2011-09-18

اليوم السادس – أندريه شديد

 
 كنت متحمسا لقراءة رواية (اليوم السادس) لأندريه شديد لأننى أحب الفيلم الذى صنعه يوسف شاهين عنها، ولكنى لن أتحدث عن الفروق بين العملين - وهى موجودة بوضوح بما يجعل الكلمات المفتاحية للعملين مختلفة -  وأحب أن أوفر الكتابة هنا للتركيز على الرواية، خاصة أنها آثارتنى بشكل لا يقل عن الفيلم.

صديقة هى الشخصية الأساسية فى الرواية، إنها روايتها بوضوح، ولكن أندريه شديد ربما تعبر عن وعى شخصيات أخرى، كالطالب مثلا الذى يساعد صديقة، أما الشخصيتين اللتين تليان صديقة فى الأهمية فهما مروض القرود أوكازيون ثم أبو نواس صاحب المركب الذى ينقلها إلى القرية.

أكثر ما أدهشنى فى الرواية هو الحس الوجودى المتمثل فى مواجهة القدر ومأسوية الاختيارات التى تتحملها الشخصية الرئيسية (والأنثوية) صديقة، هذا رغم تلقائية الشخصية إذ أننا لا نتابع شخصية مثقفة ويتبين ذلك لأننى نرى أن هناك شخصيات أخرى تحمل فكرا (مثقفا) فى الرواية كالمعلم والطالب وأوكازيون وأبو نواس.

صديقة تواجه مثلها مثل آخرين مرض الكوليرا الذى يفتك بالبلد، الكوليرا هنا كمعبر عن القدر كما يشير المترجم (حمادة ابراهيم)، وربما طبيعة المرض هنا تسير على التوازى مع طاعون ألبير كامو فى روايته (الطاعون).

صديقة شخصية صلبة إلى حد العند، شخصية قوية، نكتشف فى منتصف الرواية كيف تلقت الضربات بشجاعة لكى لا تتزوج الخطيب المنتظر الذى قبله أبيها من أجل سعيد زوجها الحالى، مثلما نرى أنها تتخلى عن سعيد ببساطة من أجل حماية حفيدها، هى تلعب لعبة التمسك والتخلى معتزة باختياراتها، امراة قوية ولكن ما جدوى ذلك حين تجد نفسها فى مواجهة القدر، وحدها، فى حين أن حسن حفيدها وأملها الوحيد المتبقى يتلاشى أمامها بفعل الكوليرا.

لعبة التمسك والتخلى تظهر من البداية حين نراها وهى تزور قريتها التى فتكت بها الكوليرا بعد فوات الأوان، لتجد أختها ميتة، ابن اختها يذكر أن أمه لم تكن لتتركهم مطلقا، ربما يحيل فى ذلك لترك صديقة للقرية، صديقة تعرف حقا ما هو التخلى. يمكنها أن تتخلى عن قريتها من أجل سعيد، والآن لا يمكنها أن تتخلى عن المدينة من أجل على البدوى الذى يعدها بحياة أخرى، حياة تنعم فيها بالصحة ولكن فى الصحراء "فحيثما كثر الناس فسد الهواءتلتفت صديقة إلى على أملا فى تحيته قبل رحيله، ولكن هذه المرة أيضا بعد فوات الأوان. 

صديقة تتمسك بالمدينة وتحلم بأن يصير حفيدها حسن متعلما وصاحب مهنة فيها، ربما مثل الأستاذ سليم الذى يبدو فى الرواية، ولفترة قصيرة، المقابل للجهل والفقر والظلم، والذى كانت تذهب معه ومع  حسن إلى المتحف المصرى ليشاهدوا المومياوات، ولكن سريعا ما يقع رمز التعليم والاستنارة نفسه ضحية الكوليرا وضحية الجهل والفقر والظلم.

كنا نعرف من الفصل الأول إن يؤخذ من قبل السلطات لأنه مصاب بالكوليرا لا يعود. ولكن المعلم حسن، الذى سلم نفسه للإسعاف بسبب كونه مثقفا، أخبرها أن بعد ستة أيام من الكوليرا إما أن يموت المرء أو يبعث من جديد. انتظرته صديقة وحسن ستة أيام وبعدها: "صبر الطفل والمرأة ستة أيام أخرى، ولكن الانتظار مرة أخرى لم يُجد شيئا. وعندئذ، ودون أن يعترف كل منهما لصاحبه أعرضا معا عن التعلق بالأمل". 

مرة أخرى تقع صديقة تحت وطأة لعبة التخلى والتمسك بما سيضيع منها، من المتبقى لها سوى سعيد وحسن؟، تخطر لها فكرة "إذا كان على أحدهما أن يموت، فأولى أن يكون الكهل"، سعيد مشلول الآن ولا جدوى منه. تشعر بالأسى لفكرتها حينا، ولكن حينما يأتى وقت الاختيار بين البقاء والرحيل محاولة لإنقاذ حسن الذى يصاب بدوره بالكوليرا تترك سعيد وترحل، أملا فى يوم سادس يبرأ فيه الطفل. 

ولكنها الآن تواجه الموت، تعتقد أن صلابتها وقدرتها على الاختيار لا تزال قائمة، يقول لها حسن:
-         "سأموت.. هذه هى الحقيقة.
فتجيب
-         ليست هذه الحقيقة."
شخصية أوكازيون مروض القرود والثانية فى الأهمية بالرواية، تحمل على صعلكتها ميل فكرى نيتشوى، أوكازيون الذى يقلد بهلوانا يسير على حبل مشدود كمهرج نيتشه، ويصف الحياة أيضا أنها حبل مشدود كالإنسان الذى هو حبل مشدود على هاوية كقول الفيلسوف الألمانى، يقول لصديقة: "يجب أن يتطلع الإنسان إلى ما هو أعلى منه، وإلا انتهى كما تنتهى القوقعة، وبطنها ملتصق بالأرض". أوكازيون يرى الموت فى وجوه ساكنى المدينة، يعلم أن الكوليرا لا تزال موجودة بينهم، وهو غيرهم فلا يملك أشياء كثيرة لدرجة أنه تتملكه، وإنما هو فقط يلتقط من الأرض وينصرف، أوكازيون يؤمن بالأرض "الأرض تتشبث بقدمى خشية أن أطير، إنها عجوز عاهر تتمسك بى أكثر مما يجب" أو "أنا لا أعرف إلا الأرض أما الماء والهواء فهما ليسا من اختصاصى".. وهو لا يطمح ليوم سادس (كصديقة) يحدث فيه الخلاص. 

أوكازيون يساعد بينتشويته فى التخلص من مرضى الكوليرا حيث يرشد عليهم السلطات مقابل النقود التى تجعله حرا، بحيث لا يأبه بالنقود التى تأتى له من عمله كمهرج هو وقرده (أو قردته – وتلك كان إحدى عيوب الترجمة فلم يستقر المترجم على كون مونجا قردا أم قردة). أوكازيون يساعد صديقة على الرحيل من المدينة على ظهر مركب جاهلا بحقيقة ما تحمله (الولد المصاب بالكوليرا). صاحب المركب هو أبو نواس. أبو نواس يحمل من البداية أفكارا ربما نصفها بالعدمية، أول ما نسمعه منه:
"فى الأرض أو فى الماء
ستضيع أغنيتى
وحيث يرتفع السواد
ستضيع أغنيتى".

وعندما يكتشف أوكازيون الذى وجد نفسه مضطرا لأن يصحبهم فى الرحلة على المركب أن الطفل مريض، يدافع عن نفسه ويحاول إيقاف الرحلة، فى المقابل يقول أبو نواس: "الموت دائما بصحبتنا".

إنه رجل بلا مستقبل وبلا ماض، كان من الممكن أن يولد فى أى زمان وفى أى مكان، كل ما .. يلزمه هو مركب ونهر لكى يضرب فى البحر دون أن يهتم بما يدور حوله. هكذا يراه أوكازيون.

نهاية الرواية لم تحمل الخلاص الذى كانت تنتظره صديقة فى اليوم السادس، فقد مات الطفل، ولكن مع ذلك حملت تصالحا بين كل من على المركب، أوكازيون بينتشويته وأبو نواس بعدميته وصديقة التى لا يبقى فى حياتها الكثير الآن. الكل أصر على أن الطفل حى، بحيث كونه موجود فى كل مكان، هذا التصالح ضايقنى شخصيا، فلم أجده مقنعا، ولكن ربما أرادت شديد أن توفق بين أفكار عصرها (كتبت الرواية عام 1960)، فقط لأن الحياة يجب أن تستمر.

اليوم السادس
أندريه شديد
ت: حمادة إبراهيم
المشروع القومى للترجمة
تقييم المدونة: 7/10

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق