2012-07-28

خطاب قبول فوكنر لجائزة نوبل للآداب


الحفل الذي ألقيت فيه الكلمة أقيم في ستوكهولم يوم 10 ديسمبر 1950
 بمناسبة مرور 50 عاما على وفاة فوكنر (1897-1962)
نشر بجريدة أخبار الأدب 29/7/2012

ت: أمير زكي
يوليو 2012

***
سيداتي وسادتي

أدرك أن هذه الجائزة لم تُمنح لي كشخص، ولكن لأعمالي – عمل عمر في معاناة وكفاح الروح الإنسانية، لا للمجد وبالطبع لا للربح، ولكن لخلق شيء من مواد الروح الإنسانية لم يوجد من قبل. بهذه الطريقة فالجائزة ملكي فقط كمسئولية. لن يكون من الصعب إيجاد تخصيص للجزء المالي فيها لمكافئة غرض ودلالة أصلها. ولكني أود أن أقوم بالشيء نفسه بالنسبة للتقدير أيضا، عن طريق استخدام هذه اللحظة كذروة لما يمكن أن أكون قد سمعته عن طريق الشباب والشابات الذين وهبوا أنفسهم بالفعل لنفس الألم والمهنة، ومن ضمنهم هذا الشخص الذي سيقف يوما ما هنا في المكان الذي أقف فيه. 

مأساتنا اليوم هي خوف جسدي عام وعالمي طال تكبده إلى الآن وكذلك نستطيع تحمله. لم تعد هناك مشاكل للروح. هناك فقط السؤال: متى سيتم تفجيري؟ بسبب هذا، الشاب - أو الشابة - الذي يكتب اليوم نسي مشاكل القلب الإنساني الذي في عراك مع نفسه، هذا الذي يصنع وحده الكتابة الجيدة، لأن هذا فقط ما يستحق الكتابة عنه، ويستحق الألم والكدح.

عليه أن يتعلم ذلك مرة أخرى. عليه أن يُعلّم نفسه أن أساس كل الأشياء هو أن يكون خائفا؛ وأن يُعلَم نفسه ذلك معناه أن ينساه للأبد، لا يترك مساحة في عمله لأي شيء إلا لحقائق وتأكيدات قلبه القديمة، حقائق العالم القديمة: -  أي قصة تفتقد هذا هي قصة عابرة وميتة لا محالة – الحب والشرف والشفقة والفخر والرحمة والتضحية. وحتى يفعل ذلك فهو يعمل تحت لعنة؛ هو لا يكتب عن الحب بل عن الشهوة، عن الهزائم التي لا يخسر فيها أي أحد أي شيء ذو قيمة، عن انتصارات بلا أمل، والأسوأ من الكل، بلا شفقة أو رحمة. أحزانه لا تؤثر في عظام العالم، لا تترك ندوبا. هو لا يكتب عن القلب ولكن عن الغُدد.

حتى يعيد تعلم هذه الأشياء، سيكتب وكأنه يقف وسط البشر ويشهد نهايتهم. أنا أرفض تقبل نهاية الإنسان. من السهل بما يكفي القول إن الإنسان خالد ببساطة لأنه سيتحمل: فحين تطرق الضربة الأخيرة للقدر وتخفت من على الصخرة الأخيرة التي لا قيمة لها المعلقة الساكنة في المساء الأحمر المحتضر الأخير، حتى في وقتها سيظل صوتا واحدا باقيا: صوته الضعيف الذي لا يهدأ، لا يزال يتكلم.

أنا أرفض أن أقبل ذلك، أنا أؤمن أن الإنسان ليس فقط سيتحمل: ولكنه سينتصر. إنه خالد، ليس فقط لأنه الوحيد بين المخلوقات الذي لديه صوت لا يهدأ ولكن لأن لديه روح، نفس قادرة على الرحمة والتضحية والتحمل. واجب الشاعر والكاتب هو أن يكتب عن هذه الأشياء. إنه امتيازه ليساعد الإنسان ليتحمل عن طريق تعلية قلبه، بتذكيره بالشجاعة والشرف والأمل والفخر والرحمة والشفقة والتضحية، تلك التي كانت مجد ماضيه. صوت الشاعر لا يحتاج فقط لأن يكون تسجيلا للإنسان، إنه يمكن أن يكون واحدا من الدعائم، العواميد التي تساعده على أن يتحمل وينتصر.

2012-07-18

صورة دوريان جراي – أوسكار وايلد – اقتباسات


"ليس بين الكتب كتب أخلاقية وكتب منافية للأخلاق؛ فالكتب إما جميلة التأليف وإما رديئته. تلك هي خلاصة القول".

***

"ما من فنان يشتكي السقم أبدا؛ فالفنان يستطيع التعبير عن كل شيء في الحياة".

***

"اختلاف الظنون في العمل الفني دليل على أن العمل جديد ومعقد ونابض بالحياة، وكلما اختلف النقاد أحس الفنان بأنه أدى واجبه".

***

"الجمال الحقيقي يختفي حين تظهر مخايل الذكاء، والذكاء نفسه إسراف من الطبيعة، والإسراف يفسد التناسب في أي وجه، فالمرء إذا بدأ يفكر، تحول وجهه إلى جبهة كبيرة، أو أنف كبير، أو أي شيء من هذا القبيل. استعرض سائر النابهين في أي مهنة من مهن الفكر تر صورهم نماذج من البشاعة ليس لها مثيل، وقد يستثنى من ذلك رجال الكنيسة، ولكن هذا طبيعي فرجال الكنيسة لا يفكرون البتة، والأسقف يردد وهو في الثمانين ما لقن أن يقوله وهو في الثامنة عشرة".

***

بازيل هولوورد: "إن القدر يكيد لأصحاب الذكاء النابغ والجمال النابغ، ويتعقبهم كما يتعقب الملوك منذ فجر التاريخ بدون إشفاق. والخير لنا أن نكون من طينة العامة، فالأغبياء ودميمو الخلقة أسعد أهل الأرض طرا، لأن في وسعهم أن يجلسوا في اطمئنان، ويحملقوا كالبلهاء من أماكنهم في موكب الحياة الحافل، فإن فاتهم النصر فقد كفوا مرارة الهزيمة. هم يعيشون كما ينبغي أن نعيش جميعا، يعيشون في صفاء، لا يبالون بشيء، آمنين مطمئنين، لا يفسدون حياة أحد، ولا يفسد أحد حياتهم، أما نحن فندفع ثمن التفوق غاليا: أنت تدفع ثمن جاهك وحسبك، وأنا أدفع ثمن ذكائي وفني أيا كان قدرهما، ودوريان جراي يدفع ثمن جماله وشبابه، نعم يا هاري، لسوف ندفع ثمن ما حبتنا به الآلهة من نِعَم، ولسوف نتعذب عذابا أليما".

***

بازيل هولوورد: "... إذا أحببت أحدا من أعماق قلبي كتمت عن الناس اسمه؛ لأن في إعلانه شيئا من الخيانة، ولقد تعلمت الولع بالأسرار، ويبدو لي أن الأسرار هي ما بقى لنا في هذا العصر مما يملأ الحياة غرابة وغموضا، فأتفه الأمور يثير فضولنا إن هو حُجِب عنا، ولذلك تجدني لا أطلع أحدا على وجهتي كلما غادرت لندن في هذه الأيام، فإن فعلت فقدت كل شيء في رحلتي، أعترف لك بأنها عادة سيئة، ولكنها تدخل على الحياة شيئا من سحر الخيال".

***

"... اللذة الوحيدة في الزواج هي أنه يجعل حياة الغش لازمة للطرفين".

***

"إن أردت أن تكون طبيعيا فلا بد لك من التكلف، وأشد أنواع التكلف عندي هو التكلف الذي ألتزمه لأبدو طبيعيا".

***

لورد هنري: "الجبن والضمير اسمان لمدلول واحد يا بازيل، وكل ما هنالك أن الضمير هو الاسم الرسمي، الماركة المسجلة على حد قولهم".

***

"... أعطف من كل قلبي على الكره الذي تبديه الديمقراطية الإنجليزية لما تسميه مساويء الطبقة الراقية، فعامة الشعب تشعر بأن العربدة والغباوة والانحلال الخلقي امتيازات خاصة بها، وإذا اتصف أحدنا بنقيصة من هذه النقائص بدا أنه اعتدى على اختصاصات تلك الطبقة".

***

"... لا جدال في أن العبقرية أطول أجلا من الجمال، وهذه أفظع مأساة في حياتنا الإنسانية؛ ولذا ترانا نتكالب على تثقيف أنفسنا، وفي تنازعنا الوحشي للبقاء نبحث عن ذخيرة باقية؛ ولذا ترانا نحشو أدمغتنا، بالحقائق والترهات على السواء كيلا نفقد أمكنتنا في الحياة، وهي غاية سخيفة، إن المثل الأعلى في عصرنا هو الرجل الذي يعرف كل شيء، وجمجمة الرجل الذي يعرف كل شيء صندوق مزعج، بل هي حانوت من حوانيت العاديات اكتظ بالوحوش الأثرية وأكداس التراب، ولن تجد فيه سلعة لم يبالغ في تقدير ثمنها".

***

"إن تأثيرك في شخص ما معناه أنك تسبغ روحك عليه، مما يملأ رأسه بأفكار ليست أفكاره، ويملأ قلبه بعواطف ليست في طبعه، ويجعل من رذائله رذائل مستعارة من الغير، وبذلك يصبح صدري يردد ترنيمة رجل آخر، أو ممثلا يلعب دورا لم يكتب له. إن غاية الحياة تقدم الذات، وما خلق كل منا إلا لينمي ملكاته، ويصون طبيعته على الوجه الأكمل، ولكن الناس في هذه الأيام يخافون من أنفسهم، وينسون أن واجب الإنسان الأول هو واجبه نحو نفسه، فتراهم يطعمون الجياع ويكسون العراة وأرواحهم جائعة عارية. ولا بد من أحد أمرين، فإما أن شعبنا قد فقد شجاعته، أو أن الشجاعة لم تكن من صفاته في يوم من الأيام، فنحن عبيد الخوف: الخوف من المجتمع وهو جوهر الأخلاق، والخوف من الله وهو جوهر الدين".

***

"... لا نجاة من الغواية إلا بالاستسلام لها، فإن قاومت الغواية ذبلت روحك من شوقها إلى المحظور، وما حظر المحظور إلا رياؤها، وبكت نهما إلى الحرام، وما حرم الحرام إلا يأسها وإشفاقها".

***

"ما هذا اللغو الكثير الذي يردده الناس عن الوفاء! إن الحب نفسه مسألة فسيولوجية ولا دخل للإرادة فيها. أرى الشبان يحاولون الوفاء فيعجزون عنه، وأرى الشيوخ يحاولون الخيانة فيعجزون عنها. هذا كل ما نستطيع قوله عن الموضوع".

***

"... لن يستعيد إنسان شبابه إلا إذا ارتكب حماقاته من جديد".

***

لورد هنري: "لا تتزوج أبدا يا دوريان، فالرجال يتزوجون حين يقتلهم الملل، والنساء يتزوجن من باب الفضول، ولكنهم جميعا يندمون على ذلك".

***

لورد هنري: "اسمع يا بني إنما يؤمن بالتخصص أصحاب العقول التافهة، وما يسمونه بالوفاء أسميه أنا الكسل الناجم عن العادة، أو أسميه فقرا في الخيال حسب الحالة. إن الإخلاص في الحياة العاطفية يشبه انتظام التفكير في الحياة العقلية، كلاهما أمارة الفشل. ما هذا الوفاء الذي يتحدث عنه الناس! لا بد أن أحلله يوما من الأيام. إنه يقوم على غريزة الملكية، وكم من شيء لا نجدا بأسا من لفظه لولا خوفنا أن يلتقطه الآخرون".

***

"... ما عرفت فنانا قط جذاب الشخصية إلا وكان تافه الفن، أما كبار الفنانين فأشخاصهم تفنى تماما في عملهم، فلا يبقى للعالم من أشخاصهم ما يثير اهتمام أحد. والشاعر الفذ، أقصد الشاعر الفذ بمعنى الكلمة رجل خلت حياته من الشاعرية، أما صغار الشعراء فيسخرون الدنيا بشخصياتهم العجيبة، وكلما انحطت قوافيهم ارتفعوا في عيون الناس، حتى لتجد أن مجرد نشر ديوان من الشعر الركيك يجعل من صاحبه شخصية تأسر القلوب، فصغار الشعراء يمارسون الشعر الذي عجزوا عن قوله، وكبارهم يقولون الشعر الذي خافوا من ممارسته في الحياة".

***

"إن في الحياة سموما عجيبة لا سبيل إلى معرفة خواصها إلا أن تتسمم بها النفس، وإن في الحياة أمراضا غريبة لن يفهمهما بنو الإنسان إلا إذا نزلت بهم ثم خرجوا ناقهين، ولكن ثمرة الاختبار شهية، والحياة حلو مذاقها لمن عرف حقيقتها، وما ألذ أن يتأمل الإنسان العاطفة الرقيقة تقسو حتى تصير كالصارم المشحوذ، والعقل الغليظ يرق وتضفي عليه العاطفة جميل الألوان، ويرى كيف يلتقيان وكيف يفترقان! إن الثمن الذي ندفعه لنظفر بهذه التجربة بخس مهما علا، ولوجدنا بالحياة ذاتها، فالإحساس أثمن ما في الوجود، وفي سبيل الإحساس يهون كل شيء".

***

"إن منشأ احترامنا للآخرين هو خوفنا من ألا يحترمنا الآخرون، وأساس التفاؤل هو فزعنا من الكوارث لا أكثر ولا أقل، وإذا أحسنا الظن بجارنا نسبنا إليه من الفضائل ما قد يعود بالفائدة علينا، فنحن نقرظ مدير البنك لعله يقرضنا بعض المال، ونصف قاطع الطريق بالبطولة لعله يتجاوز عما في جيوبنا".

***

"... إن النساء كما وصفهم ذكي من أذكياء فرنسا يلهبن فينا الرغبة في القيام بروائع الأعمال، ثم يمنعننا من تنفيذ هذه الرغبة".

***

"إن السيجارة هي أحسن مثل لأحسن متعة، فهي لذيذة وهي لا تشبع حواسك تماما".

***

"... نحن نجد لتأنيب النفس لذة عظمى، وحين نؤنب أنفسنا نحس بأن الغير لا يملك حق تأنيبنا، فالاعتراف هو الذي يغسل خطايانا، وليس الكاهن الذي نعترف أمامه".

***

دوريان جراي: "... أنا أحب الفضائح إذا رويت عن الآخرين، أما الفضائح التي تروى عني فلا يهمني أمرها، لأنها لا تأتي بجديد".

***

"إن المرأة تتزوج مرتين إذا كانت تمقت زوجها الأول، أما الرجل فيتزوج مرتين إذا كان يعبد زوجته الأولى. في الزواج تجرب النساء حظهن، أما الرجال فيقامرون بحظهم".

***

"... الحب يحيا بالتكرار، والتكرار يصقل الرغبة ويكسبها صفة الفن. إن الحب واحد مهما تعدد موضوعه، وفي كل مرة يحب القلب لا يبقى فيه إلا حب واحد، والتعدد لا يضعف الحب، بل يذكيه، فالحياة لا تتسع إلا لاختبار واحد عظيم، وسر السعادة أن نكرر هذا الاختبار ما وجدنا إلى ذلك سبيلا".

صورة دوريان جراي
أوسكار وايلد
ت: لويس عوض
المشروع القومي للترجمة 2001

2012-07-14

اعترافات عارض للكتب – مقال لجورج أورويل




ت: أمير زكي
يوليو 2012

***

في غرفة نوم-جلوس باردة ولكنها خانقة، ممتلئة بأعقاب السجائر وأكواب شاي نصف ممتلئة، رجل برداء منزلي متآكل بفعل العث يجلس على طاولة مهزوزة، يحاول أن يجد مكانا لآلته الكاتبة وسط أكوام الأوراق المتربة التي تحيط بها. هو لا يستطيع أن يلقي بالأوراق، لأن سلة المهملات مفعمة بدورها، وإلى جانب ذلك، ففي مكان ما وسط الخطابات غير المردود عليها والفواتير غير المدفوعة من الممكن أن يكون هناك شيك أو إثنين ببعض الجنيهات هو أقرب للتأكد أنه نسي أن يصرفها من البنك. هناك أيضا خطابات بعناوين يجب أن توضع في فهرسه. لقد فقد فهرسه، وفكرة البحث عنه، أو الحقيقة فكرة البحث عن أي شيء تجعله يشعر بدوافع انتحارية حادة.

الرجل في الخامسة والثلاثين، ولكنه يبدو في الخمسين. عنده دوالي وريدية يرتدي نظارة أو كان سيرتديها لو لم تكن النظارة الوحيدة التي يملكها قد تلفت. إن كانت الأمور طبيعية معه فهو سيعاني من سوء التغذية، ولكن لو كان حظه جيدا سيعاني من الهبوط. حاليا الساعة الحادية عشر والنصف، ووفقا لجدوله فقد كان عليه أن يبدأ العمل من ساعتين؛ ولكن حتى لو صنع أي مجهود جاد ليبدأ سيكون متوترا بسبب الرنين الذي يكاد يكون مستمرا لجرس التليفون، صراخ الطفل، صوت الشنيور بالخارج في الشارع، وأحذية الدائنين الثقيلة تصعد وتهبط على السلالم. المعطل الأخير كان وصول بريد درجة ثانية جلب له منشورين ومطالبة بضريبة على الدخل مطبوعة باللون الأحمر.

لا نحتاج للقول إن هذا الشخص كاتب. ربما يكون شاعرا، روائيا، أو كاتب سيناريوهات أفلام أو حلقات للإذاعة، فكل رجال الأدب متشابهون إلى حد كبير، ولكن دعنا نقول إنه عارض كتب. طرد ضخم نصف مختف بين كومة من الكتب يحتوي على خمسة مجلدات كان قد أرسلها رئيسه مع رسالة تقترح أنه "من المفترض أن يكونوا مرتبطين ببعضهم البعض". كان قد وصل من أربعة أيام، ولكن لمدة 48 ساعة العارض كان ممتنعا بسبب التردد الأخلاقي عن فتح الطرد. بالأمس في لحظة حاسمة مزق الربطة ووجد خمسة مجلدات هم: "فلسطين في مفترق الطرق"، "صناعة الألبان بطريقة علمية"، "تاريخ مختصر للديمقراطية الأوروبية" (هذا الكتاب 680 صفحة ويزن أربعة أرطال)، "العادات القبلية في شرق أفريقيا البرتغالية"، ورواية؛ موضوعة بلطف بالأسفل، ربما وضعت بطريق الخطأ. عرضه – قل 800 كلمة – من المفترض أن يصل في ظهيرة الغد. 

ثلاثة من هذه الكتب تتعامل مع موضوعات يجهلها تماما لذا سيكون عليه أن يقرأ على الأقل 50 صفحة إن أراد أن يتجنب ارتكاب خطأ ما سيكشفه ليس فقط للكاتب (الذي يعلم بالطبع كل عادات عارض الكتب)، ولكن أيضا للقاريء العادي. عند الرابعة بعد الظهر سيكون قد أخرج الكتب من الورق الذي يلفها ولكنه لا يزال يعاني من عدم القدرة العصبية على فتحها. تصور قراءتها وحتى استنشاق رائحة الورق تؤثر فيه كتصور أن يأكل بودنج بارد بدقيق الأرز وبنكهة زيت الخروع. ولكن من الغريب بما يكفي أن عرضه سيصل إلى المكتب في الموعد. بطريقة ما فهو يصل هناك دوما في الموعد. نحو الساعة التاسعة مساء ذهنه سيصبح صافيا نسبيا، وحتى الساعات الأولى من الصباح سيجلس في غرفته التي ستصبح أكثر برودة، بينما دخان سجائره سيصبح أكثر كثافة، يثب بخبرة من كتاب إلى آخر، ينتهي من كل كتاب بتعليق أخير "يا الله، يا له من كتاب تافه!" في الصباح، بعينين غائمتين، ووجه مكفهر وذقن غير حليق، سيحدق لساعة أو اثنتين في الصفحة الخاوية حتى يخيفه إصبع الساعة المحذر ويجعله يتحرك. وفجأة سينغمس فيها. كل العبارات القديمة المبتذلة – "كتاب لا يجب أن يفوّته أحد"، "هناك شيء مميز في كل صفحة"، "شيء له قيمة خاصة في الفصول التي تناقش كذا وكذا وكذا". – كلها ستأخذ مواضعها كبرادة الحديد التي تتجه نحو المغناطيس، والعرض سينتهي بالحجم المطلوب بالضبط وسيكون لديه حوالي ثلاث دقائق ليرسله. أثناء ذلك كومة أخرى من الكتب المتنافرة غير الجذابة ستصل عن طريق البريد. ولكن كم كانت الآمال عظيمة لهذا المخلوق المقموع مضطرب الأعصاب عندما بدأ عمله، فقط من بضعة أعوام.

هل أبدو مبالغا؟ أنا أسأل أي عارض كتب منتظم – أي شخص يعرض، قل، مائة كتاب كحد أدنى في العام – إن كان يستطيع الإنكار بأمانة أن عاداته وصفاته هي كما وصفتها. كل كاتب، في أي حال، هو غالبا هذا النوع من الأشخاص، ولكن العرض الممتد والعشوائي للكتب هو عمل غير مقدر ومزعج ومنهك بشكل كبير واستثنائي. إنه لا يتضمن فقط مدح الرديء – وهو يتضمن ذلك، كما سأظهر بعد لحظات – ولكنه يخترع ردود فعل متواصلة تجاه كتب ليس للمرء مشاعر عفوية تجاهها. عارض الكتب، الذي ربما يكون ضَجِر، فهو مهتم باحترافية بالكتب، ومن ضمن آلاف الكتب التي تظهر سنويا، ربما يكون هناك 50 كتابا أو مائة سيستمتع بالكتابة عنها. إن كان مميزا جدا في مهنته ربما يضع يده على عشرة أو عشرين منها: وربما أكثر من ذلك يضع يده على إثنين أو ثلاثة. بقية عمله، مهما كان ملتزما في مدحه أو ذمه، هو ادعاء تام. هو يسكب روحه الخالدة في المزراب، نصف بينت[1] كل مرة.

الغالبية العظمى من العروض تقدم تقريرا غير مناسب أو مضلل للكتب التي تتعامل معها. بداية من الحرب الناشرون أصبحوا أقل قدرة من السابق على إثارة غضب المحررين الأدبيين، وهم يستدعون تسبحة المديح مع كل كتاب ينتجونه، ولكن من جهة أخرى فمعايير العرض انحدرت بسبب نقص المساحة والمضايقات الأخرى. برؤية النتائج، الناس يقترحون أحيانا أن الحل يقع في نزع عرض الكتب من أيدي المأجورين. الكتب ذات الموضوعات المتخصصة يجب أن يتم التعامل معها من قبل الخبراء، ومن جهة أخرى فكمية كبيرة من العرض، خاصة مع الروايات، ربما تتم جيدا عن طريق الهواة. تقريبا فكل كتاب قادر على إثارة مشاعر كبيرة، حتى لو كانت فقط مشاعر سلبية، في نفس قاريء أو آخر، التي ستكون أفكاره عنه بالتأكيد لها قيمة أكثر من المحترفين المضجرين. ولكن لسوء الحظ، وكما يعرف كل رئيس تحرير، فمثل هذا الأمر صعب جدا أن يتم تنظيمه. مع الممارسة كل رئيس تحرير دوما يجد نفسه يعود لفريقه من المأجورين – "المنتظمين لديه" كما يدعوهم. 

لا يوجد شيء مفيد في هذا طالما أصبح من المعتاد أن كل كتاب يستحق ان يُعرض. أقرب إلى المستحيل أن تذكر كتبا بكمية كبيرة بدون أن تبالغ في قيمة معظمها بوضوح. لو لم يكن هناك نوع من العلاقة المحترفة بين المرء وبين الكتب فالمرء لن يكتشف كم هي سيئة معظمها. في أكثر من تسع حالات من كل عشرة النقد الموضوعي الحقيقي الوحيد سيكون "هذا الكتاب لا قيمة له"، بينما الحقيقة هي أن رد فعل العارض على الأغلب هو "هذا الكتاب لا يعنيني على الإطلاق، ولم أكن لأكتب عنه لو لم يتم الدفع لي". ولكن العامة لن يدفعوا مقابل قراءة هذا النوع من الأشياء. لم عليهم ذلك؟ إنهم يحتاجون نوعا من الإرشاد إلى الكتاب المطلوب منهم أن يقرأوه، وهم يريدون نوعا من التقييم. ولكن طالما ذكر التقييم، انهارت المعايير. فإن قال أحدهم – وتقريبا كل عارض يقول مثل هذا الأشياء ولو لمرة أسبوعيا على الأقل – أن "الملك لير" مسرحية جيدة و"الرجال الأربعة العادلون" هي رواية إثارة جيدة، فما معنى كلمة "جيدة".

التدريب الأفضل، وكما بدا دائما لي، ببساطة أن يتم تجاهل الغالبية العظمى من الكتب وأن تقدم عروض طويلة جدا – ألف كلمة على الأقل – لكتب قليلة يبدو أنها مهمة. الملاحظات القصيرة المكونة من سطر أو إثنين للكتب القادمة من الممكن أن تكون مفيدة ولكن العرض المتوسط المعتاد الذي يتكون من حوالي 600 كلمة لا بد أن يكون بلا قيمة حتى لو كان العارض يريد بالفعل أن يكتب العرض. عادة هو لا يريد أن يكتبه. وأداء أسبوع بعد أسبوع من القصاصات ستحوله إلى هذا الشخص المقموع في الملابس المنزلية الذي وصفته في بداية المقال. على كل حال، فكل شخص في العالم لديه شخص آخر يستطيع أن يزدريه، وعليّ أن أقول، من خبرتي في العمل بالمهنتين، أن عارض الكتب أفضل من الناقد السينمائي، الذي لا يستطيع أن يقوم بعمله من المنزل، وعليه أن يحضر العروض التجارية في الحادية عشر صباحا، ومن المتوقع – مع استثناء أو إثنين ملحوظين – أن يبيع شرفه مقابل كأس من النبيذ الرديء.



[1]  البينت Pint حوالي نصف اللتر

2012-07-03

كان صرحا من خيال – سليم نصيب


رواية تدور حول قصة الحب بين أحمد رامي وأم كلثوم، هي رواية ستثير الاهتمام بلا شك، بشكل خاص للمهتمين بتجربة الفنانين، وبشكل عام للمهتمين بالتجربة الفنية والثقافية في مصر كلها. قصة الحب بين الشاعر أحمد رامي والمغنية الأسطورية أم كلثوم ليست فريدة فقط لأنها دارت بين قامتين ثقافيتين مصريتين، ولكن لأن التعبير عن هذا الحب الذي تجلى في أغانيها التي كتبها لها يتردد يوميا في الشوارع والبيوت والمسارح المصرية من العشرينيات من القرن الماضي وحتى اليوم، بالإضافة إلى تردده في أذهان كل متحدثي العربية وعشاق أم كلثوم.

الربط بين الخاص والعام في قصة حب الشاعر والمطربة عبر عنه السارد في الرواية - وهو أحمد رامي - عندما غنت أمل كلثوم في الرواية أغنية "إن كنت أسامح" فتحمس لها الجمهور، فيسرد رامي: "لم أسمع من قبل تهليلا من قِبَل جمهور على هذا القدر من التلقائية. فقد أصاب نقطة تدفق الألم. وكان هذا فظيعا لأن هذا الألم كان ألمي أنا، وقد فَهِمَته بلمح البصر أو استعادته، حزني أنا، في مكان عام، ليلاقي مثل هذا الصدى الهائل. كل رجل في الصالة أصبح أنا، كل واحد منهم نهَل من النبع وتلوّى من حرقة حب لا يمكن سلوانه. بدا الأمر أكبر مني. فاستجابة الجمهور بلغت أقصى ما قد تبلغه أية استجابة، وأدركت أن الأمر يتخطى حلقة الغرام.. أو أن كل ما حولنا هو حلقة غرام، وضعنا، عصرنا، ومصر بأسرها".

جاذبية الرواية المعتمدة على قصة الحب - هذا الذي تكتشفه بداية من الغلاف الخلفي - يتم إحباطها قليلا بعنوان الرواية وهو تحديدا عنوان الطبعة العربية (وفقا للغلاف الخلفي فالرواية التي كتبت أصلا بالفرنسية بيد سليم نصيب اللبناني الأصل تحمل عنوان "أم" كتعبير عن أم كلثوم) أما النسخة العربية فحملت عنوان "كان صرحا من خيال" وكأن واضعي العنوان (سواء المترجم أو دار النشر) لم يجدوا من أشعار أحمد رامي لأم كلثوم (وقد كتب لها حوالي ثلث أغانيها ومنها الكثير بالفصحى) جملة مناسبة تعنون الكتاب وتكون أكثر تطابقا مع فكرته، حتى يختاروا جزءا من قصيدة الأطلال لإبراهيم ناجي.

أحمد رامي – في الرواية – الذي عاد إلى مصر من بعثته بفرنسا، حاملا معه ترجمة "رباعيات الخيام" من الفارسية بدا أشبه بمن دخل رحلة حب صوفية، بداية من اللحظة التي استمع فيها لكلماته: "الصب تفضحه عيونه" وأم كلثوم تغنيها بحديقة الأزبكية مرتدية الزي البدوي. تفاصيل قصة الحب تقدم ما يمكن أن نتوقعه من عاشق مثل رامي، حب ينوء بحمله الأكبر طرف واحد وإلهة تصعد على أكتاف هذا الطرف – مثلما تصعد على أكتاف آخرين – نحو تحقيق الأسطورة، ولكن رغم ذلك لم يقدم سرد شخصية أحمد رامي أي شيء يعني تنفير حقيقي من شخصية أم كلثوم.

