2006-09-03

همس الجنون

من المبالغة أن نصف المجموعة القصصية الأولى لنجيب محفوظ (همس الجنون) بأنها نتاج عبقرية ونبوغ مبكر ، فالقصص بالنسبة لنا ونحن فى بداية قرن جديد تبدو تقليدية إلى حد ما ، ولكن هذا لايمنع أن نندهش من غزارة المضمون القصصى عند الكاتب وهذا يعنى أنه لف كثيراً وسمع كثيراً ، ولا يمنع أيضاً أن نعترف بأن قصص محفوظ الأولى تفوق فى مستواها كل القصص التى كان يكتبها أدباء هذا العصر أمثال توفيق الحكيم ويحيي حقى .
قصص همس الجنون قصص قاهرية ، وهذا ما ميز نجيب محفوظ إلى النهاية فهو ابن القاهرة قبل أن يكون ابن مصر كلها ، والقصص تدور معظمها حول الفضائح سواء فى المجتمع الراقى (الزيف مثلاً) أو فى عالم القاهرة السفلى (روض الفرج مثلاً) . ولا تخلو القصص من نزعة وطنية تكون أحياناً مباشرة وفجة مثل (يقظة المومياء) ، فالمومياء التى تُبعث فى القصة تقول للباشا الأرستقراطى (التركى الجنس ، المصرى الوطن ، الفرنسى القلب والعقل ) :
" كيف تتجاسر على ابنى أيها العبد ؟ لقد سمته الذل بقساوة دلت على العبودية التى تنضح بها نفسك ، ضربته بعصاك لأنه جائع ودفعت إخوته إلى ضربه ، أيجوع فى مصر أبناؤها ؟ الويل لك أيها العبد . "
وفى بعض القصص يركز محفوظ على فكرة الغنى والفقير وبالطبع ينحاز للثانى كما حدث فى قصة (الجوع) بشكل مباشر أيضاً ، فالوجيه محمد عبد القوى لا يصدق أن هناك من يموت جوعاً فى هذا البلد لدرجة أن يرى أحدهم يحاول الإنتحار لهذا السبب ، فالوجيه يخسر عشرات الجنيهات فى المقامرة ، لدرجة أن الخسارة " لم تعد تهز أعصابه أو تكرب نفسه " وفى النهاية يكتشف الوجيه أن ما يخسره فى المقامرة بإمكانه إسعاد العديد من الأسر .
من جهة الفضائح فالمجموعة معظمها تقدم المرأة بشكل سلبى ، ولكننى لا أوافق أن هذا هو الحال فى أدب محفوظ كله كما روّج الإعلام فى الفترة الأخيرة ، لأنى دائماً أذكر شخصيات مثل إلهام فى (الطريق) وسوسن فى (السكرية) .
ومن ناحية الغنى والفقر فأجد عند محفوظ ميلاً للإشتراكية وإن لم يكن محرضاً فى هذه المجموعة كالروايات الفرعونية .
محفوظ استخدم مضمون قصص همس الجنون فى أعماله اللاحقة :
فى قصة (الشريدة) يأتى زوج البطلة بعاهرة ليخطئ معها فى بيت الزوجية أمام الزوجة ، وفى رواية (قصر الشوق) يقوم ياسين بنفس الفعل مع زنوبة أمام زوجته مريم ، وفى القصتين ترحل الزوجة .
وأيضاً فعائدة بطلة قصة (خيانة فى رسائل) تشبه عايدة (قصر الشوق) .
أما قصة (حياة للغير) فهى تكاد تكون تلخيصاً لرواية (خان الخليلى) فهنا وهناك يحب الأخ الأكبر فتاة صغيرة ويكتشف أن الأخ الصغير يحبها أيضاً ويوّسطه فى خطبتها .
وأيضاً فقصة (مفترق الطرق) التى تدور حول الصورة التى التقطت أثناء الدراسة وتتبع مصائر الزملاء ، تم استخدامها فى قصة (صورة قديمة) بمجموعة (دنيا الله) لدرجة أنى أختلط علىّ الأمر واعتقدت أن القصتان واحدة .
وكنت على وشك القول بأن زكى أنيس فى قصة (مرض طبيب) تم استخدامه فى رواية (ثرثرة فوق النيل) كأنيس زكى ، لكنى وجدت الأمر مجرد تشابه أسماء وارد حدوثه .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق