2012-12-03

نيتشه والعدمية الأخلاقية


نيتشه والعدمية الأخلاقية


ترجمة: أمير زكي
ديسمبر 2012

* ويليام لارج أستاذ الفلسفة بجامعة جلوسستر شاير – بريطانيا

شكر جزيل للسيد ويليام لارج على سماحه بالترجمة
Many thanks to Dr. William large who permitted to translate his lecture

***

في الثقافة الشائعة، يرتبط الفيلسوف نيتشه عادة بالعدمية الأخلاقية. ربما نعرّف العدمية على أنها غياب القيم العليا. ترتبط بالعدمية الأخلاقية النسبية الأخلاقية. النسبية الأخلاقية هي الاعتقاد بأن كل القيم - وخصوصا لأنه لا توجد قيم عليا - هي مجرد تعبير عن التفضيل الشخصي. على أي حال فللسخرية فإن هذا النوع من وجهة النظر الأخلاقية تحديدا هي ما ينتقده نيتشه. فبدلا من أن يكون عدميا فهو مضاد للعدمية. العدمية هي تشخيص لانحلال الثقافة الغربية، أكثر منها وضعا أراده نيتشه، أو يريدنا أن نطمح إليه.

ما هو سبب وأصل العدمية في المجتمع المعاصر؟ إنه الهدم المستمر لكل المعاني والدلالات، إنه الاعتقاد بأنه لم يعد هناك شيء يهم حقا، لأنه لم يعد هناك شيء ذو معنى حقا. ليس لدينا منظومة معتقدات أو قيم يمكنها أن توجهنا. منظومات المعتقدات القديمة كالدين والآخلاق لا تزال موجودة، ولكننا في أفضل الأحوال نتبعها بنصف إيمان، وفي أسوأها نعتقد أنها لا تحمل معنى مع ذلك. إنها موجودة فقط على حواف حيواتنا ووعينا. ولكن ليس العالم فقط هو الذي لم يعد يحمل معنى، نحن أنفسنا لم نعد نحمل معنى لأنفسنا. لِم علينا أن نختار مجموعة الأفعال تلك على حساب أي مجموعة أخرى؟ ما الذي يظل يعنيه هذا طالما أن الحياة الفردية للكل لم تعد تحمل دلالة وسط المخطط الكبير للأشياء؟ كما يصف ميشيل هار[1]:

"لم يعد هناك شيء يعني الكثير، كل شيء يعود إلى نفس الشيء، كل شيء متساو، كل شيء هو نفسه ومتكافيء: الصح والخطأ، الخير والشر، كل شيء منتهي الصلاحية، مستهلك، قديم، رث، محتضر: ألم المعنى غير المحدد، الغسق الذي لا ينتهي، ليس اندثارا محددا للدلالات، ولكن سقوطها غير المحدد".  (Allison 1985, p.13)

بالتالي سيكون من العبثي تماما أن نزعم أن هذا ما رغبه نيتشه. على العكس، هو أراد أن يشخص كيف وصلنا إلى هناك. ثقافتنا تشبه شخصية الله في ثلاثية فيليب بولمان: "المواد المظلمة"[2]: كبير ومستهلك، بالكاد يحيا، وبالتأكيد ليس شيئا علينا أن نظل نؤمن به.

الجانب الأخطر في العدمية على كل حال هي أنها في النهاية تصبح سعيدة وراضية عن نفسها، طالما اعتدنا على أن نشعر بالخوف والرعب من حقيقة أن الدين والأخلاق لم تعد تحمل أي معنى حقا، ولكن الآن نحن سعداء لأننا نعيش في عالم بلا معنى. أحد الأمثلة على هذا الرضا هو موت الله. مرة أخرى علينا أن نذكر أنفسنا بتلك الفقرة في "العلم المرح"، حيث كتب نيتشه عن المجنون الذي اندفع إلى السوق وأعلن أن الله مات. العديد من الناس قرأوا هذه الفقرة على أن نيتشه يحتفي ببساطة بالإلحاد، ولكن إن قرأنا هذه الفقرة بحرص، يمكننا أن نرى أن ما تصفه بحق هو كيف أن الناس العاديين لا يهتمون حقا إن كان الله ميتا أم لا. هذا هو المخيف بحق. ليس أن الله ميت، ولكن أن أحدا لم يلاحظ أنه مات:

"ألم تسمعوا عن المجنون الذي أشعل المصباح في ساعات النهار المضيئة، جرى إلى السوق وصرخ بدون توقف: "أنا أبحث عن الله! أبحث عن الله! – في حين كان يقف حوله وقتها العديد ممن لا يؤمنون بالله، يستثيرهم الرجل ليضحكوا أكثر. سأل أحدهم: هل تاه؟ وسأل آخر: هل ضل طريقه كطفل؟ أم أنه يختبيء؟ هل هو خائف منا؟ هل ذهب في رحلة؟ هاجر؟ - وهكذا صاحوا وضحكوا". (Nietzsche 1974, p.181)

كيف يمكن لهذا المشهد أن يكون إعلانا عن الإلحاد، بينما الناس الذي يعلن عليهم المجنون موت الله هم في الحقيقة ملحدون؟ لا، ليس هذا هو ما يعتقد نيتشه أنه هام لفهمنا. حقيقة هذه الفقرة تأتي لاحقا، عندما يخبرهم المجنون بأنه نحن من قتلنا الله: "نحن قتلناه – أنتم وأنا". (Nietzsche 1974, p.181) إلا أنه مع كوننا قتلة الله نحن نظل بلا فكرة عن عالم بدون الله، بدون قيم تعني شيئا، وبسبب ذلك فنحن ما زلنا نتمسك بالعالم المثالي رغم أنه غائب. ليس كافيا أن ننفي القيم، لأن ساعتها كل ما سيتبقى معك هو النفي، والنفي معتمد بشكل كبير على الشيء المنفي. أقول إنني لا أؤمن بالله، ولكن وللتناقض فهذا اللا – إيمان هو معتمد على فكرة الله بنفس قدر الإيمان بالله، فبدون فكرة الله كيف يكون من الممكن أن تكون ملحدا. علينا أن نصل إلى ما وراء كلا من فكرتي الإيمان وعدم الإيمان. علينا أن نصل، ولنستخدم عنوانا لأحد كتب نيتشه، إلى ما وراء الخير والشر.

المصدر الرئيسي للعدمية هو النفي، وبالتالي فلكي نفهم العدمية علينا أن نفهم النفي، أو ما سيطلق عليه نيتشه الإرادة السلبية للقوة، هناك مصدران للقيم في العالم عند نيتشه: الارتكاسية والفاعلة. العدمية بكل أشكالها ارتكاسية، وهذا هو تحديدا السبب في أن فلسفة نيتشه لا يمكن أن تكون عدمية، لأنها ضد الإرادة الارتكاسية للقوة المذكورة.

نقد نيتشه للأخلاق هو لكونها في الحقيقة ثانوية. الأخلاق تقدم نفسها على أنها تقييم موضوعي منزه للعالم، ولكن تحت ذلك هي مجرد شكل آخر من إرادة القوة: الرغبة في الحفاظ على الذات، حتى لو عنى ذلك السيطرة على الآخرين عن طريق المراءاة والمكر. كل الأخلاق منافقة، ليس لأنها زائفة أو خاطئة - هذا الذي سيكون تبسيطا شديدا، طالما كان كل البشر يعيشون بالقيم، حتى لو كانت القيمة الأعلى في عصرنا هي ألا نقدر شيئا - ولكن لأنها تقدم نفسها على أنها ليست من هذا العالم، تتعالى على التوافه والمكابدات، موضوعية وصحيحة تماما.

نيتشه لا ينتقد القيم في العموم، ولكن القيم الارتكاسية، وهذه القيم هي التي قادت إلى عدمية الغرب. وبكونها قد نفت العالم، ولم تجد شيئا إيجابيا فيه، انتهت إلى النفي الكلي وتدمير نفسها. أما إرادة القوة الفاعلة فعلى العكس، فهي يمكن أن تُهزم عن طريق قوة فاعلة أخرى، ولكنها لا تبحث عن هدمها الذاتي.

القيم الفاعلة والارتكاسية تصف علاقات السيطرة والتبعية. ما هو ارتكاسي هو دوما رد فعل لما هو فاعل. إنه يجعل نفسه تابعا للقوى الأكثر سيطرة. ولكن من المهم أن ندرك ذلك؛ أن التبعية ليست غيابا للقوة. نيتشه يعتقد أنها تعبير عن قوة للسيطرة بنفس القدر الذي تجعل به نفسها تابعة. في الحالة الثانية، يحصل المرء على القوة عن طريق تكييف ودمج نفسه مع الحالة الحاضرة. هذه بالضبط هي الطريقة التي تعمل بها المجتمعات الحديثة. إنها القوة على التكيف والنفع، وهؤلاء القادرون على تكيف أفضل يكون لديهم قوة أكبر، وهؤلاء الذين يرفضون التكيف والتشابه والتطابق، تكون لديهم قوة محدودة أو يكونون بلا قوة على الإطلاق. "كن مثل أي شخص آخر، أو كن آخر!" هذا هو شعار مجتمعاتنا، ومدارسنا وجامعاتنا ليست سوى آلات لتنتج هذا القبول.

ولأن مجتمعاتنا، وربما المجتمع نفسه، هو ارتكاسي أصلا، فيكون من الأصعب أن نصف ما هي القوى الفاعلة. شيء واحد نعرفه هو أنها لا بد أن تكون مُقَدَمة، لأنه بدون القوى الفاعلة فلن تكون هناك أي قوى ارتكاسية، فأي شيء سترتكس ضده؟ هذه هي أول خطوة بعيدا عن العدمية. لأن العدمية تقول إن المقدم هو النفي. ولكن هذا هو بالضبط ما تقوله القوى المرتكسة: انف! ما هو فاعل، على العكس، هو الخلّاق، الذي يفرض الأشكال ويسيطر. كلمته الأولى ليست "لا" بل "نعم"، وما على المرء أن يخلقه أولا هو نفسه فيما وراء القوى الارتكاسية للمجتمع. مرة أخرى فنفي المجتمع ببساطة، والقيم المتضمنة بداخله ليس كافيا، فأن تكون معتمدا على قيم المجتمع الذي تزدريه تماما، وأن تنفيه كله دفعة واحدة سيكون المتبقي لك هو ثقب أسود. الفكرة هي أن تخلق قيم جديدة تقفز فيما وراء قيم المجتمع المنفية. هذا هو ما يدعوه نيتشه، كما وصف لدى ديلوز، "القوة الديونسية" (Allison 1985, p.83)..

ربما أفضل طريقة لأن نفهم هذه القوة يكون من خلال التمييز الذي صنعه نيتشه بين ديونيسيس ويسوع. حياة يسوع، كما يعرف من شاهدوا فيلم جيبسون "الآلام" هي حياة تبرير للمعاناة والتي تجعل الحياة نفسها شيء يسبب المعاناة والتي عليها أن تُبَرَر وتُشَرَّع كالمعاناة. هذا يجب أن يتميز عن ديونسيس، أو على الأقل ما يمثله الإله اليوناني لنيتشه. الحياة هنا لا تحتاج لأن تُبَرَر، وحتى لو كان هناك ألم، فبالتالي فهذا جزء مبرر في الحياة. ليس من المفترض ان يدفع لها الثمن من مكان آخر، كما أدت معاناة يسوع على سبيل المثال. الحياة ليست بحاجة لأن تُخلّص، لأنه لا يوجد شيء تُخلّص منه، الأحرى أن تتأكد الحياة كما هي. هذا هو ما يعنيه نيتشه بالعود الأبدي، التي ربما تكون واحدة من أصعب الأفكار:

"ماذا لو في ليلة ما، تسلل جني إلى أكثر أوقاتك وحدة وقال لك: (هذه الحياة التي تعيشها الآن والتي عشتها، سيكون عليك أن تعيشها مرة أخرى والعديد من المرات الأخرى... كيف ستعد نفسك جيدا أمام نفسك وأمام الحياة لأن لا تأمل لشيء بانفعال أكثر من التأكيد والإقرار السامي الخالد؟)" (Nietzsche 1974, p.343)

