2012-09-10

كل الأحكام هي أحكام بالموت


الوقوف أمام المحكمة كمتهم يعني أن تكون مضطرا لتبرير نفسك أمام كل الحاضرين، غالبا أنت تحاول تبرئة نفسك من جريمة أو خطيئة، وأنت مضطر أيضا لأن تكشف نفسك وتقريبا تاريخك أمام أناس ربما لم تكن لتسمح لهم بأن يدخلوا إلى عالمك.

ميرسو بطل رواية كامو "الغريب"يتصور أمر المحاكمة (التي تمت في الفصلين الثالث والرابع من الكتاب) كله كتمثيلية، الشرطي الذي يرافق ميرسو يقول له إن كثرة القضايا تشعره بالملل، وربما الأمر كذلك بالفعل، فالقضية متكررة ربما على كل البشرية إلى جانب ميرسو، أنت محكوم عليك بالموت، الحكم جاهز ومعروف، والخطيئة/ الجريمة التي قمت بها لا تجد نفسك مسئولا تماما عنها، "كونك ولدت" كما يقول كالديرون، أو كونك قتلت عربيا فقط لأن الشمس/ الطبيعة ضغطت عليك، هذا التبرير الذي يثير الضحك عندما يقوله ميرسو في المحكمة، فهذا ليس سببا معقولا، وهو تبرير لن يمنع حكم الإعدام. في قاعة المحكمة يجد ميرسو تفاصيل حياته التافهة كأشياء تؤخذ ضده؛ بروده – الذي يمكن أن يوصف بأنه برودا عاديا – وشربه القهوة باللبن وتدخينه السجائر في مواجهة موت أمه، عدم رغبته في رؤية جثتها، مشاهدته فيلما في السينما مع صديقته بعد ذلك وممارسته الجنس معها، هذا كله أداء يومي عادي، لا يستحق لأول وهلة أن تعتقد أنه سيتخذ كدليل ضدك، وأن هؤلاء المعارف والعابرين في حياتك سيكونون شهودا عليك. يكتشف ميرسو أيضا كم هو مكروه من قبل الحاضرين، وفي لحظة يتصور أن الحاضرين يتحدثون عن شخص غيره. من الناحية الفنية يبدو كامو متأثرا بدوستويفسكي – الذي أثبت في "الأخوة كارامازوف" أنه الكاتب الخبير بمشاهد المحاكمات – فمن الممكن أن يصرح الشاهد برأي ونقيضه كما فعل حارس دار المسنين التي كانت تعيش فيها أم ميرسو فهو لم ير ميرسو يبكي في مواجهة جثمان أمه ولكنه أيضا لم يره غير باكيا، مثلما نصبح في شك من شهادة شخصية "جريجوري" في رواية "الأخوة كارامازوف" عن أحداث قتل الأب في ليلة شرب فيها قدح ونصف من شراب مخلوط بالكحول. أحد الصحفيين في "الغريب" يذكر أن أهم قصص الحوادث هذا الصيف كانت قصة ميرسو وقصة الرجل الذي قتل أبيه، هذه القضية التي تماثل قضية ديمتري المتهم بقتل أبيه.

مرة أخرى في "الأخوة كارامازوف" لدوستويفسكي يتكرر أن يبدو المتهم  خارج عملية الصراع - وذلك في مشاهد المحاكمة التي خصص لها دوستويفسكي 14 فصلا من الرواية، هذا بالإضافة إلى اعتذار الكاتب أنه لن يستطيع أن يذكر لنا كل الأحداث - فالمنافسة بين المحامي فيتوكوفيتش ووكيل النيابة كيريلوفيتش مثلا في المحاكمة كانت تبدو بمعزل عن حرج مصير ديمتري، فيبدو أن المنافسة تأتي على حساب حياة هذا الشخص، ولكن رغم ذلك لم يكرر ديمتري انفعال ميرسو النفسي القائل: "ما هذا؟ من هو المتهم هنا؟ إن المتهم شخص مهم في القضية، ثم إن لديّ شيئا أريد أن أقوله". باستعادة حياة ديمتري كلها تقريبا في جلسات المحكمة نكتشف أن الحكم هنا هو حكم يقيم تجربة ديمتري الحياتية، رغم أن القاريء يعلم أنه مظلوم في هذه القضية ولم يقتل أبيه، في بعض الأحيان يتخيل ديمتري أنه سيحمل صليب أخطاءه الأخرى بالحكم عليه بغض النظر عن مدى تورطه في هذه الجريمة. تتلخص فلسفة العمل كله في مشهد المحاكمة؛ تحب جروشنكا ديمتري أكثر وقتها، يتضح تردد كاترينا إيفانوفنا بين ديمتري وإيفان، يلخص إيفان فلسفته عن قتل الأب، كل هذه العلاقات تتكشف أمام الجميع في قاعة المحكمة.

