، ينفض ملابسه ، يستدير ، يفكر .

صفير من جهة اليسار .

يفكر ، يتجه نحو اليسار ، يتردد ، يتأمل الأمر بروية ، يتوقف ، يستدير ، يفكر .
شجرة صغير تهبط من أعلى وتحط على الأرض .
الشجرة بها فرع واحد يعلو ثلاث ياردات (1) عن الأرض ، وعلى قمة الشجرة حزمة ضئيلة من سعف النخيل تلقى على الأرض دائرة من الظل .

يستمر فى التفكير .
صفير من الأعلى .

يستدير ، يرى الشجرة ، يفكر ، يذهب إليها ، يجلس تحت ظلها ، وينظر إلى يديه .يهبط من الأعلى مقص خياطين ، ويتوقف بجانب الشجرة ، على بعد ياردة من الأرض .يظل الرجل ينظر إلى يديه .

صفير من الأعلى .

يرفع رأسه فيرى المقص ، يأخذه ويبدأ فى تقليم أظافره .


ينطوى سعف النخيل مثلما تغلق الشمسية فيتلاشى الظل ، يسقط الرجل المقص ، ويفكر .
تهبط قنينة صغيرة ، معلق بها بطاقة ضخمة مكتوب عليها (ماء) ، تهبط من الأعلى على بعد ثلاث ياردات من الأرض حيث تظل معلقة . يستمر الرجل فى التفكير .
صفير من الأعلى .

يرفع رأسه ، يرى القنينة ، يفكر ، ينهض ، يذهب ويقف تحتها ، يحاول أن يصل إليها ولكن بلا جدوى ، يستسلم ، يستدير ، ويفكر .

يهبط مكعب كبير من الأعلى ويحط على الأرض .
يستمر الرجل فى التفكير صفير من الأعلى .

يستدير ، يرى المكعب ، ينظر إليه ، ثم ينظر إلى القنينة (2) ، يذهب إلى المكعب ، يرفعه ، ينقله ويضعه تحت القنينة ، يختبر ثباته ، يصعد عليه ، يحاول أن يصل للقنينة ولكن بلا جدوى ، يستسلم ، ينزل ، يعيد المكعب إلى مكانه ، يستدير ، يفكر .
مكعب ثان أصغر حجما يهبط من الأعلى ويحط على الأرض .
يستمر الرجل فى التفكير .


صفير من الأعلى .

يستدير ، يرى المكعب الثانى ، ينظر إليه ، ثم إلى القنينة ، يذهب للمكعب الثانى ، يرفعه ، ينقله ويضعه تحت القنينة ، يختبر ثباته ، يصعد عليه ، يحاول أن يصل للقنينة ولكن بلا جدوى ، يستسلم ، ينزل ، يرفع المكعب الثانى ليعيده إلى مكانه ، يتردد ، يفكر مليا فى الأمر ، يضع المكعب ، ويذهب للمكعب الضخم ، يرفعه ، ينقله ويضعه على المكعب الصغير ، يختبر ثباتهما ، يصعد عليهما ، يقع المكعبان ، يسقط الرجل ، ينهض فى الحال ، ينظف ملابسه ، يفكر .

يأخذ المكعب الصغير ، يضعه على الكبير ، يختبر ثباتهما ، يصعد عليهما ، ويكاد يصل للقنينة ، فترتفع القنينة قليلا وتتوقف بعيدا عن متناوله .

ينزل ، يفكر ، يعيد المكعبين لمكانيهما واحدا بعد الآخر ، يستدير ، يفكر .

مكعب ثالث أصغر يهبط من الأعلى ويحط على الأرض .

يستمر الرجل فى التفكير .

صفير من الأعلى .

يستدير ، يرى المكعب الثالث ، ينظر إليه ، يفكر ، يستدير ، ويفكر .

يرتفع المكعب الثالث ويختفى فى الأعلى .

يهبط حبل من الأعلى إلى جانب القنينة ، حبل بعُقَد ليسهل استخدامه .

يستمر الرجل فى التفكير .

صفير من الأعلى .

يستدير ، يرى الحبل ، يفكر ، يذهب إليه ، يصعد عليه ويكاد يصل للقنينة ، فتنفك عقد الحبل ، فيسقط الرجل على الأرض .

يفكر ، ينظر حوله من أجل المقص ، يراه ، يذهب ليلتقطه ، ثم يذهب إلى الحبل ويبدأ فى قطعه بالمقص .

يرتفع الحبل إلى أعلى ، يحمل معه الرجل من على الأرض ، يتعلق الرجل بالحبل ، ينجح فى قصه ، فيسقط بظهره على الأرض ، ويسقط المقص ، ينهض مرة أخرى فى الحال ، ينظف ملابسه ، يفكر .

يرتفع الحبل بسرعة ويختفى فى الأعلى .

ببقية الحبل الذى معه يصنع أنشوطة (3) يحاول بواسطتها أن يطوّق القنينة .

ترتفع القنينة بسرعة وتختفى فى الأعلى .

يستدير ، يفكر .

يذهب وفى يديه الأنشوطة نحو الشجرة ، ينظر إلى فرعها ، يستدير وينظر إلى المكعبين ، ينظر مرة أخرى إلى الفرع ، يُسقط الأنشوطة ، يذهب إلى المكعبين ، يرفع الصغير ، ينقله ويضعه تحت فرع الشجرة ، يعود للمكعب الكبير ، يرفعه وينقله تحت فرع الشجرة ، حتى يضعه على المكعب الأصغر ، يتردد ، يفكر مليا فى الأمر ، يضع المكعب ، ثم يأخذ الصغير ويضعه على المكعب الكبير ، يختبر ثباتهما ، يستدير وينحنى ليلتقط الأنشوطة ، يتراخى فرع الشجرة جهة جذعها ، ينتصب الرجل والأنشوطة فى يديه ، يستدير ويرى ما حدث ، يُسقط الأنشوطة ، يستدير، يفكر .

يعيد المكعبين لمكانيهما ، واحد بعد الآخر ، ويتوجه نحو الأنشوطة ، يحملها نحو المكعبات ويضعها دائرية دقيقة على المكعب الصغير .

يستدير ، يفكر .

صفير من جهة اليمين .

يفكر ، يخرج جهة اليمين .

فى الحال يعود بظهره مقذوفا إلى المسرح ، يسقط ، ينهض فى الحال ، ينظف ملابسه ، يستدير ، يفكر .

صفير من جهة اليسار .

لا يتحرك .
ينظر إلى يديه ، ينظر حوله من أجل المقص ، يراه ، يذهب ويلتقطه ، يبدأ فى تقليم أظافره ، يتوقف ، يفكر ، يُجرى أصابعه على نصل المقص ، يذهب ويضعه على المكعب الصغير ، يستدير ، يفتح ياقة قميصه ، يحرر رقبته ويلامسها بأصابعه .

المكعب الصغير يرتفع ويختفى فى الأعلى ، حاملا معه الحبل والمقص . يستدير ليأخذ المقص ولكنه يرى ما حدث ، يستدير ، ويفكر .
يذهب ويجلس على المكعب الكبير، يُسحب المكعب من تحته ، يسقط الرجل ، يرتفع المكعب ويختفى فى الأعلى ، يظل الرجل مستلق على جانبه ، وجهه نحو الجمهور ، ينظر أمامه .

تهبط القنينة من الأعلى وتستقر على بعد عدة أقدام منه . (4)

لا يتحرك .

صفير من الأعلى .
لا يتحرك .

تهبط القنينة ، من الأعلى ، تتدلى وتتأرجح أمامه .

لا يتحرك .

ترتفع القنينة وتختفى فى الأعلى ، يعود الفرع لوضعه الأفقى ، ينفتح سعف النخيل ، يعود الظل .

صفير من الأعلى .
لا يتحرك .

ترتفع الشجرة وتختفى فى الأعلى .

ينظر إلى يديه .

ستار

-----------

(1) الياردة Yard: 91.44سم .
(2) الفارق بين الرؤية والنظر سيتكرر وفقا للفارق بين كلمتى see و look فى النص الإنجليزى ، الأولى سنسنخدم بمعنى حاسة البصر ، الثانية بمعنى التدبر .
(3) حبل مشنقة .
(4) القدم حوالى ثلث متر .
--------------
فى حالة الرغبة فى استخدام الترجمة بأى طريقة رجاء ذكر اسم المترجم ومصدر الترجمة

2009-09-21

الأمير السعيد

قصة قصيرة لأوسكار وايلد
ترجمة : أمير زكى


هناك فى أعلى المدينة ، على عمود طويل ، كان ينتصب تمثال للأمير السعيد ، كان التمثال مغطى بطبقات رفيعة من الذهب الخالص ، أما العينان فكانتا من الياقوت اللامع ، وعلى مقبض سيفه كانت تومض جوهرة حمراء كبيرة .

كان التمثال مثير للإعجاب بحق ، " إنه جميل كديك الرياح "(1) هكذا علق أحد مستشارى المدينة وقد كان يرغب فى أن يقال عنه إن لديه ذوقا فنيا ، ولكنه أضاف " ولكنه فقط غير مفيد " فقد كان يخشى أن يقول عنه الناس إنه غير عملى ، وهو ليس كذلك .

" لماذا لا تكون مثل الأمير السعيد؟ " هكذا سألت الأم العاقلة ابنها الصغير الذى كان يبكى لتحضر له القمر ، " لم ير أحدا الأمير السعيد يبكى من أجل شيء ."

" أنا مسرور لأن أحدا فى هذا العالم لا يزال سعيدا ." هكذا تمتم رجل يائس وهو ينظر للتمثال الرائع .

" إنه يبدو كالملاك ." هكذا قال أطفال المبرة أثناء خروجهم من الكاتدرائية بمعاطفهم القرمزية وقمصانهم البيضاء النظيفة . فقال لهم مدرس الرياضيات : " كيف عرفتم ، أنتم لم تروا ملائكة من قبل ." فأجاب الأطفال : " بل رأيناهم ، فى أحلامنا ." ، فعبس مدرس الرياضيات وبدا صارما ، لأنه لم يكن يقبل بأن يحلم الأطفال .

وفى إحدى الليالى حلق فوق المدينة سنونو صغير ، كان أصدقاؤه قد ذهبوا إلى مصر منذ ستة أسابيع ، أما هو فتخلف عنهم ، لأنه كان واقعا فى حب قصبة رائعة الجمال ، كان قد قابلها فى الربيع أثناء تحليقه فوق النهر متتبعا فراشة صفراء كبيرة ، فجذبته القصبة بخصرها الرشيق مما جعله يتوقف ليحادثها .

كان السنونو يحب أن يدخل فى الموضوع مباشرة فقال للقصبة : " هل تسمحين لى بأن أحبك؟" ، فأجابت القصبة بانحناء خفيفة ، فحلق السنونو حولها عدة مرات ولامس بجناحيه المياه ليصنع بها دوائر فضية ، هكذا كان يغازلها ، وظلت الأمور كذلك أثناء الصيف .

كان السنونوات الآخرون يقولون : " هذه ارتباط سخيف ، فالقصبة ليس لديها نقود ، ولديها علاقات أخرى كثيرة " وبصراحة فالنهر به العديد من القصبات . وعندما أتى الخريف رحل كل السنونوات بعيدا .

بعد رحيلهم شعر السنونو بالوحدة ، وبدأ يضجر من حبيبته ، قال : " إنها لا تتكلم ، وأخشى أن تكون مدللة ، فدائما ما تقبل مغازلة الريح ." وفى الحقيقة ، فكلما كانت الرياح تهب كانت القصبة تتمايل بشكل رائع . تابع السنونو : " وأعتقد أنها حرون ، فى حين أنى أحب السفر ، وزوجتى بالتالى عليها أن تحب السفر مثلى ."
فسألها فى نهاية الأمر : " هل ستسافرين معى ؟ " ، ولكنها هزت رأسها ، فهى مرتبطة جدا بالوطن .

فصرخ فيها : " لقد كنت تتلاعبين بى ، سأسافر إلى الأهرام ، وداعا . " وطار بعيدا .

ظل يحلق طوال النهار ، وفى الليل وصل إلى المدينة ، وقال :"أين يا ترى سأتوقف ؟ أرجو أن تكون المدينة قد أجرت استعداداتها ."

ورأى بعد ذلك التمثال على العمود الطويل . فصاح : " سأتوقف هنا ، هذا مكان ممتاز ، وعرضة للهواء النقى ." وحط السنونو بين قدمى الأمير السعيد .

" الآن لدى غرفة نوم ذهبية ." هكذا قال السنونو لنفسه وهو ينظر حوله ، ثم أعد نفسه لينام ، ولكن ما أن وضع رأسه تحت جناحه حتى سقطت قطرة ماء كبيرة عليه ، فصاح : " يا له من شيء غريب . لا توجد سحابة واحدة فى السماء ، والنجوم واضحة ولامعة ، ومع ذلك فهى تمطر، إن المناخ فى شمال أوروبا بشع . إن القصبة تحب الأمطار ، ولكن هذا بالطبع نابع من أنانيتها."

ثم سقطت قطرة أخرى . فقال : " ما فائدة التمثال إذا كان لن يحمينى من الأمطار ، على أن أبحث عن فوهة مدخنة مناسبة ." وهم بالطيران . ولكن قبل أن يفرد جناحيه ، سقطت قطرة ثالثة ، فنظر عاليا ، ورأى .. آه ، ما هذا الذى رآه ؟

كانت عينا الأمير السعيد ممتلئة بالدموع ، وكانت الدموع تنحدر على خديه الذهبيين ، كان وجهه جميلا جدا تحت ضوء القمر بحيث امتلأ السنونو الصغير من الشفقة عليه .

قال السنونو : " من أنت؟ "

" أنا الأمير السعيد ."

فسأله السنونو : " ولماذا تبكى إذن ؟ ، لقد بللتنى تماما ."

فأجاب التمثال : " عندما كنت حيا وكان لدى قلب انسان ، لم أكن أعرف أين هى الدموع ، فقد عشت فى قصر سان سوشى ، وهناك لم يكن مسموحا للحزن بالدخول ، فى النهار كنت ألعب مع رفاقى فى الحديقة ، وفى الليل كنت أدعى للرقص فى البهو العظيم ، وحول الحديقة كان هناك سورا عاليا جدا ، ولم أجرؤ أن أسأل ما الذى يدور وراءه ، فكل شيء حولى كان جميلا جدا ، خدمى أطلقوا علىّ اسم الأمير السعيد ، وقد كنت سعيدا حقا ، إذا كان يمكن أن يطلق على اللذة سعادة ، وهكذا عشت ، ثم مت ، والآن وأنا ميت وضعونى هنا فى مكان عال جدا ، بحيث يمكننى رؤية كل القبح والبؤس فى المدينة ، وبالرغم من أن قلبى مصنوع من الرصاص ، إلا أننى لا أستطيع سوى أن أبكى . "

فقال السنونو لنفسه : " ماذا ، أليس من الذهب الصلب ؟" ، كان السنونو مهذبا بحيث لم يقل ملاحظته بصوت عال .

فأكمل التمثال بصوت حزين وخفيض : " هناك بعيدا ، بعيدا فى الشارع الصغير ، هناك بيت فقير ، إحدى نوافذه مفتوحة ، ومن خلالها يمكننى رؤية امرأة تجلس على منضدة ، وجهها نحيف ومرهق ، ويداها خشنتان وحمراوان من وخزات الإبر ، فهى تعمل بالخياطة ، وهى تطرز الأزهار على الفستان الحريرى لوصيفة الملكة المحبوبة لترتديه فى حفلة القصر القادمة . وعلى السرير فى ركن الحجرة يستلقى طفلها الصغير مريضا بالحمى ، يسألها بعض البرتقال ، وليس لدى أمه شيء لتقدمه له سوى مياه النهر ، لذلك فهو يبكى . أيها السنونو ، أيها السنونو الصغير ، ألا تأخذ الجوهرة من مقبض سيفى ؟ فقدماى مقيدتان بالقاعدة ولا يمكننى أن أتحرك ."

فقال السنونو : " إنهم ينتظروننى فى مصر ، أصدقائى يحلقون فوق النيل ، ويتحدثون مع زهور اللوتس الكبيرة . وبعد قليل سوف ينامون فى مقبرة الملك العظيم ، الملك هناك بنفسه داخل التابوت الملون ، ملفوف بالكتان الأصفر ، ومحنط بالأطياب ، حول عنقه سلسلة من اليشب الأخضر الشاحب ويديه مثل ورق الشجر اليابس . "

فقال الأمير : " أيها السنونو ، أيها السنونو الصغير ، ألن تبقى معى ليلة واحدة ، تكون رسولى فيها ؟ فالصبى عطشان جدا ، وأمه حزينة جدا . "

فأجاب السنونو : " أنا لا أظن أننى أحب الصبية ، فى الصيف الماضى عندما كنت أحط عند النهر ، كان هناك ولدان مشاكسان ، كانا ابنا الطحان ، وكانا يقذفاننى دوما بالأحجار ، هما لم يصيبانى بالطبع ، فنحن السنونوات نستطيع الطيران بعيدا من أجل هذا ، إلى جانب ذلك ، فأن جئت من عائلة شهيرة بسرعتها ، ومع ذلك فتصرفهما كان يعبر عن عدم الاحترام . "

ولكن الأمير السعيد بدا حزينا بحيث شعر السنونو بالأسف ، فقال : " الجو بارد جدا هنا ، ولكنى سأظل معك ليلة واحدة ، وأكون رسولك فيها . "

فقال الأمير : " شكرا لك أيها السنونو الصغير . "

وهكذا التقط السنونو الجوهرة العظيمة من سيف الأمير ، وطار بها وهى فى منقاره فوق أسطح المدينة . ومر ببرج الكاتدرائية ، حيث تماثيل الملائكة الرخامية البيضاء . ومر بالقصر وسمع صوت الرقص بالداخل ، وشاهد فتاة جميلة تخرج إلى الشرفة مع حبيبها ، كان يقول لها : " كم هى رائعة النجوم ، وكم هى رائعة قوة الحب . "

فأجابت : " أتمنى أن يكون فستانى جاهزا فى موعده من أجل الحفل الرسمى ، كنت قد طلبت أن تطرز الأزهار عليه ، ولكن الخياطة كسولة جدا . "

ومر فوق النهر ، ورأى المصابيح معلقة على سوارى السفن ، ومر فوق الجيتو (2) ورأى اليهود الكهول يساومون بعضهم ويزنون الأموال فى موازين نحاسية . وفى النهاية وصل للبيت الفقير ، ونظر بالداخل ، كان الطفل يرتعش على السرير بسبب الحمى ، وكانت الأم نائمة ، كانت متعبة جدا ، فقفز إلى الداخل ، ووضع الجوهرة العظيمة على المنضدة بجانب قمع خياطتها ، ثم طار بهدوء نحو السرير وروّح بجناحيه على جبين الصبى . فقال الصبى : " أنا أشعر ببرودة ، لا بد أننى أتحسن . " ثم استغرق فى غفوة لذيذة .

بعدها طار السنونو عائدا للأمير السعيد ، وأخبره بما فعله ، وعلق : " هذا غريب ولكنى أشعر بالدفء الآن بالرغم من أن الجو شديد البرودة . "

فقال الأمير : " هذا لأنك قمت بعمل طيب . " فبدأ السنونو الصغير يفكر ثم استغرق فى النوم ، فالتفكير دوما كان يجعله ينام . وعندما طلع النهار طار نحو النهر ليستحم . " سنونو فى الشتاء ، يالها من ظاهرة لافتة . " هكذا قال أستاذ فى علم الطيور أثناء مروره على الجسر ، ثم كتب خطابا طويلا عن ذلك وبعثه للجريدة المحلية ، كل الناس رددوا ما فى الخطاب ، فقد كان ممتلئا بالكلمات التى لم يستطيعوا فهمها .

قال السنونو : " الليلة سأذهب إلى مصر . " وقد كانت معنوياته عالية جدا لذلك ، فقد زار كل المعالم العامة ، وجلس لوقت طويل على قمة برج الكنيسة ، وأينما ذهب كانت العصافير تزقزق : " يا له من غريب مميز . " ، وهكذا استمتع كثيرا .

وعندما ظهر القمر ، طار عائدا إلى الأمير السعيد ، وصاح : " هل لديك أى طلبات من مصر، فسأبدأ رحلتى . "

فقال الأمير : " أيها السنونو ، أيها السنونو الصغير ، ألن تبقى معى ليلة واحدة أخرى ؟ "

فأجاب السنونو : " إنهم ينتظروننى فى مصر ، أصدقائى غدا سيطيرون نحو الشلال الثانى ، حصان النهر يربض هناك وسط البردى ، وعلى العرش الجرانيتى العظيم يجلس الإله ممنون ، طوال الليل يشاهد النجوم ، وعندما يشرق نجم الصباح يطلق صيحة الفرح ثم يظل صامتا ، وفى الظهيرة تأتى الأسود الصفراء إلى حافة النهر لتشرب ، لديها عيون كالجواهر ، وزئيرها أعلى من صوت الشلال ."

فقال الأمير : " أيها السنونو ، أيها السنونو الصغير هناك بعيدا فى المدينة ، أرى شابا فى علية، يتكئ على مكتب مغطى بالأوراق ، وفى بجانبه قدح فيه حزمة من البنفسج الذابل ، شعره بنى ومجعد ، وشفتاه حمراوان كالرمان ، ولديه عينان كبيرتان حالمتان ، هو يحاول إنهاء مسرحية لمدير المسرح ، ولكنه يشعر بالبرد فلا يستطيع أن يكتب شيئا ، لا توجد نار بمدفئته ، والجوع جعله يخور ."

" سأبقى معك ليلة واحدة أخرى " هكذا قال السنونو ، لأنه بالفعل كان يملك قلبا طيبا ، " هل آخذ له جوهرة أخرى ؟ "

فقال الأمير : " للأسف ، ليس لدى جوهرة الآن ، كل ما يتبقى لى هو عيناى ، هما من الياقوت النادر ، الذى جاؤوا به من الهند من ألف عام ، اقتلع واحدة منهما وخذها إليه ، سيبيعها عند الجواهرجى ، ليشترى طعاما وخشبا للمدفأة ، ولينهى مسرحيته . "

قال السنونو : " أيها الأمير العزيز ، أنا لا أستطيع أن أفعل ذلك ." ثم هم بالبكاء .

فقال الأمير : " أيها السنونو ، أيها السنونو الصغير ، إفعل ما آمرك به ."

وهكذا اقتلع السنونو واحدة من عينى الأمير وطار بها لعلية الطالب ، كان من السهل عليه أن يدخل إليها ، فقد كان هاك شق فى السطح من خلاله تسلل إلى داخل الحجرة ، كان الشاب يدفن رأسه بين يديه ، فلم يكن بإمكانه سماع رفرفة جناحى الطائر ، وعندما رفع رأسه وجد الياقوتة الجميلة موضوعة فوق البنفسج الذابل . فصاح : " لقد بدأوا يقدروننى ، هذه الياقوتة من معجب كبير ، الآن أستطيع إنهاء مسرحيتى ." وبدا سعيدا جدا .

فى اليوم التالى طار السنونو نحو الميناء ، وحط على سارية سفينة ضخمة وتابع البحارة وهم يرفعون الصناديق الثقيلة بواسطة الأحبال ، كانوا يصيحون " ارفع يا فتى " بينما يرتفع كل صندوق ، فصاح السنونو : " أنا ذاهب إلى مصر ." ، ولكن لم يكن أحد يهتم ، وعندما ظهر القمر طار عائدا إلى الأمير السعيد . وصاح قائلا : " جئت لأقول لك وداعا ."

فقال الأمير : " أيها السنونو ، أيها السنونو الصغير ، ألن تبقى معى ليلة واحدة أخرى ؟ "

فأجاب السنونو : " إنه الشتاء ، والبرد القارس سيصل قريبا ، فى مصر هناك الشمس تشع الدفء على أشجار النخيل الخضراء ، والتماسيح تستلقى متكاسلة وسط الطمى ، رفاقى الآن يبنون عشا داخل معبد بعلبك (3) ، واليمام الأبيض والوردى يراقبهم ويغازلون بعضهم البعض ، أيها الأمير العزيز ، علىّ أن أتركك ، ولكنى لن أنساك أبدا ، وفى الربيع القادم سأحضر لك حجرين كريمين بدلا مما أخذتهما منك ، الجوهرة ستكون أكثر احمرارا من الزهرة الحمراء ، والياقوتة ستكون زرقاء كالبحر العظيم . "

قال الأمير السعيد : " هناك فى الميدان بالأسفل ، تقف بائعة أعواد ثقاب صغيرة ، وقد سقطت منها الأعواد فى المزراب ففسدت جميعها ، سيضربها أبوها إن لم تعد إلى البيت ببعض النقود ، وهى الآن تبكى . الفتاة ليس لديها حذاء ولا جوارب ، وتسير برأس عار ، اقتلع عينى الأخرى وأعطها لها ، حتى لا يضربها أبوها . "

فقال السنونو : " سأبقى ليلة واحدة أخرى ، ولكنى لا أستطيع اقتلاع عينك ، ستصير أعمى تماما بعد ذلك . "

فقال الأمير : " أيها السنونو ، أيها السنونو الصغير ، إفعل ما آمرك به ."

فاقتلع السنونو عين الأمير الآخرى ، وتسلل إلى الأسفل بها ، نزل بالقرب من بائعة الثقاب ، وألقى بالجوهرة فى راحة يدها ، فصاحت الفتاة : " يا لها من قطعة زجاجية جميلة ." ثم جرت إلى البيت وهى تضحك .

وهكذا عاد السنونو للأمير وقال : " أنت الآن أعمى ، لذلك سأبقى معك دائما ."

فقال الأمير الطيب : " لا أيها السنونو ، عليك أن تذهب إلى مصر ."

فقال السنونو : " بل سأظل معك دائما ." ونام بين قدمى الأمير .

وطوال اليوم التالى حط السنونو على كتف الأمير ، وأخبره بالعديد من العجائب التى رآها فى البلاد الغريبة ، أخبره عن طيور أبو منجل الحمراء ، التى تقف فى صفوف طويلة على ضفاف النيل ، لتلتقط الأسماك الذهبية بمناقيرها ، وحدثه عن أبى الهول ، القديم قدم العالم نفسه ، والذى يعيش فى الصحراء ، والذى يعلم كل شيء ، وحدثه عن التجار الذين يسيرون ببطء بجانب جمالهم ، ويحملون بأياديهم حب الكهرمان ، وعن ملك جبال القمر ، الأسود مثل الأبنوس ، والذى يعبد بلورة عظيمة ، وعن الثعبان الأخضر العظيم الذى ينام داخل شجر النخيل ، لديه عشرون كاهنا يطعمونه بكعك العسل ، وعن الأقزام الذين يبحرون على أوراق شجر مسطحة ضخمة فى البحيرات العظمى ، ودائما ما يحاربون الفراشات ."

فقال الأمير : " أيها السنونو العزيز ، لقد أخبرتنى بالأشياء العجيبة ، ولكن ليس هناك ما هو أعجب من معاناة الرجال والنساء ، ولا يوجد شيئ غريب بقدر البؤس ، طر فوق المدينة أيها السنونو الصغير ، وأخبرنى عما تراه . "

هكذا طار السنونو فوق المدينة العظيمة ورأى الأغنياء يصنعون البهجة فى بيوتهم الجميلة ، فى حين أن الشحاذين يجلسون عند الأبواب . وطار نحو الأزقة المظلمة ورأى وجوه الأطفال بيضاء من الجوع ينظرون بوهن نحو الشوارع السوداء ، وتحت قنطرة الجسر كان هناك صبيان يستلقيان على ذراع بعضهما ليبقيا أنفسهما دافئين ، يقولان : " كم نحن جوعى ." ، ويصرخ فيهما الشرطى : " ممنوع أن تستلقيا هنا ." ، فيهربان تحت الأمطار .

ثم عاد السنونو وأخبر الأمير بما رآه ، فقال الأمير : " أنا مغطى بالذهب الخالص ، عليك أن تنتزعه طبقة وراء طبقة ، وتعطيه للفقراء ، فالأحياء دائما ما يعتقدون أن الذهب يمكنه جعلهم سعداء ."

أخذ السنونو ينتزع الذهب طبقة وراء طبقة ، حتى بدا الأمير السعيد رماديا ورثا تماما ، طبقة وراء طبقة من الذهب الخالص كان يحضرها للفقراء ، حتى أصبحت وجوه الأطفال مشرقة ، وضحكوا ولعبوا فى الشوارع ، كان يصيحون : " لدينا الخبز الآن ."

ثم جاء البرد القارس ، وبعد البرد الثلوج ، بدت الشوارع وكأنها مصنوعة من الفضة ، كانت ناصعة ومضيئة ، والبَرَد كأنه مُدى بللورية معلقة على أفاريز البيوت ، كل من يخرج كان يرتدى الفرو ، والصبية الصغار كانوا يرتدون قبعات أرجوانية ويتزلجون على الجليد .