لم نيتشه ليس عدميا؟ لأن العدمي هو الشخص الذي يختصر العالم إلى لا شيء. بهذه الطريقة فالمسيحي أو الأخلاقي هو العدمي، لأنه بدون يسوع أو الأخلاق، ستكون الحياة لا شيء على الإطلاق. فلأنهم يختبرون الحياة كلا شيء في ذاتها، فهم يحتاجون أخلاق مضافة أو نظام ديني متجاوز للحياة. العدمي الحديث هو مجرد مؤمن بدون إله، مسيحي بدون يسوع، أخلاقي بدون أخلاق. يتبقى معهم نفي العالم، ولكنهم ببساطة ليس لديهم نظام إيماني ليحل محل الدين والأخلاق والفلسفة. بدون الله ستكون الحياة بلا معنى، ولكن هذا يعني أن المسيحية عليها أن تثبت أن الحياة بدون الله بلا معنى. الآن الله مات، وكل ما يتبقى لنا هو لا معنى الحياة. كل ما يمكن حدوثه في المستقبل هو أننا سنحصل على معتقدات جديدة (الرأسمالية، القومية) التي ستغطي موت الله. العدمية هي مجرد عَرَض على الإيمان، مرحلته النهائية وتطوره الأخير. إنها ليست المواجهة للإيمان، ولكن مجرد شكله النهائي، كما يشرح ديلوز ببلاغة شديدة:

"كانت الحياة مزدراة من قَبْل من قِبَل علو القيم السامية. الآن على العكس، فقط الحياة تبقى، ولكن تظل الحياة المزدراة المستمرة الآن في عالم بلا قيم. منزوعة من المعنى والغرض، تتقدم من كل اتجاه نحو اللا شيء". (Deleuze 1983, p.148)

المرء لا يمكن أن يكون عدميا ويؤكد الحياة، وفلسفة نيتشه ليست سوى التأكيد على الحياة كما هي. هذا هو السبب في انتقاده للدين والأخلاق والفلسفة؛ لأنها كلها تبدأ بنفس الافتراض المسبق بأن الحياة لا تعني الكثير ويجب أن تزود بدين أو أخلاق أو "عالم آخر" ميتافيزيقي وأساسي. نعم العدمي يتخلص من هذا "العالم الآخر" ولكنه يظل باق على كراهية العالم الذي بدأت منه أولا كل المعتقدات كدافعها الأصلي. بطريقة ما فالعدمية أسوأ من الأخلاق والدين والفلسفة، لأنها تنفي الحياة، ولكن ليس لديها تعويض على الإطلاق عن الحياة التي تهدمها. ما نحتاجه بالتالي هو إيمان جديد، إيمان ديونيسي، يؤكد الحياة، وحتى المعاناة تكون مجرد جزء من الحياة على نفس القدر من البهجة.

مصادر الكاتب
Allison, D.B. ed., 1985. The New Nietzsche : contemporary styles of interpretation, Cambridge, Mass.: MIT Press.

Deleuze, G., 1983. Nietzsche and philosophy, New York: Columbia University Press.

Nietzsche, F.W., 1974. The Gay Science : with a Prelude in Rhymes and an Appendix of Songs, New York: Vintage Books.



[1]  Michel Haar (1937-2003) فيلسوف ومترجم فرنسي، تخصص في نيتشه، ودرّس الفلسفة في جامعة بانثيون سوروبون
[2]  His Dark Materials ثلاثية روائية خيالية للإنجليزي فيليب بولمان

هناك تعليق واحد:

  1. أستغرب عدم وجود تعليقات على هكذا منشور رائع ..

    أنا عثرت على الموقع صدفة .. ومعذرة للفارق الزمني الكبير ..

    أقول :

    يستمتع القارئ بهذا الجمال والبلاغة في التحليل، والمتانة في الترجمة ..

    لكن إذا سلمنا بالدفاع عن نيتشه بهذه الصورة، ومهاجمة العدمية بهذه الصورة ..، فإن ذلك يرسل رسالة ربما تكون خاطئة عن نيتشه، وهي أن نيتشه كان مفكرًا ولم يكن فيلسوفًا ..

    فإذا كان نيتشه يتجنب العدمية عن قصد ، فقط ليمنح للحياة معنى وقيمة ..، فهو بذلك يُثبت العدمية ولا ينفيها ، وهو إذن لا يبحث عن الحقيقة إنما يبحث عن غاية محددة لديه مسبقًا .. وهذا نهج المفكرين لا نهج الفلاسفة ..

    مع تحياتي وتقديري لكم ..

    ردحذف