2012-06-24

حطب معدة رأسي – مصطفى ذكري – اقتباسات


"تركت المقهى في الرابعة صباحا. كانت جلسة طويلة مع أصدقاء مهنة. كنت أكثر المتحدثين حماسا. أحكام قاطعة، وآراء حادة، وصوت مرتفع. كانوا يقبلون كلماتي، ليس لأنهم لا يملكون أحكامهم وآرائهم الخاصة، بل لأن لا قدرة لهم على مُجاراتي في ارتفاع الصوت، واشتعال الحماس، وحضور الأمثلة التي تدعم حدة الرأي وطغيان الحكم. دخلت البيت في الرابعة والنصف صباحا. فكرت في حديث المقهى. وشعرت بفجوة هائلة تفصلني عنه، ولو جاءني واحد من الأصدقاء الآن، وردد على سمعي مقتطفات من الحديث الطويل، لأنكرته بجحود وبرود، وكأنني ادركت في زمن لاحق، أنه لا فائدة من هذا الحديث، ومع أنه في النهاية دردشة فارغة يمارسها المهنيون في مجالاتهم المختلفة، إلا أنها دردشة سيئة، يظهر أثرها عند العمل الحقيقي، وكأنها تحرق شيئا من طاقة العمل المستقبلي. إذن هو ليس حديثا، إنها دردشة، وزمنها حاضر أبدا".

***

"لم يبق لي شيء تقريبا، لا الشيء، ولا وجوده، ولا وجودي، ولا الغرض الصرف، لا اهتمام من أي نوع بأي شيء، ومع ذلك أبحث، وما زال هذا بلا ريب اهتماما بالوجود، لا بحث يثير اهتمامي، حتى الذي يساوي أهمية البحث عنه، المتعة الوحيدة التي آخذها من عملية البحث لا آخذها، بل أعيدها كما أخذتها، أتلقى ما أعيده، آخذ ما أتلقى، لا لكومة القش دون إبرة، ولا للإبرة دون كومة قش".

***

"قال الممثل الأول: شجرة، في جملته الحوارية، وهو يقصد شجرة بعينها، بينما قال الممثل الثاني في جملته الحوارية، وهي ردا على جملة الممثل الأولى: شجرة، وهو لا يقصد شجرة بعينها. أوقف المخرج تصوير المشهد، لأنه لم يستطع لمس الفرق بين أداء الممثل الأول، وأداء الممثل الثاني، وكان الممثل الأول كان يقصد شجرة بعينها، والممثل الثاني يقصد شجرة أخرى، لكن بعينها أيضا. بعد توجيهات المخرج دارت الكاميرا مرة ثانية، وبعد الجملتين الحواريتين للممثل الأول، والممثل الثاني، توقفت الكاميرا، لأن المخرج أحس أن الممثل الأول لا يقصد شجرة بعينها، كان يقصد شجرة بإطلاقها، بينما كان الممثل الثاني يقصد شجرة الممثل الأول. تحدث المخرج مع مساعده، وبدا أن غياب الأشجار عن مكان التصوير هو الحائل بين تمييز أداء الممثل الأول عن أداء الممثل الثاني، وبدلا من الكافيه انتقل مكان التصوير بنفس الحوار إلى كازينو في حديقة، وفي خلفية الكازينو كانت هناك شجرة تين عملاقة. في المشهد التالي اختفى الممثل الثاني، وجاءت البطلة التي كانت تجمعها مع الممثل الأول ذكرى قبلات قديمة تحت شجرة بعينها في زمن مراهقتها، ولكن كما يقولون: مرّت مياه كثيرة تحت الجسر منذ ذلك الحين، ولم تستطع البطلة التفكير في شجرة بعينها، لأنها تلقت قبلات تحت عشر أشجار، أو فيما يزيد. قالت البطلة: شجرة، وهي تفكر في أشجار بعينها، لكنها لم تفكر في الأشجار بإطلاقها كما حدث مع الممثل الثاني. اعتقد الممثل الأول أن البطلة تقصد شجرة بعينها".

***

"لأنني لا أذهب إلى هدف معين دون أن أعود إلى الذات، وبقدر ما تكون العودة مفاجئة، بقدر ما تكون مؤلمة، إلا أن الهدف القريب أقل مفاجأة وألما من الهدف البعيد، بسبب المسافة المتناهية في الصغر بين الهدف القريب وبين الذات، وكأن رفّة عين كفيلة لاصطدامي بحاجز الذات الكريه، فأعرف سريعا زيف الهدف، أو على الأقل استحالة فصله عن الذات. على النقيض عندما يكون الهدف بعيدا، وأكون مُستغرقا فيه طوال أيام وشهور، أقطع فيها طريقا قفرا للوصول، وأنا أحمل مؤونة الحماية من الجوع والعطش. أتوجه إلى الهدف البعيد، الواقع على حدود الذات، حدود نائية أيضا، إذ كيف يكون الهدف بعيدا، إذا لم تلمس حدوده حدودا أخرى بعيدة، نقاط تفتيش أمنية، ذواتا حدودية مصغرة من ذاتي الكريهة، لكنها هنا على الطريق، مُعَدّة لانطلاقتي الكبيرة، هنا فقط هي تَذكِرة، وتأمين من الضياع، وصون من خطورة الطريق. وبعد آخر نقطة حدودية، عندما تنفتح أمامي المسافة، وبينما أفكر بسرور في العتق، وأن سن رشيد تجاوز نقاط ذواتي المرورية، أجد في نهاية الطريق، ذاتي التي هربت منها، والهدف البعيد، والانطلاقة المباركة، شيئا واحدا. أعود إلى البيت مهدودا، محمر العينين. دوش الماء الساخن الآن بألف هدف وألف طريق، وعند تأزُّم الأمور لا سبيل لرفع المعنويات إلا بأشياء حسية بسيطة، وكما كانت الصفعة على خد التحليل النفسي قاسية، وبعد عقود طويلة من الإيمان بأن هناك مرضا نفسيا لا يحتاج إلا لخيط الحديث الناعم بين الطبيب والمريض، عادت العائلة سيئة السمعة، جزارة طب العصابيين، الزانكس والفاليوم والبروزاك، لحقن ميوعة وأنوثة التحليل النفسي بشيء من الصلابة والرجولة".

***

"يبدو أن الإنسان الغربي لا يقبل أن تكون مملكة الحيوان مملكة بدائية تحكمها بالكاد قوانين هشة، ومع أن الهدف الظاهر والمعلن في حلقة البحث، هو إعادة تأهيل مجموعة من إنسان الغاب، الواقف وجها لوجه أمام انقراض نوعه، تمهيدا لإعادة إطلاقها في الغابة المطيرة، إلا أن الهدف الحقيقي الباطن ربما بشكل لا شعوري داخل الغربيين، هو صناعة أفلام تسجيلية لمحطات كبيرة مثل الأنيمال بلانت والناشيونال جيوجرافيك".

***

"حدث ويحدث أننا قطعتُ، وما زلت اقطع، في التسلية أشواطا بعيدة، بإخلاص واصفرار وذهول، كما لو كنت في معركة مباشرة مع الوقت، ليس لأنه ثمين ولا يُعوَّض، بل فقط لمجرد وجوده، وإحساسي الطاغي بثقله، إنها معركة تستهدف قتله، وعلى الرغم من أن المعارك تسمح بجميع الأسلحة، الشرعي منها وغير الشرعي، إلا ان حالتي تبقى فيها التسلية دون تنوع، دون انحراف، تسلية تقليدية عادية يمنعني الحياء من ذكر فصولها الرتيبة، وإذا كان هناك فخر ما، فليس سوى الثبات المتخشب الهش المعرض لانكسار مهين دون أسباب واضحة، أمام الأيام والساعات والدقائق، ومع أنه يُحسَب في النهاية ثباتا، إلا أنه لا يستدعي الفخر، كما أن العمل في مجال الأدب لا يستدعي الفخر. قلتها أخيرا: أعمل في مجال الأدب. وكانت الأسباب التي جعلت أبناء مهنتي يرضون عن مهنتهم وعن أنفسهم، هي نفسها الأسباب التي جعلتني في نفور من مهنتي أولا ومن نفسي ثانيا ومنهم ثالثا، وعلى هذا تركتُ لهم جيفة الأعمال الروائية المطابقة للمواصفات، وحفلات التوقيع، واصطياد ما هو اجتماعي أو سياسي أو تاريخي، ونجاحات البيست سيللر، وبؤس توجههم لكتلة دهماء لها اليد الطولى في تشكيل الذوق الفني، وفي وضع الكاتب على خازوق الشهرة".

***

"إن النقص الأخلاقي في حياة الكاتب مقبول ومُدلل من قِبَل الساهرين على أدبيات السير الذاتية، بل يبدو جذابا، ومادة تسجيلية ودرامية تتحول تحت خفة اليد إلى كمال من نوع سحري، لكن يبقى نوع واحد من أنواع النقص الأخلاقي لدى الكاتب أو الفنان محظورا، وهو تقدير الكاتب أو الفنان لعمله الإبداعي، وهذا التقدير يشمل سعي الكاتب أمام عمله، هذا السعي لا يقبل خفة اليد، يظل قبيحا مُنفرا يستعصي على تحويله من نقص أخلاقي إلى السقوط الوجودي الذي تنعم به فروع النقص الأخرى".

***

"عندما يعمل شخص ما بشكل محموم في مكتب، سيصبح حتما متعبا لدرجة تمنعه من الاستمتاع بأجازته، ولكن حتى لو كان هذا العناء المضني من العمل شفيعا بأن يُعامَل بمودة من قبل الآخرين، فإن هذا الشخص الما لن يضمن تلك المعاملة، بل على العكس، شخص ما وحيد، غريب الأطوار، هو مجرد موضوع للفضول، وطالما أنك تقول: شخص ما بدلا من أنا، فليس هناك مشكلة، ويستطيع الشخص الما هذا أن يروي القصة بسهولة، ولكن بمجرد أن تعترف أن هذا هو أنت نفسك، ستشعر كما لو أنك مشلول أو مذعور".

***

"بتعبيرات الموسيقى، يحتفل الأدب الكبير، الأدب التقليدي، أدب الماجير، طوال قرون، بنظرة العيون، على اعتبار أنها نافذة الروح، على عكس الأدب الصغير، أدب المانير، لا يهتم كافكا كثيرا في أدبه بوصف العيون، وقد يكون سلوك الشخصيات أو أوضاعها الفيزيقية النافذة الحقيقية للروح. كان والد كافكا جديرا بفحص ووصف سلوكي وفيزيقي لا يرحم من قِبَل ابنه، ومع هذا لا نجد بسهولة وصفا لعينيه، ولأن وصف العينين هو ألف باء الأدب الرشيد، ولأن هذا الوصف ساخن بطبيعته، ويؤكد الحياة، ولأن كافكا من ذوات الدم البارد، والنافي الأكبر للحياة، ولأدب الماجير، الأدب الكبير، فقد سلب بهدوء كل ما يُنسب لنافذة الروح. إذن فقد تُستدْرَج الروح إلى مكان ناء، وهناك يتم تصفيتها نهائيا من كل ما ينسب إليها، وليس بعاطفة أخيرة نقول: كلب وراح".

***

"هذه اليوميات تقتلني، لكنني لا أملك شيئا آخر، وبعد العصيان المبطن بعجز أمام البناء القصصي والروائي، فإنني لا أملك سوى الصراع مع الفقرة شبه الأدبية. اليوميات تسمح بنقص الفقرات، ورداءة صياغتها، لكنها تسمح ضمنا بكل براعة ممكنة. إن الديموقراطية من طابع اليوميات، لأنها تفترض الانتظام في الكتابة، والانتظام قاتل آخر، فمع الانتظام سنكون وجها لوجه أمام التكرار، شئنا أم أبينا، فلم يسلم كافكا في يومياته من التكرار، ولم يسلم أيضا بيسوا في كتابه اللا طمأنينة. إن مشكلتي مع الكِبْر، وينقصني كثير من التواضع. أضع لنفسي مقياسا عاليا في كل فقرة أكتبها، وأعلم أنني لا أحقق هذا إلا نادرا، ومع هذا أيضا لا ينقطع الأمل المؤلم. وفي زمن الواقعية الصارخة التي تتمثل في القبض على كل ما نعيشه من احداث كبيرة، فلا أمل أمام كتابة جمالية، وكأن معركتي من طرف واحد، ولا وجود لطرف آخر".

مصطفى ذكري
حطب معدة رأسي
دار العين

2012-06-13

جون جراي يكتب عن فرناندو بيسوا


جون جراي*

ت: أمير زكي
يونيو 2012

* جون جراي كاتب وفيلسوف سياسي بريطاني وأستاذ سابق للفكر الأوربي بمدرسة لندن للاقتصاد

***

"فرناندو بيسوا، إن تكلمنا بدقة، ليس موجودا". هذه الكلمات كتبت بواسطة ألفارو دي كامبوس، المهندس البحري، متعاطي الأفيون، والأفستنتين، الداندي والمستقبلي – وواحد من (على الأقل) 72 اسما مستعارا وهوية متخيلة أنتج بيسوا من خلالها بعضا من أكثر الأشعار والنثريات لفتا للنظر في القرن العشرين: س آ آنون، الفيلسوف الإنجليزي الذي كتب بشكل لا ديني حاد أسئلة عن حرية الإرادة والحتمية؛ ريكاردو ريس، الملكي البرتغالي، ما بعد الهوراسي، وأحيانا المدرس اللاتيني؛ ألبرتو كاييرو، الكاتب الوثني لـ "راعي القطيع"، الذي يقدم نقدا شعريا للغة والميتافيزيقا بشكل حاذق وقوي كأي شيء تجده عند فتجنشتاين – هذه بعض الشخصيات التي تبناها بيسوا على مر حياته تلك التي استبقت وجسدت الحالة ما بعد الحداثية، فلا تكون لدي المرء هوية واحدة أو مستقرة. ومن بين ذوات بيسوا المختلفة، فالأقرب لشخصية الرجل نفسه – إن كان هذا الرجل موجودا أصلا – هو برناردو سواريس؛ الكاتب المتخيل لكتاب "اللا طمأنينة".

سيرة سواريس الذاتية[1] "الخالية من الحقائق" يجب أن تعتبر أكبر هجوم على فكرة "المؤلف" في الأدب الأوروبي الحديث، حتى من جهة تاريخ نشرها، إنها تعبر عن التهرب الكامل الذي يحيط بكل شيء متعلق ببيسوا. وُلد في لشبونة في عام 1888، قضى أيامه في الكتابة والشرب والتدخين المفرط، ويعيش بشكل محدود على الترجمات وابتكار الكلمات المتقاطعة الإنجليزية، شخصية منطوية لديها أصدقاء قلائل وغالبا بلا حياة عاطفية. بالنسبة له، فالغموض كان نوعا من الحياة المناسبة. عندما مات عام 1935، غالبا بسبب فشل كبدي، كان محبوبا في البرتغال ككاتب مقالات متحقق وشاعر تجريبي، ولكن مع ذلك كان غير معروف بشكل كبير في أوروبا. الجزء الأعظم من أعماله يتكون من أكثر من 25000 قطعة، بعضها غير مكتمل كما يبدو، الأخرى مجرد قصاصات، وُجدت في حقيبة بعد موته. بيسوا لم يترك مرشدا لكيفية جمع هذه الأوراق. قبل وفاته بوقت قليل وضع بعضها في مظروف وكتب عليه عنوان الكتاب، ولكن ليست كل مختاراته تبدو منتمية هنا، ويظل من غير الواضح أي من بقاياه الأدبية قصد أن يضمها بالكتاب.

نتيجة ذلك أنه لن تكون هناك نسخة مؤكدة من كتاب اللا طمأنينة. كًتًبه وتوقف عن كتابته في مدة زادت عن عشرين عاما، يبدو أنه بدأ ككتاب لشخصية أخرى لبيسوا، فيسينت جيديس، وتطور الأمر ببطء إلى تجربة سواريس المتخيلة، إنه عرض مبعثر للأفكار والمشاعر والذكريات المتخيلة لا يمكن فك شفرتها تماما. كل نسخة مجبرة على أن تكون بناء. في تعليقاته على النص، ريتشارد زينيث يؤكد ذلك ويقترح على القراء أن "يخترعوا ترتيبهم الخاص، أو الأفضل أن يقرأوا أجزاء الكتاب المختلفة بطريقة عشوائية". على الرغم من هذا التنصل فقراء نسخة زينيث سيجدونها تفوق النسخ الأخرى في سلاسة الأسلوب والدراسة النقدية والتعاطف مع حس بيسوا المجزّأ. 

بيسوا يمكنها أن تعني "شخص" و- بامتداد كلاسكي معروف: "قناع"، ولكن هوية بيسوا المتخيلة ليست تنكرا. كان من المعروف على نطاق واسع أنه خالق كل هذه الشخصيات المستعارة. على العكس فهذه الأسماء المتزاحمة تعبر عن الإيمان المطلق بأن الفاعل الفردي، قلب الفلسفة والدين والأخلاق الأوروبية هو وهم. كما تقول إحدى الشخصيات المستعارة: "كل واحد منا هو مجموعة من الأرواح التابعة، مركب مصنوع سيئا من الأنفس الخلوية". فكون الذات متعددة، وليست فردية كانت أكثر خبرات بيسوا حميمية. ولكن بالكتابة – مستخدما وسائط، كقناة لعدد من الشخصيات بتواريخ وقيم مختلفة كلية – فعل بيسوا أكثر من مجرد تسجيل خبرته عن التفكك. هو شخَّص حالة أصبحت منتشرة في أوروبا القرن العشرين – الوعي الذاتي المتنامي بشكل كبير والممتزج بعدم وجود أي رؤية ثابتة للعالم. بلا ديانة ولا عقيدة إنسانية مبتذلة من عهد التنوير لتحفظه، بيسوا عاد إلى نفسه، فقط ليجد الشك والاضطراب. هذه هي الحالة التي قال عنها برناردو سواريس، بالضبط في بداية نسخة زينيث من كتاب اللا طمأنينة، انحطاطا: "فكرت أن الله، رغم كونه غير ممكن، ربما يكون موجودا، في هذا الحالة عليه أن يُعبَد. في حين أن الإنسانية، بكونها مجرد فكرة بيولوجية ولا تدل على شيء أكثر من الكائنات الحيوانية التي ننتمي إليها، لا تستحق العبادة أكثر من أي كائن حيواني آخر... وهكذا، بعدم معرفة كيف أؤمن بالله وعدم القدرة على الإيمان بمجموع الحيوانات، أنا، وناس آخرين على الحافة، أبقينا على مسافة بيننا وبين الأشياء، مسافة تدعى عادة الانحطاط". 

بيسوا ليس الكاتب الوحيد من بداية القرن العشرين الذي جعل حالة الشخص الذي بلا هوية مستقرة ولا معتقدات هو موضوعه الأساسي والرئيسي. فهكذا فعل روبرت موسيل[2] في عمله الأبرز المتبصر والفطن والذي تم تجاهله بشكل غير مفسر "رجل بلا مميزات". ولكن لا أحد عاش حياة غير مجدية بشجاعة بيسوا، أو كتب عنها بهذه الرؤية وهذا السحر. تقرأه في أحيان ما مثل دفاتر مالت لوريد بريج[3] لراينر ماريا ريلكه، وكذلك في أحيان أخرى مثل كتب المساعدة الذاتية الأقرب للخداع الموجهة للفاشلين والحالمين دوما، كتاب اللا طمأنينة هو خليط من الأمثلة والصور والأحلام والخيالات، والرؤيا الذاتية للروح هذا الذي يجذبك لأن الكاتب نفسه هو اختراع. ليس اختراعا كاملا، طالما أن كل شخصيات بيسوا ولدت من الضرورة الشخصية المؤلمة: هو اعترف بأن سواريس ليس حتى شخصية مستعارة حية، بل نصف شخصية مستعارة، نسخة مشوهة من نفسه، مُراجَع ومُختصَر ليخلق شخصية أكثر جوهرية من عدة أشكال من نفسه. بهذه الطريقة، بيسوا كان قادرا على أن يفعل بالتفكير ما لا يستطيع أن يفعله في الواقع – أن يهرب من قيود الخجل، حوّل نفسه إلى سرد، انفصل عن الواقع البشع الذي يتضح في رواية جوزيه ساراماجو الجميلة "سنة موت ريكاردو ريس"، التي فيها يظهر بيسوا الراحل حديثا كشبح يطارد مخلوقاته.