كان السنونو الصغير الطيب يشعر بالبرد شيئا فشيئا ، ولكنه لم يترك الأمير ، لأنه كان يحبه كثيرا ، كان يلتقط كسر الخبز من خارج باب الخباز حينما كان الخباز يولى وجهه ، وكان يحاول ابقاء نفسه دافئا برفرفة جناحيه .

ولكن فى النهاية عرف أنه سيموت ، كان لديه بعض القوة ليطير نحو كتف الأمير مرة أخرى ويتمتم : " وداعا أيها الأمير العزيز ، هل تسمح لى بأن أقبل يدك ."

فقال الأمير : " أنا سعيد لأنك ستذهب إلى مصر أخيرا أيها السنونو الصغير ، فقد بقيت طويلا هنا ، ولكن عليك أن تقبلنى فى شفتىّ ، لأننى أحبك ."

فقال السنونو : " أنا لست ذاهبا إلى مصر ، بل إلى منزل الموت ، الموت شقيق النوم ، أليس كذلك ؟" ثم قبل الأمير السعيد فى شفتيه ، ثم سقط ميتا عند قدميه .

فى هذه اللحظة سُمع صوت شرخ عظيم داخل التمثال ، وكأن شيئا قد كُسر ، والحقيقة أن القلب المصنوع من الرصاص انشق إلى نصفين ، لقد كان الصقيع بشعا بالفعل .

فى باكر اليوم التالى ، كان العمدة يسير فى الميدان بالأسفل ومعه مستشارى المدينة ، أثناء مروروهم على العمود ، نظر العمدة نحو التمثال وقال : " ياللهول ، كم يبدو الأمير السعيد رثا ."

فصاح المستشاران : " كم يبدو رثا فى الحقيقة ." فقد كانا يوافقان العمدة دوما ، ثم صعدا لينظرا إليه .

قال العمدة – وكان يقول الحقيقة - : " لقد سقطت الجوهرة من سيفه ، وكذلك عيناه ، ولم يعد ذهبيا كما كان ، إنه ليس أفضل كثيرا من شحاذ ."

فقال المستشاران : " ليس أفضل من شحاذ ."

تابع العمدة : " وهناك عند قدميه يقبع طائر ميت ، علينا أن نصدر قرارا لا يسمح بأن تموت الطيور هنا ." فسجل كاتب المدينة هذا الاقتراح .

وهكذا أسقطوا تمثال الأمير السعيد ، " طالما لم يعد جميلا فهو غير مفيد ." هكذا قال أستاذ الفن بالجامعة . وصهروا التمثال فى الفرن ، وعقد العمدة اجتماعا لمجلس المدينة ليقرروا ماذا يفعلون بالمعدن ، قال العمدة : " علينا أن نصنع تمثالا آخر ، وسيكون تمثالا لى . "

فقال مستشارا المدينة : " سيكون تمثالا لى . " ، ثم تشاجرا ، آخر مرة سمعتهم فيها كانا لا يزالا يتشاجران .

" ياله من شيء غريب ." هكذا قال ملاحظ العمال فى مسبك المعادن " هذا الرصاص المكسور لا ينصهر فى الفرن ، علينا أن نلقيه إذن ." ، فألقوه على كومة القمامة حيث رُمى السنونو الميت .

قال الله لملائكته : " أحضروا لى أكثر شيئين ثمينين فى هذه المدينة ." ، فأحضروا له القلب المصنوع من الرصاص والطائر الميت . فقال الله : " لقد أحسنتم الاختيار ، فالطائر الصغير سيغنى إلى الأبد فى حديقة الفردوس ، والأمير السعيد سيمدحنى للأبد فى مدينتى الذهبية . "

***

(1)weathercock ديك من المعدن كان يوضع على الأبنية القديمة ليحدد اتجاه الرياح ، يمكنكم رؤيته فى مصر على قمة بعض الكنائس القديمة .

(2) الجيتو فى أوروبا هو مكان تجمع اليهود ، مثل حارة اليهود لدينا

(3)لا أعرف أى معبد يقصد

***

ملحوظة : على حد علمى فقصة الأمير السعيد ترجمت أكثر من مرة إلى اللغة العربية ، وإن كنت لم أطلع على أى ترجمة منها ، ولكن فى حالة الرغبة فى استخدام هذه الترجمة بأى طريقة فرجاء ذكر اسم المترجم ومصدر الترجمة .

للنص الانجليزى اضغط هنا