2010-07-25

أسطورة سيزيف- كامو- اقتباسات


" هناك مشكلة فلسفية هامة ووحيدة، هى الانتحار فالحكم بأن الحياة تستحق أن تعاش يسمو إلى منزلة الجواب على السؤال الأساسى فى الفلسفة. وكل المسائل الباقية تأتى بعد ذلك."
***
" لم أر أحدا مات من أجل التفكير فى الكينونة، فجاليليو الذى عرف حقيقة ذات أهمية عظيمة، تخلى عنها بكل سهولة فى اللحظة التى هددت فيها حياته."
***
" هنالك فى تعلق الإنسان بالحياة شيء أقوى من كل شرور العالم."
***
" إذا قال أحد إن كل شيء هو زائف فإن ذلك البيان نفسه زائف."
***
" إن الإنسان هو دائما ضحية حقائقه، فإنه حين يقر بها، لا يستطيع أن يحرر نفسه منها."
***
" إن العقائد التى تفسر لى كل شيء تضعفنى... إنها تخفف عنى عبء حياتى، بيد أنه من الواجب علىّ أن أحمل هذا العبء وحدى."
***
" إن معرفة كون الإنسان حرا أو غير حر أمر لا يهمنى، أستطيع فقط أن أجرب حريتى أنا."
***
" هذا هو النبوغ حقا: الذكاء الذى يعرف حدوده."
***
" (إن) الموقف الصحيح يشتمل على الأخطاء أيضا."
***
" احذر أولئك الذين يقولون: اننى أعرف ذلك كل المعرفة، إلى درجة أننى لا أستطيع أن أعبر عنه. لأنهم إذا لم يكونوا قادرين على ذلك فهذا يرجع إلى أنهم لا يعرفونه، أو لأنهم وقفوا خارج السطح بسبب من كسلهم."
***
" (يقول) نيتشه: الفن، ولا شيء غير الفن، لدينا الفن لكى لا نموت بسبب الحقيقة."
***
" فى بعض الرجال تكون نار الأبدية عظيمة عظمة تكفيهم ليحرقوا فيها أقرب الناس إليهم."

ألبير كامو
أسطورة سيزيف
ت: أنيس زكى حسن 

2010-07-18

حوار اسرائيل شنكر مع بيكيت 1956



حوار اسرائيل شنكر مع بيكيت، فى النيويورك تايمز، 5 مايو 1956

ترجمة أمير زكى
يوليو 2010
شكر خاص لـ ريس ترنتر
Special thanks to Rhys Tranter

اسرائيل شنكر (ولد عام 1925) صحفى أمريكى بالنيويورك تايمز، ينشر الحوار المهم الأول مع صمويل بيكيت.

***
أبواه أيرلنديان، ولد فى دبلن عام 1906، وبعد هذا التاريخ بخمسين عاما أصبح لدى صمويل بيكيت – رجل الأدب الكئيب البائس – مسرحية تعرض ببرودواى.

النقاد والجمهور وحتى الممثلين فى (فى انتظار جودو) يتساءلون عما يريد بيكيت قوله، هناك اتفاق عام على إنه غير مدعى ولكن هذا لا يخفف كثيرا من غموض رسالته.

بيكيت لا يميل لتقديم تفسيرات، وهو يصر على أنه لم يجر حوارات، ويحيل هؤلاء الذين يطلبون آراءه إلى أعماله المنشورة.

لقاء بيكيت أقل صعوبة نسبيا من لقاء جودو، الذى لا يظهر قط فى المسرحية* على الرغم من أن الجميع بانتظاره. عنوان بيكيت بباريس لا يزال سريا، ولا يوجد هناك أكثر من دزينة أفراد يعرفون مكان منزله الريفى.

بيكيت رفيع الجسد، وذو مظهر مهيب، وكأنه رسول حاد الطباع، ولكنه لا يهتم بشكله، فإذا بدت ملابسه وكأنه نام بها (وهى كذلك) فلا يبدو أنه يلاحظ.

شقته بباريس تقع بالطابق الثامن فى عمارة ليست أقل كثيرا من عمارات الطبقة المتوسطة بالمدينة. عدد من لوحات الكانفا معلق على الحوائط. منزله الريفى تم شراءه من مقابل حقوق (جودو). أرضية الحديقة مغطاة بالحصى، عمل بيكيت لساعات طويلة لينظف المكان وليشذب عشب الأرضية.. غرس هناك أشجارا، ولا يزال يعمل كبستانى بسيط ونشيط. هناك صديق علق على ذلك وقال: " بيكيت لديه ميل للانحطاط، ليبعد نفسه عن التفكير، كشخصية من شخصيات كتبه."

يتكلم بيكيت بتردد معذب، بالضبط مثل شخصياته، ولكنه يتكلم أيضا بذكاء، هو يخاف أن يستسلم لكلماته، فهو يعرف أن الكلام هو مجرد طريقة أخرى لإثارة الغبار. وإذا كان سيتخفف من موقفه تجاه الحوارات فهذا هو ما سيقوله (لقد قال الآتى كله، بنفس صياغة الجمل):

" جئت باريس لأول مرة كطالب بكلية ترينيتى عام 1926، وجئت أيضا كمحاضر بمدرسة المعلمين العليا عام 1928. ثم تم اختيارى كمساعد أستاذ للغة الفرنسية فى دبلن لفترة 3 سنوات، استقلت بعد أربعة فصول دراسية، لم أحب التدريس، ولم استطع الاستقرار للعمل، لذلك تركت أيرلندا."

" ذهبت إلى ألمانيا، إلى لندن، وعدت لدبلن، كنت أتنقل من هنا لهناك، هذه كانت فترة مربكة لعقلى."

" لدىّ أخ أكبر، يعمل مُسّعِر مبانى، مثل أبى، أخذ أخى عمل أبى على عاتقه بعدما توفى الأخير."

" لم أحب العيش فى أيرلندا، أنت تعرف هذا، الثيوقراطية، الرقابة على الكتب، هذه الأشياء.. أفضل العيش بالخارج، فى 1936 عدت لباريس وعشت فى فندق لبعض الوقت، ثم قررت أن أستقر وأعيش حياتى هنا."

" عندما كانت أمى حية كنت أذهب إليها لمدة شهر كل عام، توفت أمى عام 1950."

" أنا لم أكن أبدا سكرتيرا لجويس، ولكنى ساعدته مثل كل أصدقاءه. هو كان عاجزا بدرجة كبيرة بسبب عينيه.. قمت بأعمال صغيرة له، كترقيم الفقرات أو القراءة من أجله، ولكنى لم أكتب أبدا أيا من أعماله."

" لقد كنت فى أيرلندا عندما بدأت الحرب عام 1939، ثم عدت لفرنسا، لقد فضلت فرنسا فى الحرب على أيرلندا فى السلم.. لقد فعلت ذلك فى الوقت المناسب، لقد كنت هنا حتى عام 1942، وبعدها كان علىّ أن أرحل، لذا ذهبت إلى فوكليز** بسبب الألمان."

" أثناء الحرب، كتبت كتابى الأخير بالإنجليزية، والذى كان (وات)، وبعد الحرب عدت لأيرلندا عام 1945، وعدت مع الصليب الأحمر الأيرلندى كمترجم وأمين مخازن، ولكنى لم أبق طويلا مع الصليب الأحمر."

" على الرغم من أننى كنت مضطرا إلى أن أرحل عام 1942، إلا أننى كنت قادرا على الاحتفاظ بشقتى فعدت إليها وبدأت الكتابة مرة أخرى بالفرنسية، شعرت برغبتى فى هذا، الكتابة بالفرنسية كانت خبرة مختلفة عن الكتابة بالإنجليزية وأكثر إثارة بالنسبة لى."

" كتبت أعمالى سريعا جدا، ما بين 1946 و1950، لم أكتب شيئا من ساعتها، أو على الأقل ليس شيئا ذا قيمة بالنسبة لى. الأعمال التى كتبتها بالفرنسية أوصلتنى إلى نقطة إننى كنت أقول نفس الشيء مرارا وتكرارا. بالنسبة لبعض الكتاب تسهل الكتابة كلما كتبوا، بالنسبة لى تكون أكثر صعوبة، فالإمكانيات تضيق أكثر فأكثر."

" لقد قرأت كافكا بالألمانية، قراءة جادة، باستثناء بضعة أشياء بالفرنسية والإنجليزية، (القلعة) بالألمانية، علىّ أن أقول إنه من الصعب الوصول للنهاية. بطل كافكا لديه وحدة غرض، هو ضائع ولكنه غير مهتز روحيا، إنه غير محطم، شخصياتى تبدو محطمة. هناك اختلاف آخر، ستلاحظ أن شكل كافكا كلاسيكى، يمضى كعربة رصف، وهو خامد غالبا، يبدو وكأنه مهدد طوال الوقت، ولكن الذعر يكون فى الشكل. فى عملى، فالذعر يكون فيما وراء الشكل، لا الشكل."

" مع نهاية عملى لا يتبقى سوى الغبار، سوى المسمى. فى كتابى الأخير (اللا مسمى) هناك تفسخ كامل، ليس هناك (أنا)، ليس هناك (ملكية)، ليس هناك (وجود)، لا فاعل، لا مفعول، لا فعل، لا توجد طريقة للاستمرار."

" العمل الأخير الذى كتبته (نصوص من أجل لا شيء) كان محاولة للخروج من هذه الحالة ولكن المحاولة فشلت."

" بالنسبة لجويس فالاختلاف بيننا هو أنه متمكن تماما من أدواته، ربما يكون الأعظم، هو يستخدم الكلمات بحيث تقدم الحد الأقصى من المطلوب. لا يوجد مقطع زائد عن الحاجة. بالنسبة لعملى فأنا غير متمكن من مادتى. كلما عرف جويس كلما عمل، هو يميل لفكرة العلم والقدرة الكلية للفنان، أنا أعمل فى العجز والجهل. لا أعتقد أن العجز استغل فى الماضى. يبدو أن هناك نوع من البديهية الاستطيقية ترى أن التعبير هو إنجاز، أو لا بد أن يكون إنجازا. اكتشافى الضئيل هو لهذا المدى الكامل من الوجود الذى كان دوما يوضع جانبا من قبل الفنانين كشيء غير مفيد، كشيء بالضرورة متضارب مع الفن."

" اعتقد أن أى أحد فى هذه الأيام يلقى انتباها ولو ضئيلا لخبرته الذاتية، سيكتشف أنها خبرة عدم المعرفة، وعدم الاستطاعة (الشخص الذى لا يستطيع). النوع الآخر من الفنانين (الأبولونى) هو بالضرورة غريب عنى."

ولما سؤل بيكيت إن كان نسقه هو غياب النسق قال: " أنا لا أستطيع رؤية أى أثر لأى نسق فى أى مكان."

هل بيكيت غير مهتم بالاقتصاد؟، ألا يعالج أبدا قضايا مثل كيف تكسب شخصياته عيشها؟ قال بيكيت: " شخصياتى ليس لديها شيء." ثم ترك الموضوع.

سألته: لماذا اختار أن يكتب مسرحية بعد كتابة الروايات؟ أجاب: " أنا لم أختر أن أكتب مسرحية، الأمور حدثت هكذا."

النقاد قالوا إن بناء مسرحية (جودو) ومضمونها يجعلان المؤلف قادرا على أن يترك قلمه فى أى لحظة. يرفض بيكيت: " فصل واحد كان قليلا جدا، وثلاثة فصول كثيرة جدا."

يتحرك بيكيت كحيوان مجروح فى شقته بباريس. ويشكو قائلا: " رواية اللا مسمى وضعتنى فى موقف لا أستطيع أن أحرر نفسى منه."