عند كافكا كانت "المحاكمة" هي الرواية كلها، كان المطلوب من  "جوزيف ك" أن يبرر نفسه أمام الجميع في مواجهة التهمة التي لا يعرفها محاولا أن يتخلص من هذا الاعتقال الشاذ. في حين أن المشهد الذي اعتدنا أنه يتكثف في الروايتين السابقتين أصبح أكثر عبثية هنا (مشهد المحكمة في الرواية كان أقرب إلى جلسة استماع لا محاكمة)؛ جوزيف ك يحاول أن يبريء نفسه أمام الجمهور، يحاول أن يكسبهم بتصريحاته وينتزع منهم صيحات الإعجاب وكأنه أمام جمهور مباراة رياضية، حتى يكتشف أن كل هذا ليس لصالحه، الحاضرون كلهم يعبثون به، وقد يتجاهلونه لينظروا بشغف لرجل يحتضن المرأة الغسالة في قاعة المحكمة. في لحظات في الرواية يعتقد ك أنه ذو أهمية كبيرة سواء بسبب المؤامرة التي تحاك ضده أو بسبب الاهتمام الغريب به من بعض الشخصيات ومنها الشخصيات النسائية، وفي لحظة أخرى يقول له قس السجن ببساطة: "المحكمة لا تريد منك شيئا، إنها تستقبلك عندما تأتي وتصرفك حينما تذهب".

عند نجيب محفوظ سطور قليلة كونت مشهد محاكمة بارز لعاشور الناجي في رواية "الحرافيش"، كان عليه فيه أن يبرر استيلائه على دار البنان. المشهد كان نقطة تحول أخرى في شخصية عاشور، فبعد الحكم عليه يخرج من السجن ليصبح فتوة الحارة ويرسى تقليد الفتونة الذي ستصبح معيار بقية الملحمة. صورة أخرى لمحاكمة ظهرت عند نجيب محفوظ كانت تمزج بين السريالية والرمز، وهي أحد "أحلام فترة النقاهة" في الكتاب الذي صدر في نهاية حياة محفوظ، وهو الحلم رقم 100 الذي ضم عدة زعماء في قفص المحكمة ينتظرون الحكم عليهم، فيحكم القاضي على السارد الجالس في قاعة المحكمة رغم أنه يعتقد أنه خارج القضية. يختلط الوضع هنا بين كون الجدل يتم بعيدا عن الشخصية المحكوم عليها مثلما الحال مع ميرسو وديمتري، وعدم معرفة التهمة كما الحال عند جوزيف ك، ولكن على أي حال فهناك رمزية واضحة في الحلم في كون أن الشعب المصري هو من يتعرض للعقاب رغم أنه لا يعتقد أنه موضع الاتهام من الأصل، هذا التفسير المباشر الذي يجعل الحلم أكثر أحلام نقاهة محفوظ استخداما إلى درجة الابتذال.

شخصية أدبية أخرى تصبح محاكمتها معلما بارزا في عالم الأدب؛ هنا الأديب نفسه يقف أمام المحكمة وليس فقط شخصية من شخصياته، كانت محاكمة أوسكار وايلد بتهمة "الأفعال غير اللائقة" تمثل ذروة انحداره هذا الذي اتجه إليه بنفسه، كان من الممكن لوايلد أن يتجنب كل ما حدث له لو لم يرفع قضية تشهير على ماركيز كوينزبري (والد رفيقه ألفرد دوجلاس)، الذي بدوره استطاع أن يثبت تهمة الشذوذ عليه. بدا وايلد يتحدث بمصطلحاته هو في مقابل القضاة والخصوم الذين لا يستوعبون مشاعره الخاصة، هو "أعظم متحدث في عصره" كما يقول ييتس عنه، يوضح وايلد لهم أن خطاباته لألفريد دوجلاس مجرد أعمال فنية، إن مشاعره تجاه الشباب تشبه أفكار أفلاطون وأعمال ميكيلانجلو، وأن صداقته بهم تشبه صداقة داود بيوناثان، قطع أدبية يقولها وايلد أثناء المحاكمة تثير الاستحسان والضحكات. مرة أخرى هنا يصبح ماضي وايلد كله شاهدا عليه - كما كان ماضي ميرسو وديمتري - حياته في العالم السفلي الإنجليزي وإيحاءته اللا أخلاقية في "صورة دوريان جراي"، لم يكن صعبا أن يسقط وايلد، ليعتبر بعد ذلك في كتابه "من الأعماق" أن أعظم نقطتي تحول في حياته هي حينما بعثه أبوه ليتعلم في أوكسفورد، وعندما أرسله المجتمع إلى السجن. وينتهي وايلد في "من الأعماق" لكتابة ما يعتبر صدى لكل المحاكمات السابقة، ولكل المحاكمات التي نمر بها جميعا:
"كل المحاكمات هي محاكمات لحياة المرء، وكل الأحكام هي أحكام بالموت".

أمير زكي
سبتمبر 2012

***

مصادر:

- ألبير كامو، الغريب، ت: محمد غطاس، الدار المصرية اللبنانية، الطبعة الأولي 1997
- فيودور دوستويفسكي، الأخوة كارامازوف، ت: سامي الدروبي، مكتبة الأسرة، 2009
- Franz Kafka, The Trial, T: Mike Mitchell, Oxford World’s Classics, First Edition 2009
- نجيب محفوظ، الحرافيش، مكتبة مصر
- نجيب محفوظ، أحلام فترة النقاهة، دار الشروق، الطبعة الأولى 2005

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق