2013-11-03

وقع الأقدام - صمويل بيكيت


كتبت عام 1975

ترجمة أمير زكي
نوفمبر 2013

***

ماي (م) شعر رمادي أشعث، معطف رمادي قديم يغطي القدمين، ويصل للأرض.
صوت امرأة (ص) يأتي من أعلى المسرح المظلم.

مساحة الحركة: أسفل المسرح، المسافة تسع خطوات، الطول متر واحد، بعيدا عن الوسط قليلا، يمين الجمهور.





الحركة: تبدأ بالقدم اليمنى (ي)، من اليمين (ي) إلى الشمال (ش)، بالقدم اليسرى (ش) من ش إلى ي.
اللفة: إلى اليمين من ش، وإلى الشمال من ي.
الخطوات: مسموعة كخطو ايقاعي.
الضوء: معتم، أقوى على مستوى الأرضية، أقل على الجسد، أقل على الرأس.
الأصوات: الصوتان ضعيفان وبطيئان دوما.

ستار. المسرح مظلم.
دقة جرس ضعيفة وحيدة. صمت بعد توقف صوت الصدى.
ضوء خافت على المساحة، باقي المسرح مظلم.
تبدأ (م) الخطو نحو ش، تلتف في ش، تخطو ثلاث مسافات أخرى. تتردد، تتوقف، تواجه الجمهور في ي.
م: أمي (صمت، بطبقة الصوت نفسها) أمي.
(صمت)
ص: نعم يا ماي.
م: هل كنتِ نائمة؟
ص: نوما عميقا. (صمت) سمعت صوتِك في نومي العميق. (صمت) لا يوجد نوم عميق لا أستطيع سماع صوتِك فيه. (صمت. تستمر م في الخطو لأربع مسافات. بعد المسافة الأولى، تقول ص بشكل متناغم مع الخطوات) واحد إثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة دوري واحد إثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة دوري. (متحررة من العد) ألن تحاولي أن تحصلي على القليل من النوم؟
(تتوقف م، تواجه الجمهور في ي. صمت)
م: ألا تريدين مني أن أحقنك مجددا؟
ص: بلى، ولكن الوقت مبكر جدا.
(صمت)
م: ألا تريدين مني أن أغير وضعيتك مجددا؟
ص: بلى، ولكن الوقت مبكر جدا.
(صمت)
م: أن أعدل مخداتك؟ (صمت) أن أغير ملاءاتك؟
(صمت) أن أقدم لك القصرية؟ (صمت) قصرية التدفئة؟
(صمت) أن ألصق تقرحاتك؟ (صمت) أن أُحمّيك؟
(صمت) أن أرطب شفتيك الجافتين؟ (صمت) أن أصلي معك؟
(صمت) من أجلِك؟ (صمت) مجددا.
(صمت)
ص: بلى ولكن الوقت مبكر جدا.
(صمت)
م: في أي عمر أنا الآن؟
ص: وأنا؟ (صمت، بطبقة الصوت نفسها) وأنا؟
م: تسعون.
ص: كثير جدا؟
م: تسعة وثمانون، تسعون؟
ص: لقد جلبتك متأخرة. (صمت) في الحياة. (صمت) سامحيني مجددا. (صمت، بطبقة الصوت نفسها) سامحيني مجددا.
(تستمر م في الخطو. بعد انقضاء مسافة واحدة تتوقف وتواجه الجمهور في ش. صمت)
م: في أي عمر أنا الآن؟
ص: في أربعينياتك؟
م: قليل جدا؟
ص: أخشى ذلك (صمت. تستمر م في الخطو. وبعد أول التفاف في ش) ماي. (صمت، بطبقة الصوت نفسها) ماي.
م: (تخطو) نعم يا أمي.
ص: ألن تقومي أبدا؟ (صمت) ألن تقومي أبدا... بتغيير الأمر كله؟
م: (تتوقف) الأمر؟
ص: الأمر كله (صمت) في عقلك التعس. (صمت) الأمر كله (صمت) الأمر كله.
(تستمر م في الخطو، خمس ثوان، يتلاشى الضوء من على المساحة
كل المسرح مظلم. يتوقف وقع الخطوات.
صمت.
رنة جرس بصوت أضعف. تتوقف الأصداء
ضوء أقل على المساحة، باقي المسرح في ظلام
تبدأ م في الخطو ناحية ي
صمت)
ص: أسير هنا الآن. (صمت) بالأحرى آتي وأقف. (صمت) مع قدوم الليل. (صمت) تتصور أنها وحيدة. (صمت) أُنظُر كيف تقف ثابتة، كيف تقف صلبة، ورأسها مواجه للحائط. (صمت) كيف هي ساكنة ظاهريا. (صمت) هي لم تخرج منذ طفولتها. (صمت) لم تخرج منذ طفولتها (صمت) أين هي، ربما يُطرح السؤال. (صمت) لِم، في البيت القديم، البيت نفسه الذي – (صمت) البيت نفسه الذي بَدَأَت فيه. (صمت) حيث بدأت. (صمت) حيث بدأ كل شيء. (صمت) ولكن هذا، هذا، متى بدأ هذا؟ (صمت) عندما كانت الفتيات اللواتي في سنها بالخارج في...  ملعب اللاكروس[i] كانت فعليا هنا. (صمت) في هذا. (صمت) في الأرضية هنا، العارية الآن، التي كانت يوما- (تبدأ م في الخطو. الخطوات أبطأ قليلا) ولكن دعنا نراها تتحرك، في الصمت (تخطو م. عند نهاية المسافة الثانية) أنظر كيف تدور بمهارة. (تلتف م، تخطو. تقول ص بإيقاع متناغم مع المسافة الثالثة) سبعة، ثمانية، تسعة، دوري. (تلتف م عند ش، تخطو مسافة أخرى، تتوقف مواجِهة للجمهور عند ي). أقول في الأرضية هنا، العارية الآن، هذه المساحة من الأرضية، التي كانت مغطاة في الماضي بالسجاد، بكومة ثقيلة. حتى جاءت إحدى الليالي، إذ لم تكن أكثر من طفلة، نادت أمها وقالت، أمي، هذا غير كاف. الأم: غير كاف؟ ماي – اسم الطفلة الأول – ماي: غير كاف. الأم: ما الذي تعنيه يا ماي بغير كاف، ما الذي يمكن أن تعنيه يا ماي بغير كاف؟ ماي: أعني يا أمي أنه يجب أن أستمع للأقدام مهما كان وقعها خافتا. الأم: الحركة وحدها غير كافية؟ ماي: نعم يا أمي، الحركة وحدها غير كافية، يجب أن أستمع إلى الأقدام، مهما كان وقعها خافتا. (صمت، تستمر م في الخطو، ومع الخطو) يمكن أن يُطرح سؤال، هل ما زالت تنام؟ نعم، في بعض الليالي تنام، تخاطيف، تضع رأسها البائس على الجدار وتخطف نوما قصيرا. (صمت) ما تزال تتكلم؟ نعم، في بعض الليالي تتكلم، عندما تتصور أنه لا أحد بإمكانه السماع. (صمت) تتحدث عن كيف كان الأمر (صمت). تحاول أن تتحدث عن كيف كان الأمر. (صمت) الأمر كله. (صمت) الأمر كله.
(تستمر م في الخطو، خمس ثوان، يتلاشى الضوء من على المساحة.
كل المسرح في ظلام. تتوقف الخطوات.
صمت.
رنة جرس أضعف، تتوقف الأصداء.
ضوء أضعف على المساحة. الباقي في ظلام.
تنظر م إلى الجمهور في ي.
صمت)
م: تكملة. (صمت. تبدأ في الخطو. تظل الخطوات أبطأ قليلا. بعد مسافتين تتوقف وتواجه الجمهور في ي. صمت) تكملة. بعد وقت قليل، عندما نُسيَت تماما، بدأت في – (صمت) بعد وقت قليل عندما كانت وكأنها لم تكن أبدا، لم تكن أبدا، بدأت في السير. (صمت) مع هبوط الليل. (صمت) تتسلل عند هبوط الليل إلى الكنيسة الصغيرة من بابها الشمالي، المغلق دائما في هذا الوقت، وتصعد وتهبط، تصعد وتهبط عند ذراعها البائسة[ii]. (صمت) في بعض الليالي ستتوقف، كشخص تجمد من رعشة العقل، وتقف متصلبة حتى تستطيع التحرك مجددا. ولكن عديدة هي الليالي التي كانت تخطو فيها بدون توقف، تصعد وتهبط، تصعد وتهبط، قبل أن تختفي بالطريقة التي جاءت بها. (صمت) لا يوجد صوت. (صمت) على الأقل لا شيء مسموع. (صمت) الشبيه. (صمت. تستمر في الخطو. بعد مسافتين تتوقف وتواجه الجمهور عند ي. صمت) الشبيه. ضعيف، على الرغم من أنه غير مرئي بأي وسيلة، في ضوء معين. (صمت) لديه الضوء المناسب. (صمت) رمادي أكثر منه أبيض، ظل شاحب من الرمادي (صمت) مخطط. (صمت) شبكة من التخطيطات (صمت) أنظر له وهو يمر- (صمت) -  أنظر لها وهي تمر بجانب الشمعدان، كيف للهبه، لضوئه... كالقمر وسط الغيوم العابرة. (صمت) بعد ذلك بعدما ذهبت، وكأنها لم تكن موجودة، بدأت في السير، تصعد وتهبط، تصعد وتهبط، في هذه الذراع البائسة. (صمت) عند هبوط الليل. (صمت) أي يمكن القول، في مواسم معينة من العام، وقت صلاة الغروب. (صمت) بالضرورة. (صمت، تستمر في الخطو. بعد مسافة واحد تتوقف وتواجه الجمهور عند ش، صمت). السيدة وينتر العجوز، التي سيتذكرها القاريء، السيدة وينتر العجوز، في نهاية مساء يوم أحد خريفي، وهي تجلس للعشاء مع ابنتها بعد الصلاة، وبعدما تناولت بعض الطعام، وضعت سكينها وشوكتها وأحنت رأسها. ما هذا يا أمي، قالت الابنة، فتاة غريبة جدا، رغم أنها بالكاد تعتبر فتاة... (بصوت متقطع) هذا بشع وغير- ... (صمت. بصوت عادي) ما هذا يا أمي، ألا تشعرين بنفسك؟ (صمت) لم ترد السيدة و فورا. ولكن في النهاية رفعت رأسها وتفحصت إيمي بملء عينيها وقالت – (صمت) – وتمتمت، نظرت إلى إيمي بملء عينيها وتمتمت، إيمي ألم تلاحظي شيئا... غريبا في صلاة المساء؟ إيمي: نعم يا أمي، لم ألاحظ شيئا. السيدة و: ربما كانت هذه مجرد تهيؤات. إيمي: ما هو بالضبط يا أمي الذي ربما كان قد تهيأ لك؟ (صمت) ما هو بالضبط يا أمي الذي ربما تخيلت أنه.. شيء غريب لاحظتيه؟ (صمت) السيدة و: أنت نفسك لم تلاحظي شيئا... غريبا؟ إيمي: لا يا أمي، أنا نفسي لم ألاحظ شيئا، لو عبرت عن ذلك بتهذيب. السيدة و: ما الذي تعنيه يا إيمي بالتعبير عن ذلك بتهذيب، ما الذي يمكن أن تعنيه يا إيمي بالتعبير عن ذلك بتهذيب؟ إيمي: أعني يا أمي أن أقول إنني لم ألاحظ شيئا... غريبا في الحقيقة، أقول ذلك بتهذيب. لأنني لم ألاحظ شيئا من أي نوع، غريبا أو غير غريب، لم أر شيئا، لم أسمع شيئا من أي نوع، فقد كنت غير موجودة. السيدة و: كنتِ غير موجودة؟ إيمي: كنت غير موجودة. السيدة و: ولكني سمعتك تردين. (صمت) سمعتك تقولين آمين. (صمت) كيف يمكنك أن تردي لو كنتِ غير موجودة؟ (صمت) كيف يكون من الممكن أن تقولي آمين وأنتِ غير موجودة كما تدعين؟ (صمت) محبة الله، وشركة الروح القدس، تكون معنا جميعا، من الآن وإلى الأبد، آمين. (صمت) لقد سمعتك بوضوح. (صمت، تستمر في الخطو. تتوقف بعد ثلاث خطوات بدون مواجهة الجمهور. صمت طويل. تستمر في الخطو، تتوقف وتواجه الجمهور عند ي. صمت طويل) إيمي. (صمت. بطبقة الصوت نفسها) إيمي. (صمت) نعم يا أمي (صمت) ألن تقومي أبدا؟ (صمت) ألن تقومي أبدا... بتغيير الأمر كله؟ (صمت) تغيير؟ (صمت) الأمر كله؟ (صمت) في عقلك التعس (صمت). تغيير الأمر كله. (صمت) الأمر كله.
(صمت. إظلام من على المساحة. ظلام تام.
صمت
رنة جرس أكثر خفوتا. تتوقف الأصداء.
ضوء قليل على المساحة.
لا أثر لماي.
توقف لعشر ثوان.
ظلام.)
ستار




[i]  Lacrosse لعبة رياضية جماعية.
[ii]  يحاكي تصميم الكنيسة شكل الصليب، وبالتالي تسير م عند إحدى ذراعي الصليب.

هناك 7 تعليقات:

  1. كنت أتساءل لماذا بيكيت بالتحديد ؟ حتى وصلت لهذا المقطع من أحد التدوينات واعتقد انه السبب " كلمات بيكيت تتطلب علاقة شخصية كاملة وليس أقل من ذلك، بمساحة المشاعر الكبيرة التي تتضمنها: التقلبات بين الأمل واليأس، المبادرة والارتباك، والخوف من عدم الوصول. الشكل المُجّزأ بدا مناسبا لذلك."
    ولا أعلم إذا كان ظنى صحيح أم خاطئ ؟

    ردحذف
  2. رجاء ... إذا كانت تعليقاتى تتسبب فى أى ضيق ساتوقف عنها فورا ،بمجرد عدم ردك عليها وبعدها ساتابع فى صمت واحتفظ بتعليقاتى لنفسى ... شكرا لك :)

    ردحذف
  3. لا تسبب تعليقاتك أي ضيق، تسعدني المتابعة بصخب :)

    ردحذف
  4. إذن :) فاختيار بيكيت لانه مزيج متناقض من المشاعر الإنسانية فهو بين اليأس و الأمل ،وبين الشك واليقين ، يعكس إضطراب الانفس الحائرة "إن جاز التعبير" ؟؟

    ردحذف
  5. شكرا لكم على الجهود الرائعة، هل من دراسات متعلقة بمسرحية وقع الأقدام؟
    العزيز أمير.. هل يمكنك المساعدة؟
    محبتي

    ردحذف
  6. العفو يا يوسف
    لو بحثت على الإنترنت ستجد عدة تعليقات وشروح عن المسرحية بالإنجليزية، أتمنى أن تتاح الفرصة وأن أترجم بعضا منها قريبا

    ردحذف