2011-11-13

ما هو الجانب الخفى عند صمويل بيكيت


مقال لجلين فينسنت (صحفى وكاتب مسرحى أمريكى)

ت: أمير زكى
نوفمبر 2011

المقال مكتوب بمناسبة صدور المجلد الثانى من الخطابات المختارة لصمويل بيكيت

***
"ليس من السهل المرور عبر الأعمار من قبل ذات مغتربة تماما، وشخص يبالغ فى تقدير المأوى". صمويل بيكيت فى خطاب لتوماس مجريفى.

الشهرة جاءت متأخرة لصمويل بيكيت. فى عام 1950 وبيكيت فى الرابعة والأربعين كان كاتبا أيرلنديا غير معروف، يعيش مقتصدا بغرفة فى باريس. كان يقوم برحلات كل صيف عائدا إلى أيرلندا ليزور أمه المريضة، وكانت تُنشَر له من آن لآخر مقالة أو قصيدة فى مجلات أدبية مغمورة. بداية من نهاية الحرب العالمية الثانية كان قد أنهى خمس روايات ومسرحيتين، وإن ظلت جميعها تقريبا غير منشورة حتى ذلك الوقت. بيكيت شعر بأنه مفرغ، غير قادر على الكتابة، وحياته متوقفة؛ كما كتب لصديقه المقرب والأمين، مؤرخ الفن، جورج دوثويت:

"كما ترى يا صديقى القديم جورج، لقد كنت على حق فى عدم الكتابة إليك. أنا لا أعرف إلى أين أنا ذاهب، أنا لست بالشخص الذى يتحرك. هناك شىء يصل لنهايته، وهذه المرة أنا لا أرى شيئا يحل محله... لا تعتقد أننى أشكو. أشكو من أن شيئا ينتهى، أو من أن شيئا لا يبدأ". 

خطابات بيكيت العديدة لدوثويت هى ضمن أكثر الخطابات جاذبية وإثارة المتضمنة فى المجلد الثانى من مجموعة خطابات بيكيت التى نشرتها منشورات جامعة كامبريدج هذا الشهر، وهى تغطى السنوات الهامة 1941-1956. خلال تلك الفترة انتقل بيكيت ليكتب بالفرنسية، ونشرت بعد ذلك، بعد عام 1950، رواياته الأهم (مولوى، مالون يموت، اللا مسمى)، و(فى انتظار جودو) التى جذبت له الشهرة العالمية.

بعد نجاح جودو، تغيرت أعمال بيكيت وتغيرت أحواله الاجتماعية (أضاف سيارة دوس شوفو وعربة يدوية وتليفون لممتلكاته الأرضية) ولكن هذه الخطابات تظهر إخلاصا ملحوظا لفلسفته، هذه النظرة النابعة من الوحل، إيمانه بأن الحياة نفسها لن تتغير. هو واثق من أنه مهما اختار من اتجاه فاللا شىء هو الذى سينتصر. إنه تأكيد نستطيع إدراكه فى صيغة الأمر اللا إرادى المزدوج "أنا لا أستطيع الاستمرار.. أنا سأستمر"[1]، هذا الذى نعرفه مع بيكيت.

فى أحد خطاباته الرائعة والفريدة إلى دوثويت، يصف بيكيت ما يسميه – خذوا نفسا عميقا – "شجاعة نقص اللا وجود": 

"من المؤكد أنها تُلتمَس فى استحالة كونك مخطئا دائما وبما يكفى، سخيفا ومنهزما دائما بما يكفى... أن لا يكون على المرء أن يعبر عن نفسه، أو يتورط فى أى شكل من أشكال السمو، فى عالم المرء الذى بلا تحديد أو قيمة أو هدف؛ هذه لعبة تستحق المحاولة، وهى لعبة لن تنجح، مهما نجحت".

فريق المحررين الذين جمعوا أول مجلدين من الخطابات فعلوا ذلك على مدار عقد، وزودوا الخطابات بملاحظات وشروحات مكثفة ومنضبطة عن كل كتاب ومقال ومسرحية ولوحة وقطعة موسيقية ذكرها بيكيت. إنه عمل مبهر يقدم العديد من النصوص المفاجئة والدالة.

مقالة المحرر دان جان المبتكرة فى مقدمة المجلد تركز على رسائله مع دوثويت، وأيضا بشكل خاص رسائله الموحية إلى باميلا ميتشيل؛ وهى امرأة أمريكية شابة قابلها بيكيت فى باريس عام 1953. ميتشيل وقعت فى غرام بيكيت وعادت إلى باريس فى ربيع 1954. العلاقة دارت فى لحظة حاسمة من حياة بيكيت، فى هذه الأثناء كان أخوه الأكبر فرانك يموت من السرطان بأيرلندا، وإنتاج مسرحية جودو غير المستقر فى لندن كان لا يزال معلقا فى الهواء. (جيمس نولسون، كاتب سيرة بيكيت الذاتية، قال عن هذه الأشهر الأربعة أنها من ضمن "أكثر أيام حياته اضطرابا".)

من أيرلندا، حيث ذهب ليكون بجانب أخيه، كتب بيكيت لميتشيل أولا بحرارة، وبعدها باقتضاب أكثر. يكتب جان: "ااحقيقة أن ميتشيل كانت حبيبته، وأنه قرر إنهاء علاقتهما، يبدو أن هذا سمح له، خلال فقده المزدوج، أن يحزن بشكل أكثر حرية: من أجل أخيه، من أجل نفسه، ومن أجل الحب الذى قرر أنه لن يدوم؛... نادرا ما سمح بيكيت لنفسه بالشاعرية، مهما كان العالم مؤلما، هذا الذى يظهر فى مجموعة خطاباته".

ومع ذلك كان من الغريب أن العديد من هذه الخطابات حذفت من المجموعة أو أبعدت لتكون فى بنط صغير، أو فى هامش من سطر واحد. هذا يتضمن خطابات يُعلِم بيكيت فيها ميتشيل عن مغادرته المفاجأة والمؤلمة إلى أيرلندا وعن انتهاء علاقتهما (رغم أنها لم تنته بالفعل)، ذلك أثناء عودته لباريس بعد أربعة أشهر.

كتب بيكيت إلى ميتشيل: "أنا لم أعد أحب. بالنسبة لى فالأشياء يجب أن تسير كما هى. أنا ليس لدىّ ما يكفى من الحياة لتغيير الأشياء حتى... فكرة السعادة لم يعد لها معنى بالنسبة لى على الإطلاق. كان من المفترض أن أقول هذا لك من فترة طويلة. ولكن هذا لم يكن من الواضح ساعتها كما هو الآن. وبينما كان أخى يموت فهذا لم يكن واضحا على الإطلاق". أنا قرأت الخطاب المحذوف من المجلد بينما أبحث فى كتاب فى مجموعة بيكيت بجامعة ريدينج. جزء من الخطاب نشر أيضا فى كتاب نولسون "ملعون بالشهرة".

هذا الإعلان الأساسى، شعور التخلى ذلك يتم التعبير عنه بشكل مشابه فى مسرحية "لعبة النهاية"، المسرحية التى كان قد بدأ الكتابة فيها بشكل غير منتظم فى هذه الأثناء، وهذا يستحق أن نلاحظه ونكتشفه. ولكن المادة الثرية التى يمكن أن تقدم تزويد بديل عن اضطراب وتكوين وبنية حياة بيكيت عندما نحتاج ذلك، تعتبر أقل دلالة فى مقابل الملاحظات عن العقود والخيارات المتاحة، والأعمال المحتمل إنتاجها، وحتى الملاحظات الموجهة للطابعين فيما يتعلق بعلامات الترقيم.

إحدى الغرائب المتعلقة بدراسة بيكيت، أنه بينما يوجد العديد من الاهتمام المحاط به – ثلاث سير ذاتية، مئات من الكتب الأكاديمية، والآن هذين المجلدين من الخطابات – إلا أنه تبقى العديد من الفراغات المربكة غير المعروفة (لا توجد ولم تظهر خطابات لأمه وهى الشخص البارز فى حياة بيكيت، لا توجد خطابات لأى من أفراد الأسرة المقربين، ولا حتى لسوزان ديكوفو دومينيل، رفيقته وزوجته) هذا الذى يمنع بشكل مزعج مناقشة جوانب محددة من حياة بيكيت الشخصية.

المبدأ الذى قاد المحررين فى اختيار الخطابات هو تقدير أمنيات بيكيت واختيار الخطابات التى لها علاقة بأعماله فقط. رغبة بيكيت فى الخصوصية موثقة جيدا. ولكن كما لاحظ آخرون فالصعوبة كانت فى تحديد الخط الفاصل بين حياة بيكيت وكتاباته، التى، وعلى الرغم من تجريدها وعمقها، تتسم بدافع انفعالى وبشكل ما هى شخصية بشكل كبير.

كيف توفق بين شخصية بيكيت الخجولة والمتحفظة والوضوح فى كتابته؟ إنها تعبر عن ملاحظة للذات الموسوسة التى تعبر عن استياءه الروحى والجسدى، والتفاصيل العيادية لجسده (قل شخصيته)، كل ألم، وكل تضخم، وكل إفراز، وكل انتصاب (أو عدم انتصاب)، وكل ريح خارج، وكل دقة قلب؟ بيكيت كان يكتب كأنه يقتفى أثر ذاته. كان قد أخبر ميتشل: "أنا بشكل عبثى وغبى مخلوق ناتج عن كتبى".

بنفس طريقة اعتقاد بيكيت أنه بإمكانه استخراج حياة صمويل بيكيت من أعماله، يبقى الإثنان  شيئا واحدا بشكل معقد. هذا شىء نادرا ما اهتم بيكيت بمناقشته، ليس بالضرورة لأنه أمر مربك (على الرغم من أن امتناعه عن نشر معظم أعماله المبكرة يدل على أنه كان غير مرتاح لمضمونها وما يمكن استخراجه منها.) صمته كان سببه، كما قال فى أكثر من مناسبة، أنه غير قادر على فهم العلاقة هو نفسه. كما كتب فى رواية "اللا مسمى" عن الشخصيات المعارضة له:

"أنا لست، أنا لست بحاجة لقول ذلك، أنا لست مورفى ولا وات ولا ميرسيه[2] ولا..، لا، أنا لا أستطيع أن أضغط على نفسى لأسميهم، ولا الآخرين الذين نسيت أسماءهم، والذين أخبروننى أننى كنتهم، والذى من المؤكد أننى حاولت أن أكونهم".

من منطلق هذه العلاقة الغريبة بين الذات (مهما كانت محطمة) والنص والمعنى (إن كان هناك معنى) يستمد عمل بيكيت الكثير من قوته. إنه توقع الإلهام وتهديدات الإفناء الذاتى، وحميمية الحميمية المفقودة مع الذوات الأخرى، والإصرار على الملامسة والانسحاب، والاختلاف بين المخفى والمرئى هذا الذى يجعلنا متعلقين بكل كلمة يكتبها. وسط عدم الوثوق هذا، نحن نكتشف الحوادث "الواقعية" من حياته، تلك التى يقدمها لنا فى جرعات صغيرة (خاصة فى أعمال مثل "صحبة" و"شريط كراب الأخير") كما لو أنها إشارات سرية موجهة لشخصيته المتأزمة.

أن تكشف أكثر عن حياة بيكيت الخاصة فهذا ليس تحايلا على رغبته، طالما أن هذا - فى العقود الأولى لما بعد الحداثة وشفافية أسلوب التويتر – هو الذى – كحداثى –  كان يميل إليه إن لم يكن يبحث عنه. القارئ المعاصر يريد شريكا أكثر مما يريد قديسا أدبيا. كهذا الرجل بكل متناقضاته، وآلامه العميقة، وإدماناته وعلاقاته، واحتياجه الشديد للحب والصحبة بنفس قدر حاجته للعزلة، وميله الجنسى المعقد، وذاته المغتربة والمنفتحة، و، كما يبين مجلد الخطابات هذا بشكل كبير، طموحه اليائس فى أن تكشف كتاباته إنسانيته.

فى خطاب كتبه عام 1956 لمخرجه الأمريكى آلان شنايدر، عن العرض القادم لـ"لعبة النهاية"، كتب بيكيت: "أنا ألهث لأرى رد الفعل ولأعرف إن كنت على الطريق ويمكننى أن أتعثر، أم أننى فى الوحل". مرة أخرى.


[1]  هذه هى الجملة الأخيرة فى رواية بيكيت "اللا مسمى"
[2]  أسماء شخصيات من روايات بيكيت الأولى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق