2011-10-25

أصل الأخلاق وفصلها - فريدريك نيتشه (2-3)


 من بداية المقال الثاني ("الذنب"، "الضمير المتعب"، وما شاكلهما")، يتحدث نيتشه عن وجهة نظره عن النسيان الذي هو – بالنسبة له – قوة فاعلة. النسيان الذي يتيح لنا تجاوز "جلبة العالم السفلي من الأعضاء التي تعمل في خدمتنا". "فلا سعادة البتة ولا صفاء ولا أمل ولا إباء ولا استمتاع باللحظة الآنية بدون وجود ملكة النسيان". فالذي لا ينسى "لا يمكنه تصفية أى قضية". 

ولكن الإنسان ذو الصحة القوية والذى ينسى كتجل لصحته خلق لنفسه ملكة جديدة وهى ملكة التذكر، وكان مبرر تلك الملكة بالنسبة له هو حفظ العهود التى يقطعها على نفسه. هذه الذكرى التى تجعل الإرادة صلبة حتى تحقيق الفعل. هذا الشخص الذى يعد والقادر على تحقيق الوعد (يقول نيتشه في كتاب "هكذا تكلم زرادشت": "أحب هذا الذى يلقى الكلمات الذهبية أمام أفعاله، ويفعل دوما أكثر مما يعد".) يجد فى امتلاكه لإرادته الواسعة تلك معياره القيمى، يحتقر ويجل من خلالها، وبالطبع هو يحترم أكثر القادرين على الوعد مثله. هؤلاء الذين يعدون يقدرهم نيتشه لأنهم قادرين ولديهم القوة على الوفاء بالوعد رغم كل الظروف، وعلى حساب "القدر نفسه". هذه القدرة والقوة على الوفاء بالوعد تصبح بالنسبة للفرد- السيد غريزة سيطرة، وهذه تكون "الضمير" بالنسبة له.

وفكرة العقاب ترتبط بضرورة التذكير، وأيضا بفكر "الدَيْن"، فالذى يدين للآخر بشىء يحاول تذكير نفسه بأنه قد يلقى أذى دموى لو لم يحققه. والعقاب أيضا يرتبط أيضا بإحدى متع الإنسان البدائية وهى رؤية الآخر يتألم. العقاب وهو أصل الذنب يتعلق بالشخص المدين الذى لا يستطيع الوفاء بدينه، فيخرج من لعبة العلاقات السامية بين الرفاق، يُحرم من الانتماء للجماعة، ويحرم نفسه من منافعها.

ومع ذلك يرى نيتشه أن أى شيء له جذور تاريخية لا يمكن تحديده بدقة، فالذى يتم تحديده هو بالضرورة خارج التاريخ، وربما نتساءل هل هناك حقا ما هو خارج التاريخ؟. بالتالي فهو لا يرى مفهوم مثل مفهوم العقاب يمكن الوصول لمغزى "تاريخى" وحيد له. فقد يكون العقاب وسيلة لمنع التمادي في إلحاق الضرر، أو للترهيب، أو لتصفية عنصر منحط، أو للاحتفال بهزيمة العدو، أو غير ذلك. السرد للاستعمالات المتنوعة للعقاب هو نفى لوجود صفة جوهرية وأساسية له، غالبا ما تتلخص فى إنه يوقظ الشعور بالإثم عند المخطئ.

نيتشه يدلل على تهافت ذلك بكون المسجونين مثلا لا يشعرون بوخز ضمير حقيقى أثناء عقابهم، فالعقاب بالأحرى "يخمد الحيوية ويحجّر القلب". ولكن نيتشه يصل إلى أن العقاب قد يروض الإنسان ولكنه لا يجعله إنسانا أفضل. ولكن عامة يرى نيتشه أن الطابع المفزع والدموى للعقاب ليس مصدرا للمتشائمين ليتزايد "احتقارهم" للبشرية، لأن هذا الطابع كان مصدر بهجة بالنسبة للإنسان القديم.

تطور الإنسان نحو العقل والمجتمع جعله يفقد غرائزه الطبيعية التى اعتاد عليها، ليجد نفسه فى أرض جديدة لا يستطيع الإنسان فيها سوى الاعتماد على وعيه الذى هو أضعف عضو من أعضاء الإنسان فى رأى نيتشه، لينشأ هذا القلق الذى يتصف به عصره. الوعى أو المجتمع الجديد الذى لا يستطيع الإنسان فيه تفريغ غرائزه، يجعله يفرغها بشكل تلقائى إلى الداخل، لتنشأ "النفس" وليتعمق العالم الداخلى عند الإنسان. وينشأ تحقير الذات غير القادرة على التفريغ وينشأ أيضا "الضمير المتعب".

"الدَيْن" أيضا من الممكن أن يعتبر أساسا لـ "الديِن" من حيث أهمية أن توفى الأجيال الجديدة حق تضحيات الأجيال السابقة، فكانت تقام شعائر تبجيل هذه الأجيال. مع الوقت يتعمق تبجيل الجد الأول ربما إلى حد صياغته كإله.

الدَيْن تجاه الأجداد يصل لمرحلة من العمق تجعل المدين يشعر تماما بأنه غير قادر على الوفاء به، بالتالى يصل لمرحلة من الشعور بالذنب تؤدى إلى أنه لا يستطيع التكفير عنه. ويأتى علاج مؤقت مثل المسيحية التى يقوم فيها الإله "المسيح" بتسديد الدَيْن عن البشرية.

يقارن نيتشه بين النموذج السابق لصنع الآلهة وبين نموذج أنبل للآلهة وهم آلهة اليونان، وهم ظلال للبشر النبلاء، هؤلاء أيضا الذى يحال لهم الخطأ حين يخطئ الإنسان، فالآلهة يخطئون أيضا، وهم يبررون للإنسان أخطاؤه.

يرى نيتشه أن هذه التغيرات التى أدت إلى كراهية الإنسان لنفسه والإساءة لنفسه هى رد فعل لعدم قدرته على الإساءة للغير (الطبيعية). ولكن مهمة التطلع إلى مثل أعلى للإنسان، كبديل للإنسان الذى يصف وضعه الحالى، لا يتركها نيتشه إلى هذا المقال بقدر ما يتركها لزرادشت الكافر، حين تجد في الجزئين الأخيرين من المقال نصائح لضرورة وجود ذهنيات الحرب والنصر، واستنشاق الهواء الطلق فى الأعالى وغيرها من الأوصاف التى كانت مطروحة فى كتاب "هكذا تكلم زرادشت".

2011-10-16

أصل الأخلاق وفصلها - فريدريك نيتشه (1-3)



"نحن معشر الباحثين عن المعرفة، لا نعرف أنفسنا، إننا نجهل أنفسنا. وثمة سبب وجيه لذلك. فنحن لم نبحث عن ذواتنا – فكيف لنا إذن أن نكتشف أنفسنا بأنفسنا ذات يوم؟"

هكذا يبدأ نيتشه كتابه (جينالوجيا الأخلاق) والذى ترجمه اللبنانى حسن قبيسى بعنوان ذكى وهو (أصل الأخلاق وفصلها)، الجينالوجيا كمصطلح تعنى (علم الأنساب)، ويستخدم نيتشه المصطلح هنا ليتحدث عن نسب الآخلاق، الأخلاق هى قضية نيتشه الأساسية والتى ناقشها فى كتبه الأخرى إما بشكل أقرب للشاعرية كـ"هكذا تكلم زارادشت" أو بأشكال فيها حكم قصيرة متقطعة كـ"إنسانى إنسانى للغاية" و"ما وراء الخير والشر". الكتاب يعتبر متأخر نسبيا بالنسبة لأعمال نيتشه، كتبه عام 1887، وقبل ثلاث سنوات فقط من توقفه عن الكتابة. وهو أيضا كتاب فريد من نوعه بالنسبة لنيتشه، لأنه يحمل تحليلا مرتبا ومنطقيا بالنسبة لكتبه الأخرى، ولموضوع الأخلاق بشكل خاص. ولكنه مع ذلك لا يخلو من شاعرية.

الكتاب يتكون من 3 مقالات طويلة نسبيا وهى: "الخير والشر، الطيب والخبيث"، "الذنب والضمير المتعب وما شاكلهما"، و"ماذا تعنى المثل الزهدية".

من أول جملة فى الكتاب سنكتشف أننا أمام فيسلوف، أو قل مفكر مختلف، هو يضع ذاته موضع البحث مع الموضوع الذى يناقشه، وهذه مشكلته تقريبا مع كل الفلاسفة المحدثين الكبار الذين سبقوه "هيجل، كانط، شوبنهاور"، من حيث أنه كان يجد تورطا ذاتيا فى موضوعاتهم يؤثر على تحيزاتهم الفلسفية وإن كانوا هم يحاولون إنكاره.

هو يتحدث هنا مبدئيا عن ضرورة أن نعرف ذواتنا ونحن نناقش مشكلة فلسفية أساسية مثل "الأخلاق". فى المقدمة يحاول أن يشرح قصته مع قضية الأخلاق، واهتمامه بالبحث عن أصل الخير والشر، يقول إنه فى البداية وكشخص مؤسس لاهوتيا قرر أن الشر مصدره الله، قبل ما يفرق بين اللاهوت والأخلاق ويقرر أن مصدر الشر لا بد وأن يكون هنا فى العالم، وما دام هنا فى العالم فهو مسألة تتحرك، تتطور بالشكل الداروينى، هذا سيمحو عن الأخلاق ثباتها وقدسيتها، وبالتالى بدأت أسئلته الأخلاقية يجاب عليها بالشكل الذى سنراه فى هذا الكتاب. يشرح نيتشه أيضا كيف أن بحثه عن أصول الأخلاق وأصول مفاهيم أخلاقية كالشفقة وإنكار الذات والتفانى، تلك المفاهيم التى احتفى بها شوبنهاور يؤدى إلى إثبات أنها عقبة فى وجه البشرية وهى التى تؤدى بها وبنا إلى العدم الذى هو سمة العصر والذى يصفه نيتشه بالعارض المزعج.

بشكل عام لو كانت هناك إشكالية أساسية فى هذا الكتاب، فهى وضع الأخلاق التى نعتبرها شيئا بديهيا، على مستويات الدين والمجتمع وغيرها، موضع البحث، ولنر أين سيؤدى بنا هذا البحث. المسألة ليست درامية لأخجل من الاستباق، لكن نيتشه وهذا معروف ينتهى ببحثه إلى الكفر بالأخلاق بمعناها الثابت والشائع لدينا وسنكتشف أسبابه لذلك.

أصل الخير والشر

من بداية المقال الأول الذى يبحث أصل الخير والشر ينتقد نيتشه من يطلق عليهم علماء النفس الإنجليز، وهم ببساطة أصحاب الاتجاه النفعى، هم كانوا يرون أن الفعل الطيب اعتبر كذلك من قبل هؤلاء الذين يتلقونه، يعنى من تلقوا النفع من الأفعال الطيبة سموها كذلك ثم تم نسيان أصل المديح المباشر، لتصبح هذه الأفعال طيبة فى ذاتها. ولكن هذه الفكرة مرفوضة عند نيتشه، فالفعل الطيب من سماه هكذا هم من يفعلونه، وسنرى أن الفاعل دائما هو من يسمى عند نيتشه، هؤلاء هم من قاموا بالأفعال وقرروا أن هذه أفعال طيبة، على حد تعبيره "أفعال من الدرجة الأولى" فى مقابل الأفعال المنحطة والمبتذلة والسوقية. هذا سيكون مبررا لنيتشه نفسه ليقول إن من يصنع اللغة هم أصحاب السلطة. فى النهاية فأصحاب السلطة وأصحاب الرفعة والمتفوقون من الناس هم من صاغوا تسمية طيب ونسبوها لأفعالهم السامية، التى سيحاول نيتشه فيما بعد إثبات أنها ليست متصلة بالأفعال غير الأنانية (الأخلاقية بالمعنى الشائع). كانت حجة نيتشه ضد النفعيين أن النسيان الذى يتحدثون عنه غير مقبول، فما دام هناك منفعة فالأحرى أن نتذكرها دوما لا أن ننساها. 

نيتشه يقول إن ما جعله يفكر فى أصل الأخلاق، أو أصل الطيب والشرير من هذا المنطلق هو التحليل اللغوى، ونذكركم أن نيتشه كانت دراسته لغوية أصلا. إن أصل كلمة طيب فى مختلف اللغات كانت مرتبطة بالتميز والنبل. هذا ينطبق أيضا على اللغة العربية، نحن نقول مثلا: "فلان من أصل طيب"، ونحن نذكر مثلا من لسان العرب: "الطيب من كل شىء أفضله". فى مقابل الخبيث – والكلام الآن لنيتشه - الذى هو العامى والرعاعى والمبتذل. أخذ نيتشه يناقش هذا من منطلق المصطلحات الألمانية فى الكتاب. كلمة (سىء) فى الألمانية كانت تعنى قديما "بسيط"، أو "عامى".

ولكن الطبقات العليا كانت تضم أيضا طائفة الكهنة، وبينما النبلاء يتصفون بأنهم "أرستقراطية مقاتلة" يعشقون القتال والنشاط والحركة وتكون تصرفاتهم تلقائية، يميل الكهنة للكسل وتجنب القتال. ليحدث صراع بين النبلاء والكهنة حول من هو صاحب المرتبة الأعلى. 

نيتشه ليس بعيدا عن ربط أفكار بعينها عن الأجناس، فإذا كان الجنس الآرى هو الجنس الأعلى؛ الجنس الفاتح والمقاتل، فالأعراق الداكنة سوداء الشعر هى التى تؤدى – وهو لم يؤكد – إلى النكوص نحو أفكار الاشتراكية وغيرها من الأفكار البدائية. وهو أحال فكرة قلب القيم بشكل عام إلى اليهود "الجنس الكهنوتى".

اليهود وقلب القيم

يصف نيتشه اليهود بالشعب الكهنوتى. ولينتصر فى صراعه مع أعدائه، وهو لا يستطيع مواجهتهم بطريقة مباشرة، قام بعملية انتقام روحى، مضمونه هو قلب القيم. عرفنا أن كلمات مثل طيب ونبيل وقوى تعنى أشخاص بعينهم. اليهود قرروا أن المساكين والفقراء والعجزة هم الطيبون، أما الأقوياء والنبلاء فعلا فهم الطغاة والجشعين وبالتالى هم المنبوذون والهالكون، ليتبلور الدين بمعناه القريب منا.

حدث توهم أن هذا حب للإنسانية، ولكن نيتشه يرى أن هذا الحب يستهدف نفس المكاسب، النصر والفتح ولكن بطريقة أخرى. 

مهم أن نعرف أن نيتشه عندما يتحدث عن اليهودية فهو بشكل ما يتحدث عن التقليد اليهودى المسيحى بصفة عامة، حيث المسيحية فى نظره التى تتبلور فى شىء يحتقره: "إله معلق على خشبة" هى امتداد لليهودية، وهذه غالبا حجة لصالحه عندما يتهم بمعاداة السامية، فإذا كانت معاداة السامية واليهودية منطلقة غالبا – ووفقا للتاريخ – من أفكار مسيحية فهذا غير متحقق عند نيتشه. 

ورغم ما يبدو من احتقار نيتشه لهذه القيم الكهنوتية إلا أنه يرى أن الوجود الكهنوتى هو الذى وفر للإنسان عمقه وخبثه وهذا هو ما يجعل الإنسان متفوقا على سائر الحيوانات.

حركة مفهوم الحقد، جدل السيد والعبد

العبيد يحقدون على الأسياد الذين يحصلون على كل شيء بقوتهم، هذا الحقد يصل لمرحلة توليد قيم مختلفة، فهم ينتقمون من الأسياد، ولكن هذا الانتقام لا يكون عنيفا أو واقعيا بقدر ما يكون متخيلا. الأخلاق الأرستقراطية تولد من تأكيد الذات، وهذا مفهوم عزيز على نيتشه، ولكن فى المقابل فأخلاق العبيد تولد عن طريق رفض كل ما هو مختلف عنها؛ إنها تحتاج لعالم مواجه لها، تحتاج إلى أن تكون رد فعل.

النبيل هو شخص يتمتع بالصدق والصراحة والنشاط الفعال، لا يفكر فى سعادته لأنه يمارسها فعليا، فى حين أن العبد الحقود ليس صريحا ولا مخلصاـ يميل للطرق الخفية، والسعادة عنده مظاهرها هى الخمول والراحة والامتناع عن العمل. النبلاء نشيطون بالقدر الذى ينسون فيه الإساءات التى توجه إليهم. لا يحتفظون بها ليولد لديهم حقدا دفينا. 

نيتشه يرى أن أخلاق العبيد هذه هى السبب فيما يولد نفورنا الحالى من الإنسان، وكونه بالنسبة لنا "علة شقاء وألم" وهذا النفور سببه هو فقده لكل ما يوحى بالخشية، واعتبار أن هذا الإنسان هو الغاية ونهاية التاريخ.

يحاول نيتشه أن يبرر ما نتعاهد الآن على أنه شرور، فيقول إن الحملان ترتعب من الطيور الجارحة، ولكن هذا ليس مبررا للحقد على الطيور الجارحة لأنها تروع الحملان. "إن مطالبة القوة بأن لا تتجلى بما هى قوة... أمر لا معنى له"، فهذه هى طبيعة الطيور الجارحة، بالتالى لا يفصل نيتشه بين القوة والإرادة التى تقوم بها، ويرى أن هذا الفصل خاطئ. 

مهمة قلب القيم التى يقوم بها العبيد تؤدى لتوليد معانى مختلفة لمفاهيم الطيب عند الأسياد، فالعبيد يجعلون من العجز طيبة، ويجعلون من الانصياع طاعة، والجبن صبرا، هم يزعمون أن الله اصطفاهم وكلما اختبرهم أكثر يكونون أقرب إليه. أما كل ما سيواسيهم بشكل عام فهو يوم الحساب.

الفكرة عند نيتشه أن هؤلاء الضعفاء يريدون أن يكونوا أقوياء بدورهم، وبالتالى فهم يتصورون أنهم سيصلون لمُلك ما فى يوم من الأيام. يسخر نيتشه ويقول إن دانتى كان عليه أن يكتب على باب جحيمه "أنا أيضا أوجدتنى الكراهية الأبدية" بدلا من "أنا أيضا أوجدتنى المحبة الأبدية"، ويستشهد بأقوال لآباء مسيحيين يتشفون برؤية الكافرين فى االجحيم، كما يقول توما الإكوينى: "حتى يزداد الأبرار المؤمنون غبطة فى نعيمهم، ويشكروا الله كثيرا على هذا النعيم، فهو يمكنهم من التطلع إلى آلام الكافرين".


روما ضد ياهودا وياهودا ضد روما                     

الصراع بين الخير والشر بالمفاهيم النيتشوية يمكن أن تتلخص رمزيته فى الآتى "روما ضد ياهودا وياهودا ضد روما"، فروما هى الممثل لذروة المجد والقوة وهى الرمز لقيم السادة فى مواجهة ياهودا. ولكنه يرى أن الصراع بين روما وياهودا انتهى بانتصار اليهود، فالناس الآن ينحنون أمام أربعة يهود "المسيح"، "بطرس الصياد"، "بولس صانع الخيم"، و"مريم". وانتصار ياهودا كان يتجدد سواء بحركة الإصلاح البروتستانتية أو بالثورة الفرنسية، فى حين تظهر استثناءات فى المقابل لسادة متفردين كظهور نابليون فى فرنسا.

2011-10-09

مرساة للظلال - توماس ترانسترومر


مرساة للظلال - توماس ترانسترومر
مقال لبيل كويل* عن توماس ترانسترومر الحائز على جائزة نوبل فى الأدب 2011
المقال عبارة عن عرض لكتاب "اللغز العظيم" وهو يضم ترجمة روبين فولتون للإنجليزية لأعمال ترانسترومر الكاملة.

ت: أمير زكى
أكتوبر 2011


* بيل كويل شاعر ومترجم من السويدية إلى الإنجليزية، وهو يدرس اللغة الإنجليزية بكلية ولاية سالم بماساشوتس، الولايات المتحدة.

***

فى كل عام، مع اقتراب إعلان جائزة نوبل، يحبس مريدو الشاعر السويدى  توماس ترانسترومر أنفاسهم، متمنين فوزه، فوز رجلهم ليس متوقعا لأسباب كثيرة، أحد الأسباب لذلك كان إعطاء الأكاديمية السويدية عام 1974 الجائزة لاثنين من أعضائها وهما هارى مارتينسون وإيفيند جونسن، الكاتبان جيدان، ولكن شبهة التحيز كان من الصعب تجنبها، ولا يوجد سويدى أو سكندنافى حصل على الجائزة من ساعتها. وهناك أيضا الحقيقة التى تقول أن اختيار الفائز يعتمد على الموقف السياسى بنفس قدر الاعتبارات الأدبية. ترانسترومر ليس شاعرا غير سياسى، ولكنه لا يعانى من قمع من الدولة كألكسندر سولجنستين وجوزيف برودسكى، ولا يوجد ما يدل على أنه يتحدث عن شعبه كهينى ووالكوت، ولا يواجه بشدة الولايات المتحدة كبنتر، هذا الذى يجعله محط اهتمام السياسة الضيقة.

ومع ذلك فترانسترومر ليس مغمورا. من 1975 عندما ضمه روبرت بلى مع جونار إيكيلوف وهارى مارتينسون السابق ذكره ضمن كتاب (أيها الأصدقاء، لقد شربتم بعضا من الظلام)، هذه العنوان الذى اتخذ من قصيدة ترانسترومر (رثاء)، سمعته كانت تزيد باستمرار. اليوم هو معروف على أنه واحد من أفضل الشعراء الأحياء، هذا يعتمد كثيرا على ترجمة أعماله إلى 50 لغة. فبالإضافة إلى بلاى، فماى سوينسون، ريكا ليسر، دون كوليس، جون دين، صمويل شارترز، وروبين روبرتسون جميعا أصدروا نسخا إنجليزية من أشعار ترانسترومر المذهلة. وبينما كانت جودة هذه الجهود متفاوتة بشكل كبير، إلا أن صوت الشاعر اللطيف والمجرد والحزين والطيب انتقل بشكل سليم نسبيا. روبين فولتون، الشاعر الأسكتلندى المقيم من فترة طويلة فى النرويج، هو واحد من المترجمين والمدافعين الذين لا يسأمون من ترانسترومر، ومجموعته الجديدة "اللغز العظيم: أشعار مجموعة جديدة" تقدم لأول مرة كل أعمال الشاعر المتاحة بمجلد واحد باللغة الإنجليزية.

أكثر ما يميز شعر ترانسترومر هو موهبته الكبيرة فى صنع الاستعارات. هذا كان بينا فى كتابه الأول (1954) ومن السطور الأولى من قصيدته الأولى "افتتاحية":

"الاستيقاظ هو قفزة بارشوت من الأحلام.
حر من الاضطرابات الخانقة، المسافر
يغرق تجاه المساحة الخضراء من الصباح".
 
حتى هذه الجمل من "شوارع شنجهاى" (1989):

"أنا محاط بعلامات لا أستطيع تفسيرها، أنا جاهل تماما
ولكنى دفعت ما يجب علىّ أن أدفعه ولدىّ فواتير لكل شىء
لقد كدّست العديد من الفواتير غير المفهومة
أنا شجرة كبيرة بأوراق ذابلة معلقة ولا تستطيع السقوط على الأرض.

وزفرة ريح من عند البحر تجعل الفواتير تصدر حفيفا".

وحتى أول جزء من قصيدة "الثلج يسقط" (2004):

"الجنازات تأتى باستمرار
الكثير والكثير منها
كإشارات المرور
ونحن نقترب من المدينة".

كل استعارة تكون مذهلة وتلقى ضوءا جديدا على خبراتنا الشائعة. وفى نفس الوقت، كل واحدة منها تبدو وكأنها انبثقت بشكل طبيعى من موضوعها، جزئيا فسبب ذلك أن الشاعر لا يطنطن كثيرا لما يفعله، وجزئيا لأن مرحه الخفيف يقودنا لتخفيف دفاعاتنا. ترانسترومر ليس شاعرا كوميديا ولكنه يستطيع أن يكون مرحا بشكل كبير، حتى ولو كان داخل نقطة جادة. فى قصيدته "ضواحى العمل" يقول: "قمر الترف يحيط الكوكب، يتعامل مع كتلته ووزنه". هذا يجعل القارئ يبتسم وإن كانت ابتسامة خفيفة. أو يستخدم (مرح المشنقة Gallows Humor)[1] (وإن كانت كلمة المشنقة ليست دقيقة هنا) فى قصيدة "حلم بالاكيريف" التى يمكن أن تشعر أنها نقطة التقاطع بين فيلمى "الختم السابع"[2]، و"حياة بريان"[3]:

"توجه لأقرب بحار
أشار إليه وتوسل:
"اعبر بنفسك، مثلى، اعبر بنفسك"
حدق البحار بحزن كرجل أعمى

فرد يديه، وأغرق وجهه
وعُلق كأنه ممسمر فى الهواء"

واحدة من اهتمامات ترانسترومر الأساسية هى صعوبة بل واستحالة التواصل. هذا ليس هما مفاجئا بالنسبة لشاعر، خاصة فى العصر الحديث، ولكن ترانسترومر قلق بشكل أكثر بالموضوع وأقل غطرسة فى التعامل معه من بعض الآخرين. وعلى خلاف العديد من الشعراء الذين يشاركونه تحفظاته عن اللغة، فهو نادرا ما يؤطر هذه الصعوبات عن طريق جعل الحوار اليومى مشوشا وإشكاليا. إن جئنا عند بناء الجملة، فيمكنه أن يكون واضحا كبيلى كولينز:

"أكثرهم إرهاقا هذا الذى يأتى بالكلمات، الكلمات لا اللغة
أنا آخذ طريقى نحو الجزيرة المغطاة بالثلج
المتشرد بلا لغة
الصفحات غير المكتوبة مفتوحة على الجانبين
أنا وصلت لأثر غزلان على الثلج.
لغة ولكن بلا كلمات."
(من مارس 1979)

على المستوى الظاهرى فهناك تشابهات – فى البناء بشكل خاص – مع مدرسة "الصورة العميقة" التى بدأها روبر بلى فى ديوانه "الصمت فى الحقول المغطاة بالثلج". ترانسترومر قال إنه عرف أن بلى ذو روح مشابهة له عن طريق قراءة هذا الكتاب، والإثنان كانا صديقان لعقود. ولكن رغم ذلك فالاختلافات مهمة على الأقل بقدر التشابهات. بلى يتردد فى كتابة التعليقات التحريرية على الصور فى هذه الأشعار، بافتراض أن الصور التوضيحية هى محدودة وضحلة بالضرورة. على العكس من ذلك فترانسترومر يقدم مختصرا وافيا عن معنى آثار الغزلان، على الأقل فى سياق القصيدة. هو لا يبدو قلقا على الإطلاق – وهو ليس بحاجة لذلك – بأن تستنفد الجملة الأخيرة صورة آثار الأقدام على الثلج، فهى لا تفعل ذلك.

بالنسبة للقارئ الأمريكى للجمل السابقة، فمن الطبيعى أن يفكر فى الرجل الذى فى قصيدة فروست "معظمه" ورغبته فى "حديث مضاد ورد أصيل". السؤال فى نهاية القصيدة هو إن كان الوعل الذى يختفى داخل الغابة يؤدى لهذا المعنى؟ هل العالم فيه قصدية أم لا؟ هل يمكن أن يكون ذا معنى بقدر اللغة؟ وبتشككه الماكر والاعتيادى، يرفض فروست أن يشير لنا إلى اتجاه دون آخر. ترانسترومر شاعر مسيحى، على الرغم من أنه لا يعتاد الذهاب للكنيسة، وهو يجيب على هذا السؤال بشكل إيجابى. أنا أشك أن هذا واحد من الأسباب – إلى جانب طبعه وموهبته الكبيرة – لبراعته فى الاستعارة.

هناك أيضا جانب سياسى لاهتمامه بالحقيقة والكلمات، ترانسترومر يعود كثيرا إلى فكرة أن اللغة رخصت وتشوهت، فى بعض الأحيان هدفه يكون اللغة الشعاراتية والإعلانية فى الغرب: "السرعة قوة/ السرعة قوة! العب اللعبة، العرض يجب أن يستمر". (الجاليرى)، أو النتائج السلبية للسيطرة الأمريكية، حينما يسير فى واشنطن دى سى ويلاحظ "المبانى البيضاء على شكل الأفران حيث أحلام الفقراء تتحول إلى رماد". (ما بالداخل لا نهائى). وعادة ما اهتم كذلك بموقف هؤلاء الذين يعيشون خلف الستار الحديدى، خاصة دول البلطيق (التى أصبحت جمهوريات سوفيتية) إستونيا، لاتفيا، ليتوانيا. فى أطول وربما أعظم أشعاره "البلطيق" 1974 كتب يقول:

"أماكن حيث المواطنين تحت السيطرة
حيث أفكارهم مصنوعة مع مخارج الطوارئ
حيث الحوار بين الأصدقاء يصبح امتحانا لمعنى الصداقة.

هذا السياق هو جزء مما جعل كتابات ترانسترومر عن صعوبات التعبير مستمرة من ساعتها. الشاعر فى المجتمع الحر يكون حرا من العديد من القيود التى تفرضها الديكتاتورية على التعبير، ولكن مع الحرية العظيمة تأتى المسئولية. "كل جملة وكل تعبير هو نهاية وبداية/ كل قصيدة هى كلمة على شاهد قبر". هذا ما كتبه إليوت فى "الرباعيات الأربع" والتى يعتبرها ترانسترومر ذات تأثير كبير على "البلطيق". الكتابة هى مسألة حياة أو موت، هى فعل يعرّف الفرد فورا ويوضح ويؤثر على علاقته بالآخرين، وعلى البنى السياسية وعلى العالم غير الإنسانى:

"30 يوليو. المضيق يصبح غريبا – ممتلئا بقناديل البحر اليوم لأول مرة منذ سنوات، إنهم يدفعون أنفسهم للأمام بهدوء وصبر، وينتمون لنفس خط السير: أوريليا، إنهم ينجرفون كالأزهار بعد التكفين البحرى، إن انتزعتهم من المياه سيتلاشى شكلهم تاما، مثلما تنتزع الحقيقة غير الموصوفة من الصمت وتتشكل فى كتلة جامدة، ولكنهم لا يُتَرجَمون، ولا بد أن يبقوا داخل عنصرهم.

2 أغسطس. هناك شىء يريد أن يقال، ولكن الكلمات ترفض
هذا الشئ لا يمكن أن يقال،
أفازيا[4]،
ليس هناك كلمات، ولكن ربما أسلوب...

يمكنك أن تستيقظ قبل الفجر
لتخط عدة كلمات
على أقرب ورقة، على هامش صحيفة
(الكلمات تشع معانى)
ولكن فى الصباح: نفس الكلمات لا تقول شيئا، شخبطات، فلتات لسان
أو أجزاء من الأسلوب الليلى العالى الذى يتحرك للأمام؟"

البلطيق إلى حد ما أفضل ما يمكن أن يبدأ به القارئ الجديد لترانسترومر، إنها تتطور ببطء أكثر من قطعه القصيرة، واستعاراته قوية هنا مثلها مثل أى مكان آخر، تكشف نفسها تدريجيا. وكما يدل العنوان، فالقصيدة تجرى فى بحر البلطيق، على جزيرة جوتلاند، وأرخبيل استوكهولم، حيث كان الشاعر ينعزل خلال حياته فى منزل أسرته الصيفى. البلطيق هى بيئة ترانسترومر الأصيلة حيث الجمع بين البحر والجزر، بين المياه الحلوة والمالحة، وبين الديمقراطيات والديكتاتوريات، على الأقل أثناء الحرب الباردة.

القصيدة تضم أيضا تأملا عميقا فى طبيعة الشخصية الإنسانية، فتظهر قصة مؤلف موسيقى فى بلد غير معروف، نفترض أنه خلف الستار الحديدى، المؤلف يتم الاحتفاء به من قبل السلطات، ثم يتم نقده، ثم – بعد إعادة تأهيله رسما – يصاب بالسكتة:

"نزيف دماغى: شلل فى الجانب الأيمن مع فقد القدرة على النطق، يستطيع
فقط فهم جمل قصيرة، يقول كلمات خاطئة.
بعيدا عن متناول الرثاء واللعنات.
ولكن تبقى الموسيقى، يظل يؤلف بأسلوبه
لبقية الأيام يتحول إلى إحساس جسدى

يكتب الموسيقى لنصوص لم يعد يفهمها
بنفس الطريقة
نحن نعبر عن شىء خلال حيواتنا
فى الكورس المترنم بكلمات ممتلئة بالأخطاء".

الهوية الفردية مقدسة عند ترانسترومر، وهو يثور على أى شىء – سواء كانت الدولة أو الجماهير أو الكنيسة – يهددها أو يقولبها. الناقد ستافان بيرجسون أشار إلى أنه رغم وجود بعض الملامح الباطنية فى أعمال الشاعر إلا أنها لتصل لتنويعة الذوبان التام فى الكلى. أتساءل إن كانت خبرته العملية أسهمت فى تبجيله للذات الصغرى (كمضاد للذات فى الميتافيزيقا الشرقية). فهو قضى حياته العملية كعالم نفس، غالبا ما يرشد الشباب المضطربين، وهو يعرف أفضل من كثيرين قيمة أو هشاشة الذات الوظيفية. اللحظات الشعرية التى يختبر فيها الموت تكون بشعة ومفزعة، كما فى قصيدة "الاسم":

"شعرت بالنعاس أثناء رحلتى بالسيارة، فقدتها نحو الأشجار على جانب الطريق، استلقيت
على المقعد المخلفى ونمت. لكم بقيت؟ ساعات. حتى حل الغسق.

وقجأة استيقظت ولم أعرف أين أنا، الاستيقاظ كان تاما ولكن هذا لم يساعدنى. أين أنا؟
من أنا؟ أنا شىء استيقظ على المقعد الخلفى، أتلوى فى ذعر كقطة
فى كيس. من؟

وأخيرا عادت حياتى. ظهر اسمى كالملاك. خارج الأسوار سمعت إشارة
بالبوق (مثل افتتاحية ليونورا) ووقع الأقدام المنقذة نزل من على السلم الطويل. إنه هو!! إنه هو!!

ولكن من المستحيل نسيان كفاح الخمسين ثانية
فى جحيم السلوان، أمتار قليلة تبعد عن الطريق الرئيسى،
حيث تتحرك السيارات والأنوار مضاءة".

عملية الاستيقاظ ربما تكون قريبة مما يحدث فى الحياة العادية من الحركة من عدم الوجود إلى الوجود. وصور الأحلام والنوم والاستيقاظ شائعة جدا وحاضرة باستمرار فى أعمال ترانسترومر. بالنسبة له فالأحوال الانتقالية بين النوم واليقظة، العام والخاص، الماضى والمستقبل، هى بمثابة مداخل لما يطلق عليه روبين فولتون "الفضاء المركزى"، أى الفضاء الذى تنفتح تجاهه أعماق الإنسان الفرد. من خلال هذا الفضاء المركزى الذى هو بمثابة حضور أو غياب، تنبثق الأشعار وتعود.

فى قصيدة من أوائل الثمانينيات بعنوان "المُصَلْصِلة" يوسّع الكاتب من منظوره ليشمل الإنسان الأعلى، هذه الحركة لا تترك للنهاية الإنسان، بالقدر الذى توضح فيه مكانه النسبى وسط طبيعة الأشياء:

"أنا مستلق على السرير وذراعاى ممددتان
أنا مرساة غرست نفسها بالأسفل وأمسكت
بالظل الضخم الذى يطفو هناك
غير المعروف العظيم الذى أنا جزء منه والذى
هو بالضرورة أهم منى".

هذه مخيلة عميقة، بارزة فى شكل المرساة، المتكلم أيضا يتكلم عن شىء أشبه بالصليب، ولكنه ضمنيا صليب مقلوب، مثل هذا الذى صلب عليه بطرس لأنه لم يجد نفسه يستحق أن يموت بنفس طريقة المسيح. تمنيت أن ينهى فولتون الجملة الأخيرة من الترجمة بالشكل الذاتى عن طريق ضمير المتكلم "أنا" كما فعل ترانسترومر فى السويدية، ليس فقط لأنها هذا أكثر دقة، ولكن ذلك كان طريقة أخرى لإظهار الأهمية المحورية لمفهوم الهوية عند الشاعر.

إن كان هناك اتضاع مؤثر فى الجمل المقتبسة، فهو اتضاع نسبى وليس مطلق. فإن كان المتكلم أقل أهمية من غير المعروف العظيم، فهو مع ذلك مرساته هنا فى عالم الصيرورة، ليس فقط بفضل مواهبه الشعرية بقدر ما هو بفضل وضعه كإنسان. فى قصيدة "الأقواس الرومانسكية"، يصف ترانسترومر باختصار مثير للإعجاب الأعماق والمرتفعات التى يحتويها الإنسان:

"داخل الكنيسة الرومانسكية المهيبة تدافع السياح فى نصف
ظلام.
الطاق يتسع خلف الطاق، لا رؤية واضحة.
لهب شموع قليلة يتراقص.
ملاك بلا وجه عانقنى
وهمس خلال جسدى كله:
"لا تخجل من كونك إنسان، كن فخورا!
فبداخلك طاق يُفتح خلف طاق بلا نهاية.
لن تكون كاملا، هذا هو ما كان مقصودا".
أصابنى العمى من جراء الدموع
وتم دفعى خارجا إلى الشمس الحادة فى الميدان
لأنضم إلى السيد والسيدة جونز، والسيد تاناكا، وسنيورا ساباتينى
وبداخل كل منهم طاق يُفتح خلف طاق بلا نهاية".

يمكن من آن لآخر الحصول على شىء من الترجمة – مثلا القوافى المتتالية بين كلمات أنا، جسد، بلا نهاية، أكون، ساباتينى، بلا نهاية[5] - ولكن هذا ليس له مثيل فى اللغة الأصلية.

ترانسترومر شاعر هادئ، وفى 1989 أصبح أهدأ بشكل أدبى للغاية، حيث بدا أن تنبؤه غير المقصود فى قصيدة البلطيق قد تحقق، فهناك جلطة شلت جانبه الأيمن، وحرمته من القدرة على الكلام. هو ما زال يعزف على البيانو، وإن كان بيد واحدة، وما زال يجرى الحوارات ويستقبل الضيوف، وإن كانت زوجته مونيكا هى التى تفسر كلماته غير الواضحة. توازيا مع أزمته الصحية اتجه الشاعر إلى قصائد أقصر، هذه العملية التى نفترض أنها وصلت لقمتها فى عمله (اللغز العظيم)، الذى يتكون كله من قصائد على شكل الهايكو. ورغم أن هذه القصائد ربما تكون النتيجة المنطقية لتطور ترانسترومر ورغم أنها امتدحت بشكل كبير فى السويد، حيث يتم توقير الشاعر، إلا أنها ليست عمله الأفضل، ولكن يظل هذا المجلد يحتوى على أعمال قيمة مثل (الثلج الذى يسقط) التى اقتبست منها سابقا، وهى كاملة كالتالى:

"الجنازات تأتى باستمرار
الكثير والكثير منها.
كإشارات المرور
ونحن نقترب من المدينة

الآلاف من الناس يحملقون
فى أرض الظلال الطويلة

الجسر يبنى نفسه ببطء
وينتصب فى الفضاء".

فى كتاب "الأسلوب الشعرى" يحدد أوين بارفيلد قيمة الشعر كنشاط يؤدى إلى "تغير محسوس فى الوعى" وهذا بالضبط هو التغير الذى يؤديه ترانسترومر عن طريق قراءته الاستعارية للعالم ليصل للقارئ على الدوام. هو لا يقارن كثيرا بجيمس ميريل، فى الحقيقة فهو تقريبا لم يقارن به قط، فالإثنان مختلفين بشكل كبير فى أشياء عديدة، ولكنى لا أستطيع التفكير فى شاعر أمريكى آخر من فترة ما بعد الحرب، يمكن أن أربطه به فى هذا المجال. قراءته تعنى إمكانية الدخول إلى العالم بطريقة أثرى وأعمق، أن تستطيع الولوج إلى – كما يقول – "الاحتفال الحقيقى، الهادئ كالموت".

روبين فولتون يستحق تقديرا كبيرا على عمله الشغوف والمستمر لمدة تزيد عن 35 عاما. الترجمات التى يضمها كتاب "اللغز العظيم" هى فى معظمها مخلصة وتستحق القراءة – أتمنى أن تكون الاقتباسات السابقة قد أظهرت ذلك. المقدمة واضحة ومفيدة – خاصة اقتراح ألا يتبع القارئ الترتيب الزمنى، لأن أعمال الشاعر الأولى أكثر كثافة وأقل قابلية للفهم من التالية. والمقاطع التى من نثر لترانسترومر عن سيرته الذاتية ومن الخطابات التى تعلق على أشعار بعينها تقدم سياقا شخصيا واجتماعيا وثقافيا مفيدا.

ولكن لدىّ بعض التحفظات، أولها ما يتعلق بالشكل الشعرى. ترانسترومر كتب قصائد موزونة بشكل أكثر مما يتوقع القارئ الأجنبى منه. الأشعار الموزونة تسيطر على المجلد الأول حيث تميل إلى أن تكون شعرا حرا أو رباعيات سافو[6]، وعلى الرغم من أن الشاعر اتبع الموجة العامة للشعر الأوروبى والأمريكى نحو الشعر الحر، إلا أنه مع ذلك لم يهجر الشعر الموزون. من الواضح أن فولتون من أجل نقل الأشعار الموزونة حاول اتباع الأوزان الأصلية عندما رأى ذلك ممكنا، ولكن النتائج كانت مرتبكة. الأشعار الموضوعة كشعر مرسل فى الأصل انتقلت بخشونة فى الترجمات، والنتيجة لم تكن دائما مريحة للأذن. فى حالات قليلة تجاهل فولتون الوزن تماما، هذا الأمر الذى فضله ترانسترومر نفسه كما هو مذكور فى أحد خطاباته الموجودة بالكتاب. فى حالات أخرى كان يتمسك بعناد بالوزن الأصلى مما يجعل الجميل مشوها.

هناك أيضا بعض من عدم الدقة هنا وهناك فى الكتاب، اختيار الكلمات يبدو أحيانا خاطئا، إن لم يكن لدرجة تضلل. وبينما أود أن يتم تصحيح ذلك فى الطبعات القادمة، إلا أنها فى معظم الأحيان لا تفسد الترجمة بشكل جدى. استثناء واحد كان فى قصيدة البريد الجوى، حيث ترجم فولتون المقطع قبل الأخير كالتالى:

"بالأسفل هنا كان العمل يجرى ببطء
كنت كثيرا ما أختلس النظر من الساعة
ظلال الأشجار هى أصفار سوداء
فى الصمت الجشع"

الكلمة السويدية التى ترجمت هنا "يختلس التظر" هى Snegla التى تعنى حرفيا "النظر بطرف عين المرء". والكلمة التى ترجمت بـ "الأصفار" هى فى الأصل Siffror وهى تعنى "الأشكال" أو "الأرقام". الآن فى الساعة الرابعة والربع من ظهيرة الجمعة، ربما أنظر للساعة بالطريقة التى وصفت بأنها اختلاس نظر. بنفس الرمز، فالأشكال الرقمية يمكنها أن تكون أصفارا، إذا اجتهدت فى تفسير ذلك، ولكن يبقى من الصعب عدم اعتبار السطور السابقة تشويها أكثر منها ترجمة لمعنى ترانسترومر.

بالنسبة للمجلد ككتاب ظهرت فيه الأشعار، فأنا كنت أود أن يضم الأصول السويدية مطبوعة فى مقابل الترجمة، السويدية والإنجليزية لغتان متقاربتان بما يكفى لجعل القارئ الذى لا يعرف الأولى يستطيع الاستفادة من إمكانية مقارنة النصوص، خاصة فى هذه الأحيان غير الشائعة التى يستخدم فيها الشاعر كلمة أو جملة إنجليزية. العنوان "بريد جوى" Air Mail على سبيل المثال، يتطابق فى النسختين الإنجليزية والسويدية، بينما جملة "العرض يجب أن يستمر" The show must go on التى اقتبستها سابقا موجودة بالإنجليزية فى الأصل. أعرف أن هذا الاقتراح يجعلنى عرضة لاتهامات عدم اللياقة بسبب القيود المادية التى يعانى منها ناشرو الشعر. لذلك لا أريد أن أبدو غير ممتن. فدار نيو دايركشنز قدمت خدمة لمتكلمى الإنجليزية عن طريق نشر هذا المجلد.

 أنا بدأت إعادة قراءة ترانستومر من أجل هذا المقال وأنا فى القطار المتجه إلى بوسطن من فلادلفيا. فى لحظة ما تركت الصفحات وألقيت نظرة على المدينة الصغيرة التى نمر أو مررنا بها. كانت هناك علامات على أن المحيط على يميننا – كان هناك محل حلويات، دكان للمأكولات البحرية، شىء أشبه بمساحة واسعة من العشب تفصل خط السكة الحديدية عن الطريق الرئيسى، مضافا إلى ذلك انطباعاتى عن الخمس دقائق التى مضت. وكانت هناك سفينة بحرية رمادية متأرجحة بفعل المد العالى، وكانت – والشكر لدرجة القطار – على نفس مستوى النوافذ التى فى الممر أمامى. أن أرفع رأسى عن الصفحات لأجد نفسى – بشكل مناسب بما يكفى – فى نقطة فى الزمان والمكان تشبه بشكل غريب تلك النقاط التى قابلتها فى الأشعار. كانت هذه اللحظة مذهلة ومبهجة وبمثابة لمحة أخرى عن "الاحتفال الحقيقى" الذى بسببه أنا ممتن لللشاعر.


[1]  Gallows Humor وهو المرح المستمر فى مواجهة موقف ميئوس منه.
[2]  The Seventh Seal فيلم سويدى أنتج عام 1957 ومن إخراج إنجمار برجمان.
[3]  Life of Brian فيلم بريطانى أنتج عام 1979 ومن إخراج فريق مونتى بايثون.
[4]  فقد القدرة على النطق.
[5]  تظهر فى اللغة الإنجليزية: me, body, endlessly, be, Sabatini, endlessly
[6]  الشكل الشعرى الذى اشتهرت به الشاعرة اليونانية سافو.