ماذا ستفعل إذن عندما لا تجد شيئا تفعله، هل ستفعل مثل الآخرين، ستستمر فى المحاولة؟
أجاب بيكيت: " هناك آخرون، مثل نيكولاس دى ستيل***، ألقوا أنفسهم من النافذة بعد سنوات من الكفاح."


* فى انتظار جودو
** بجنوب فرنسا
*** 1914-1955 فنان تشكيلى فرنسى من أصل روسى، انتحر ملقيا نفسه من النافذة بعد معاناة مع الاكتئاب Nicolas de Staël

2010-07-11

مسرحية كارثة لصمويل بيكيت


كارثة
تأليف: صمويل بيكيت

إهداء المؤلف إلى فاتسلاف هافل*
كتبت بالفرنسية عام 1982، عرضت لأول مرة فى مهرجان أفينون عام 1982، نشرت بالإنجليزية لأول مرة عن دار فيبر آند فيبر، لندن 1984

ترجمة: أمير زكى
عن الإنجليزية، يوليو 2010

نشر فى جريدة مسرحنا 2/8/2010

* الشخصيات:
- المخرج (م)
- مساعدته (س)
- البطل (ب)
- لوقا: المسئول عن الإضاءة، لا يظهر على المسرح (ل)

بروفة مسرحية، اللمسات الأخيرة للمشهد الأخير، المسرح خال، م ول ضبطا الإضاءة للتو، م يصل فى الحال.
م يجلس بالأسفل على كرسى بذراعين، على يسار الجمهور، يرتدى معطفا من الفرو، وقبعة من الفرو أيضا، العمر والشكل غير مهمين.
س تقف بجانبه، ترتدى (أوفرول) أبيض، عارية الرأس، هناك قلم رصاص على أذنها، العمر والشكل غير مهمين.
ب فى منتصف المسرح، يقف على قاعدة سوداء بارتفاع 18 بوصة، يرتدى قبعة ذات حواف واسعة، يلبس رداء أسود يصل إلى قدميه، حافى القدمين، رأسه منحن، يديه فى جيوبه، العمر والشكل غير مهمين.