شخصية رامي كانت واعية بأن شخصية أم كلثوم أشبه بإلهة خنثى، الروائي استخدم هنا ما يشاع عن مثلية أم كلثوم، ليقدم وجهة نظر في شخصيتها تضمنها قول رامي الآتي: "إذا كان لا بد لها أن تكون شيئا ما، أقول أنا، إنها خنثى، رجل وامرأة معا، لا جنس لها، لأنها من الجنسين. وإلى ذلك هي أم، لأن العبارة الأولى في اسمها: أم، أم الجميع، وأم بدون ولد. وقديسة أيضا لأنها تتحدر من سلالة النبي، وتحمل اسم واحدة من بناته. ومع ذلك هي امرأة أيضا، بالطبع امرأة ليست لأي من الرجال، بُرج من لحم مُرتعش لكنه لا يُمَس. كنت أدرك أنني أوقفت حياتي على استحالة حية، على إلاهة خنثى، على مسخ". 

هذه العلاقة قد تحتوي على لحظات تمرد، مثل رفضه طلبها بأن يتوقف عن الكتابة لمحمد عبد الوهاب، وعندما حدث خلاف بينهما بسبب قصيدة غنتها بعد أن عرضها على عبد الوهاب ورفضها، شعر بالحرية. ولكن العودة متكررة، وهذه العلاقة لن تجعل زواجه يحمل عاطفة أو أن يكون ناجحا بطريقة ما. 

جزء من جاذبية الرواية، وهو أمر لا بد من أن يكون مقصودا من قبل الكاتب هو توضيح السياقات السياسية والثقافية والاجتماعية التي تسير بداخلها علاقة الحب تلك، قد يضيف الكاتب تلميحات بسيطة عن هذه السياقات، أو يخصص العديد من الصفحات عنها مثل الصفحات التي خصصت لثورة يوليو وأزمة 1954 وانقلاب الثورة على الإخوان المسلمين، وما يتبع ذلك من مسارات.

حدث أكثر من مرة أن وجد خطأ تاريخي في الرواية، ولا أعرف إن كان الكاتب قصد هذا لتضفير أخطائه مع الدراما أم أنه أخطأ فعلا، فلأن أم كلثوم – في الرواية – تريد أغنية أكثر بهجة يكتب لها أحمد رامي أغنية "الخلاعة والدلاعة مذهبي" وهي أصلا أغنية "يونس القاضي". في موضع آخر يكتب نصيب أن أغنية "وحقك أنت المنى والطلب" لإيمان الشبراوي، وقد عدلها المترجم ونسبها لعبد الله الشبراوي. 

أحمد رامي مستغرق في قصة الحب بحيث تتحول كل الموضوعات الأخرى التي يلامسها إلى موضوعات شبحية بالنسبة لهمه الأساسي؛ عمله، زواجه، آراءه الموسيقية في مدى نجاح التجديد الذي يحدث في الموسيقى الشرقية، ميله غير المعلن لطرف محمد نجيب في أزمة مارس، امتعاضه مما أدت له ثورة 1952 من انغلاق ورحيل للأجانب حتى لو كان هذا فقط لأنه سيؤثر على حياته الشخصية، لأنه سيفقد خياطه وطبيب أسنانه، وصاحبة المطعم الذي يتردد عليه، وكلهم من الأجانب.

أشارت الرواية إلى ما تردد عن اتهام أم كلثوم ومجموعة شعراءها وملحنيها بالهزيمة التي تعرضت لها مصر وتبلورت مع حرب 1967، هذا الاتهام الذي يطال فيما يطال أحمد رامي، رامي كاتب أغاني الذل الأساسي لأم كلثوم. 

مع نهاية الرواية نكتشف أن ما تسرده شخصية أحمد رامي هي كتابة موجهة لحفيده طارق الذي يظهر مع الفصول الأخيرة للرواية. 

ترجمة بسام حجر كانت موفقة في المجمل، وإن افتقدت بعض الجمل السلاسة أو الإحكام، هوامش قليلة أضافها المترجم لتصحيح خطأ او للإشارة لمعلومة تاريخية. 

شخصية أحمد رامي - وطبيعة علاقته بأم كلثوم - هي شخصية وسمت جيلا بأكمله، جيلا يتصف غالبا بصفات حب هذا الشاعر، لذلك فاستخدام الشخصية ثقافيا للشهادة على عصره هو عمل ذكي، أدى لرواية جذابة لم تحتاج سوى لربط الأحداث واستخراج دلالاتها بمهارة.

كان صرحا من خيال
سليم نصيب
ت: بسام حجر
دار العين
تقييم المدونة: 7/10