إنه مثير للاهتمام، وفي نفس الوقت مناسب إلى حد ما أن يظل بيسوا معروفا بشكل محدود. فقبل وقت طويل من أن تصبح ما بعد الحداثة صناعة أكاديمية، عاش بيسوا التفكيك. إلا أن قليلين ممن يكتبون بكثافة عن سخرية ما بعد الحداثة قد سمعوا عن ممارسها الأعظم. حقيقي أن بيسوا لم يسقط تماما من الملاحظة الأكاديمية. عميد النقد الأمريكي هارولد بلوم وصل لحد أن ضمه ضمن 26 كاتبا يرى أنهم أساسيين بالنسبة لـ"المجمع الغربي" – هذا التكريم لبيسوا من المؤكد أنه كان سيستقبله بابتسامة. ولكن على الأغلب يبقى بيسوا كما كان أثناء حياته: غامض، شخص غالبا غير موجود، ضمن العديد من أسمائه المستعارة التي ستجد فيها بعضا من أكثر الأصوات أصالة في الأدب الأوروبي.



[1]  المقصود كتاب اللا طمأنينة
[2]  Robert Musil (1880-1940) روائي ألماني يشتهر بروايته غير المكتملة المذكورة.
[3]  الرواية الوحيدة للشاعر الألماني

2012-06-03

زوج مثالي – أوسكار وايلد – اقتباسات



"قوة النساء تأتي من حقيقة أنه لا يمكن شرحنا سيكولوجيا. الرجال يمكن تحليلهم، النساء يُعشَقن فقط".

***

"أنا أحب أن  أتحدث عن لا شيء. إنه الشيء الوحيد الذي أعرف شيئا عنه".

***

"كما ترين، إنه من الخطير جدا أن تستمعي. إن استمع المرء ربما يقتنع؛ والرجل الذي يسمح لنفسه أن يقتنع في جدال هو شخص غير عاقل على الإطلاق".

***

"على المرء أن يلعب دوما بنزاهة... عندما تكون لديه الكروت الكسبانة".

***

"ماضي المرء هو ما عليه المرء. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يجب الحكم بها على الناس".

***

"الحياة ليست عادلة.. وربما كونها ليست كذلك هو  شيء جيد بالنسبة لمعظمنا".

***

"هل تعتقد حقا... أن الضعف هو الذي يذعن للإغراء؟ إذن فسأخبرك أن هناك إغراءات كبيرة تحتاج إلى القوة، القوة والشجاعة للإذعان إليها، أن يرهن المرء حياته كلها للحظة واحدة، أن يخاطر بكل شيء برمية واحدة، سواء كان الرهان على القوة أو اللذة، لا يوجد ضعف في هذا. هناك شجاعة كبيرة وعظيمة".

***

"الناس الآخرون بشعون جدا. الصحبة الوحيدة الممكنة هي صحبة المرء لنفسه".

***

"واجبي هو شيء لا أفعله مطلقا... إنه دائما ما يجعلني مكتئبا".

***

"النساء ليسوا موجودات ليحكمن علينا، ولكن ليغفرن لنا عندما نكون بحاجة للمغفرة. المغفرة وليس العقاب هو دورهن".


زوج مثالي
أوسكار وايلد
الاقتباسات من ترجمتي عن النص الإنجليزي