م وس يتأملان ب، صمت طويل.
س: [أخيرا] هل يعجبك مظهره؟
م: إلى حد ما [صمت] لم القاعدة؟
س: لتتيح للصفوف الأمامية رؤية القدمين.
[صمت]
م: لم الرداء؟
س: ليجعله كله أسود.
م: وماذا يرتدى وراءه؟ [م يتحرك تجاه ب] تكلمى.
[س تتردد]
س: ثيابه الليلية.
م: اللون؟
س: رماد.
[م يخرج سيجارا]
م: شعلة [س تعود، تشعل السيجار، تقف ساكنة، م يدخن] ماذا عن الرأس؟
س: لقد رأيته.
م: لقد نسيت [م يتجه نحو ب] تكلمى.
[س تتردد]
س: متساقط الشعر، شعيرات قليلة.
م: اللون؟
س: رماد.
[صمت]
م: لماذا يديه فى جيوبه؟
س: هذا يساعد على جعله كله أسود.
م: ليس من المفترض أن يكون هكذا.
س: سأدون ذلك. [تُخرج مفكرة، تتناول القلم، تدون] اليدان مكشوفتان.
[تعيد المفكرة والقلم]
م: ماذا عنهما [ س فى حيرة. بنفاد صبر] اليدين، ماذا عن اليدين؟
س: لقد رأيتهما؟
م: لقد نسيت.
س: معاقتان، تحلل فى الأنسجة.
م: كالمخالب؟
س: إذا كنت تحبهما كذلك.
م: مخلبان؟
س: إن لم يُحكِم قبضتيه.
م: ليس من المفترض أن يفعل هذا.
س: سأدون ذلك. [تُخرج المفكرة، تتناول القلم، تُدون] اليدان مرخيتان.
[تعيد المفكرة والقلم]
م: شعلة. [تعود س، تعيد إشعال السيجار، تقف ساكنة، م يدخن] حسنا، والآن دعينا نلقى نظرة. [ س فى حيرة. بنفاد صبر] إذهبى، إسقطى الرداء. [ينظر إلى ساعته] إسرعى، لدىّ اجتماع.
[س تذهب لـ ب، تُسقط رداءه، ب ينحنى قليلا، س تتراجع، رداءه على ذراعها.
ب يرتدى بيجامة رمادية قديمة، وجهه منحن، قبضتيه محكمتين، صمت]
س: هل يعجبك أكثر بدون رداء؟ [صمت] إنه يرتعش.
م: ليس كل هذا، القبعة.
[س تتقدم، تخلع من ب القبعة، تتراجع، القبعة فى يدها، صمت]
س: هل تعجبك الجمجمة؟
م: تحتاج للتبييض.
س: سأدون ذلك. [تخرج المفكرة، تتناول القلم، تدون] تبييض الجمجمة.
[تعيد المفكرة والقلم]
م: اليدان [س فى حيرة. بنفاد صبر] القبضتان، إذهبى. [س تتقدم، تفك إحكام القبضتين، تتراجع] وبيضيهما.
س: سأدون ذلك [تستخرج المفكرة، تتناول القلم، تدون] تبييض اليدين.
[تعيد المفكرة والقلم، يتأملان ب]
م: [أخيرا] هناك خطأ ما. [بانفعال] ما هو؟
س: [بخجل] ماذا لو.. لو.. ضممناهما؟
م: لا ضير من المحاولة [س تتقدم، تضم اليدين، تتراجع] أعلى. [س تتقدم، ترفع اليدين المضمومتين فوق الخصر، تتراجع] أعلى قليلا. [س تتقدم، ترفع اليدين المضمومتين أعلى الصدر] توقفى. [س تتراجع] هذا أفضل، نحن نقترب. شعلة.
[س تعود، تعيد إشعال السيجار، تقف ساكنة، م يدخن]
س: إنه يرتعش.
م: ليرحمه الله.
[صمت]
س: [بخجل] ماذا عن.. عن كمامة صغيرة؟
م: بحق الله، هذا الولع بالوضوح وكشف التفاصيل إلى النهاية، كمامة صغيرة.. بحق الله.
س: من المؤكد أنه لن ينطق؟
م: ولن يصرّ**. [ينظر إلى ساعته] لقد حان الوقت، سأذهب وأرى كيف يبدو من المقاعد الخلفية.
[يخرج م، ولا يظهر ثانية، س تسترخى على الكرسى، ولكن ما أن تفعل حتى تقوم على الفور، تخرج فوطة، تمسح بانفعال ظاهر وباطن الكرسى، ترمى الفوطة، تجلس مرة أخرى، صمت]
م: [من الخارج، بمرارة] أنا لا أستطيع رؤية أصابع القدمين. [بنفاد صبر] أجلس فى الصف الأمامى من الخلفية ولا أستطيع رؤية أصابع القدمين.
س: [تنهض] سأدون ذلك. [تخرج المفكرة، تتناول القلم، تدون] رفع القاعدة.
م: هناك أثر للوجه.
س: سأدون ذلك.
[تخرج المفكرة، تتناول القلم، تتهيأ للتدوين]
م: إخفضى الرأس. [ س فى حيرة. بنفاد صبر] إذهبى، إخفضى الرأس.
[س تعيد المفكرة والقلم، تذهب إلى ب، تخفض الرأس أكثر، تتراجع] إخفضيه مرة أخرى. [س تتقدم، تخفض الرأس أكثر] توقفى. [س تتراجع] رائع، نحن نقترب. [صمت] بإمكاننا أن نزيد من عريه.
س: سأدون ذلك.
[تخرج المفكرة، تتهيأ لتناول القلم]
م: إذهبى.. إذهبى. [ س تعيد المفكرة، تذهب لـ ب، تقف مترددة] عرّى الرقبة. [تفك س الأزرار العلوية، تباعد الياقتين، تتراجع] القدمين، الساقين. [س تتقدم، فردة بنطلون إحدى القدمين إلى ما تحت الركبة، تتراجع] الأخرى. [تفعل الشيء نفسه مع القدم الأخرى، تتراجع] أعلى، فوق الركبة. [س تتقدم وتثنى فردتى البنطلون إلى ما فوق الركبة، تتراجع] وبيضيهما.
س: سأدون ذلك. [تخرج المفكرة، تتناول القلم، تدون] تبييض كل الجلد.
م: نحن نقترب، هل لوقا هنا؟
س: [تصيح] لوقا. [صمت، بصوت أعلى] لوقا.
ل: [من الخارج، من مسافة بعيدة] أنا أسمعك. [صمت، أقرب] ما المشكلة الآن؟
س: لوقا هنا.
م: إظلم المسرح.
ل: ماذا؟
[س تنقل له بتعبيرات فنية، تنطفئ الإضاءة، إلا عن ب وحده، س تبدو كظل]
م: الرأس فحسب.
ل: ماذا؟
[س تنقل له بتعبيرات فنية، تنطفئ الإضاءة عن جسد ب إلا عن رأسه فقط. صمت طويل]
م: مدهش.
[صمت]
س: [بخجل] ماذا لو.. لو.. رفع رأسه.. للحظة.. ليظهر وجهه.. فقط للحظة.
م: بحق الله، وماذا بعد ذلك؟ يرفع رأسه؟ أين تظنينا نوجد؟ فى باتاجونيا؟*** يرفع رأسه؟ بحق الله.[صمت] جيد. هذه هى كارثتنا، فى المتناول. مرة أخرى وسأرحل.
س: [لـ ل] مرة أخرى وسيرحل.
[إضاءة تظهر على جسد ب، سكون، إضاءة عامة]
م: توقف [صمت] الآن، دعه يحصل عليه. [تنطفئ الإضاءة العامة، صمت. تنطفئ إضاءة الجسد. الإضاءة على الجسد فقط. الإضاءة على الرأس فقط. صمت طويل] مدهش، سيجعلهم يقفون على أقدامهم، أستطيع سماع تصفيقهم من هنا. [صمت. عاصفة بعيدة من التصفيق. ب يرفع رأسه، ينظر للجمهور، التصفيق يخفت، يتوقف. صمت طويل]
[تنطفئ الإضاءة من على الوجه]









* كاتب مسرحى وسياسى تشيكى، يعتبر آخر رئيس لتشيكوسلوفاكيا وأول رئيس للتشيك، وقت كتابة المسرحية كان هافل معتقلا لنشاطه السياسى ضد النظام الشيوعى بتشيكوسلوفاكيا.
** من صرير
*** باتاجونيا تقع فى جنوب أمريكا الجنوبية، حيث الأرجنيتن وشيلى

2010-07-04

كتاب اللا طمأنينة/ اقتباسات


" الحالمون بالممكن والمنطقى القريب يثيرون شفقتى أكثر من الحالمين بالبعيد والغريب. الحالمون بالكبير، هم إما مجانين يؤمنون بما يحلمون محققين بذلك سعادتهم الخاصة وإما هذيانيون بسطاء ممن يمثل الهذيان بالنسبة إليهم موسيقى روحية تهدهدهم بدون أن تقول لهم شيئا. لكن من يحلم بالممكن لديه دوما الإمكانية الواقعية لخيبة الأمل الحقيقية. لا يمكن أن يؤثر فىّ كثيرا لو تخليت عن أن أكون امبراطورا رومانيا، لكن يمكن أن يؤلمنى عدم قدرتى على محادثة الخياطة التى تجتاز، حوالى الساعة التاسعة صباحا، الزاوية اليمنى من الشارع. الحلم الذى يعدنا بالمستحيل يحرمنا منه بمجرد الاستسلام للحلم. لكن الحلم الذى يعدنا بالممكن يندرج فى الحياة الفعلية ويفوض لها إمكانية تحقيقه، الأول يحيا منفصلا ومستقلا؛ الثانى خاضعا لاحتمالات الحدث."
" لا أنام إلا عندما أحلم بما لا وجود له، وأستيقظ فقط عندما أحلم بما يمكن أن يوجد."
***
" تجاوزت منعطف الطريق، كن فتيات كثيرات. مغنيات أتين عبر مسيرهن، سعيدات كن من خلال نبرة أصواتهن. لا أدرى ماذا سيصرن. أصغيت للحظة إليهن من بعيد، بدون إحساس خاص. أحسست بمرارة فى القلب لأجلهن.
أللمستقبل الذى ينتظرهن؟ ألأجل لا وعيهن؟ لا ليس لأجلهن مباشرة، من يدرى؟ ربما لأجلى أنا فحسب."
***
" لم يكن لدىّ أبدا فى أى وقت من الأوقات من يمكن تسميته بـ (المعلم). لم يمت لأجلى أى مسيح. لم يدلنى بوذا على الطريق. فى أعلى أحلامى ، لم يتجل أى أبولو أو أثينا كى ينير لى الروح."
***
" دائما عندما يحدثنى أحدهم عن أحلامه أفكر فيما لو لم يكن قد فعل شيئا آخر غير الحلم!"
***
" كونى لا أحد فى العالم هو الميتا فيزيقا برمتها."
***
" (أنا) بحجم ما أراه.. لا بحجم قامتى."
***
" علىّ أن أحس دائما مثل الملاعين الكبار، أن للتفكير أفضلية دائمة على العيش."
***

" إن الطيبة هى محض نزوة مزاجية.. لا يحق لنا أن نجعل من الآخرين ضحايا لنزواتنا."

***

" تتعبنى الأشياء كلها، حتى تلك التى لا تتعبنى، مسراتى مؤلمة كلها مثل آلامى.

ليتنى كنت طفلا يضع مراكب من ورق فى بركة إحدى الضيعات الريفية بمظلة خشنة من تشابكات عريشة تصنع فتحات من ضوء وظل أخضر فى الانعكاسات المعتمة للماء الضحل.

بينى وبين الحياة بلور رقيق. ولست بقادر على مسها، بسبب رؤيتى وإدراكى الجليين جدا لها.

أو علىّ أن أعقلن كآبتى؟ لأجل ماذا، طالما العقلنة تتطلب مجهودا؟ من هو حزين ليس بمقدوره بذل المجهود.

لست بقادر على التخلى عن تلك الحركات المبتذلة الدالة على الحياة والتى طالما رغبت فى التخلى عنها. التخلى يحتاج إلى جهد، وأنا لا أمتلك الروح المحفزة على بذل الجهد.

كم من مرات أحزننى ألا أكون أنا مشغل تلك السيارة، أو سائق هذا القطار؛ إن حياة أى شخص آخر عامى مفترض، تغرينى بأن أرغب فى أن تكون حياتى فقط لأنها ليست بحياتى.

وخوفى من الحياة لا يماثل خوفى من الأشياء. إن مفهوم الحياة ككل لا يثقل على كاهل تفكيرى.

أحلامى عبارة عن ملاذ بليد. مثل مطرية موجهة للاحتماء من شعاع.

لكم أنا خامد، كم أنا مسكين، لكم أفتقر إلى الحركات و الأفعال.

كل سبل أحلامى ستقود إلى تجليات الغم.

حتى أنا الحالم دوما، تأتينى بعض اللحظات التى يهرب الحلم منى فيها؛ حينئذ تبدو الأشياء واضحة بالنسبة إلى، فينزاح ضباب ما يحيط بى. وكل النتوءات المرئية تجرح بحدة جلد روحى. كل القساوات المرئية تؤذى ما بداخلى من قساوات.

كل أعباء وضغوط الأشياء المرئية تثقل على من داخل الروح.

حياتى هى جَلَدى الدائم بحياتى نفسها."

***

" سعداء هم أولئك الذين يتوصلون إلى ترجمة معاناتهم إلى الكونى. أنا لا أعلم حالة العالم أحزين هو أم مريض ولا يعنينى ذلك لأن ما يعانيه الآخرون يبدو لى مضجرا وغير جدير بالاكتراث."

" ولست بمتشائم. لست أشكو رعب الحياة. أشكو رعب حياتى وحدها. الحدث الوحيد المهم بالنسبة إلىّ هو حدث وجودى على قيد الحياة."

***

" الروح الإنسانية هى ضحية حتمية للألم، تقاسى ألم مفاجأة الألم، حتى مع ما تتوقعه من آلام. الرجل الذى يتحدث طوال حياته عن التقلبات الأنثوية كأمور طبيعية وأصلية، سوف يجرب كل ألم المفاجأة عندما يجد نفسه مخونا فى الحب... والآخر الذى كل الأشياء بالنسبة إليه ألم وفراغ، سيشعر كما لو أن صاعقة مفاجئة أصابته عندما يكتشف أن الآخرين يعتبرون ما يكتبه سخافة. أو أن مجهوده فى التعليم عقيم أو أن تأثير عاطفته زائف.

لا ينبغى الاعتقاد بأن الرجال الذين يتعرضون لهذه البلاوى، ولما يماثلها، قد كانوا قليلى الصراحة فيما قالوه، أو كتبوا عنه، وأن تلك المصائب كانت متوقعة ويقينية. لا وجود لأى علاقة بين صراحة التأكيد الذكى المعقلن وفطرية الانفعال التلقائى. ولعل الروح إنما تتلقى مفاجآت من هذا النوع، فقط لأن الألم لا ينقصها، ولأن الخزى لا يترك لها مجالا للمصادفة، ولأن الغم لا ينقصها كجزء معادل من الحياة. كلنا متساوون فى مقدرتنا على الخطيئة وعلى المعاناة. وحده العديم الإحساس لا يصيبه شيء؛ والناس الأكثر سموا، والأكثر نبالة، الأكثر فراسة، هم الذين يقعون فريسة لما توقعوه واحتقروه. وهذا ما يدعى الحياة."

***

" عليك بتأجيل كل شيء. لا ينبغى أبدا أن تعمل اليوم ما يمكن أيضا أن تؤجل عمله غدا.

ليس حتى ضروريا عمل شيء. غدا.

لا تفكر أبدا فيما ستفعله. لا تفعله.

عش حياتك. لا تدعها تعيشك.

فى الصواب وفى الخطأ، فى الرخاء وفى الشدة، إعرف كينونتك الخاصة. فقط بإمكانك أن تفعل ذلك حالما، لأن حياتك الواقعية، حياتك الإنسانية هى تلك التى ليست حياتك وإنما حياة الآخرين. هكذا تستبدل بالحلم الحياة وستحرص فحسب على أن تحلم بإتقان. فى كل أفعال حياتك- الواقعية، منذ الولادة حتى الموت، أنت لم تفعل شيئا: كنت مفعولا به؛ أنت لم تعش: كنت معيوشا فحسب.

تحول بالنسبة إلى الآخرين أبا هول سخيفا. أغلق على نفسك، لكن بدون صفق الباب، فى برج من عاج هو أنت ذاتك.

وإذا قال لك أحدهم إن هذا الوضع مصطنع ولا معقول، لا تصدقه. لكن كذلك لا تصدق ما أقوله لك، لأنه لا يجب تصديق أى شيء.

ازدر كل شيء، لكن على نحو لا يسبب لك معه الازدراء أى مضايقات. لا تعتبر نفسك أعلى من ازدرائك. فن الازدراء يمكن فى هذا بالذات."

 

فرناندو بيسوا

كتاب اللا طمأنينة

ت: المهدى أخريف