2011-12-06

"أنا لما أعد قادرا على الكتابة عن": خطابات صمويل بيكيت 1941-1956

مقال لستيفن ميتشلمور
ت: أمير زكى
ديسمبر 2011

جزيل الشكر لستيفن ميتشلمور لسماحه بالترجمة
Many thanks to Stephen Mitchelmore who permitted to translate his post

***

قريبا سيتكرر الحديث عن طلب بيكيت بأن وحدها الخطابات التى لها علاقة بأعماله هى التى يمكن أن تنشر بنفس قدر طلب كافكا من ماكس برود. الفارق هو أننا غالبا سنأسف لأن منفذى وصية بيكيت لم يكونوا غير مخلصين جدا لها. بغض النظر عن الثراء الذى تضمه الخطابات فسوف نتساءل دائما عن تلك المتعلقة بحياته. على كل حال فالمجلد الأخير يركز على طبيعة هذا التساؤل الضرورية والتى لا يمكن تجنبها.

غلاف المجلد الثانى يقول إن الخطابات تغطى الفترة من 1941 حتى 1956، إلا أن الخطاب الأول يعود لتاريخ 17 يناير 1945. السنوات المفقودة كانت سنوات الحرب التى عاش بيكيت معظمها عاملا فى مجتمع زراعى فى عمق "المنطقة الحرة" هاربا من باريس المحتلة وقد كان على وشك الاعتقال. من هناك كان يبعث بطاقات بريدية لأسرته فى أيرلندا، لم يتلقونها، وفى 12 يناير 1941 أرسل خطابا داخل بطاقة لجيمس جويس. ما الذى تحتويه؟ لا نعرف. فجيمس جويس مات فى اليوم التالى.

إن لم يكن لدينا معرفة مباشرة لما اختبره بيكيت فى هذا الوقت، فهو يظل مفهوما بشكل غير مباشر. الكاتب الشاب الواعد ذو الحماس القلق تحول إلى شخص أهدأ، شاعرى بدرجة حادة ولكن أقل ميلا للمبالغة، أكثر تسامحا مع الكتاب المحايدين وأكثر تركيزا على الكتابة، الكتابة فحسب. الذى جعل مهمة المحررين شاقة بشكل خاص (وذلك يتضمن إقناع الأوصياء بالنشر) هو تحفظ بيكيت على مناقشة تفاصيل أعماله. عندما كان يذكر أعماله كان يبدو متمنعا بشكل حاد. لذلك فبدلا من أن أقدم عرضا للخطابات، فسوف أركز على هذه الغرابة الظاهرة.

هذا غريب لأن بيكيت كان متعلما ومثقفا بشكل استثنائى – الخطابات إلى جورج دوثويت، الذى كان الملمح الرئيسى فى المجموعة، تعتبر دليلا كافيا على الأمرين – وقبل الحرب كان ينشر المقالات النقدية، ومن ضمنها دراسة عن بروست. وهناك دليل قوى على تعليمه المتنوع فى رواياته أيضا: مولوى مثل الأنثروبولوجيا بسبب "الملكة المستمرة للسلب". لا توجد براءة إلهية فى العمل. المرء يتوقع أن يجد خطابا واحدا على الأقل يظهر القرارات الصغيرة التى تمت أثناء "الحصار داخل الحجرة" الشهير بينما كان يكتب "مولوى" و"مالون يموت" و"اللا مسمى". إلا أن أقرب ما يصل إليه هو التعليق على إمكانية العمل ككل: "هذا العمل هو كل كامل، فقط طالما يتعامل المرء مع استحالة الاستمرار كشىء مسلم به". هذا كثير، على الأقل، بالنسبة لتشاؤمية بيكيت المزعومة. ما يقوله لمترجمه الألمانى هانز نومان يوحى بأنه لم يكن شيئا جديدا: عندما كان يقابل جيمس جويس كانا "نادرا ما نتكلم فى الأدب، هو لم يكن يحب فعل ذلك، ولا أنا".

كان عليه أن يكون أكثر انفتاحا مع المسرحيات: بينما كانت "فى انتظار جودو" قيد الإنتاج، عرف منه المخرج روجر بلين "روح المسرحية.. وهى أنه لا شئ أكثر عبثية من التراجيدى". خلافا لذلك فهو تجنب كل طلبات الشرح والمقابلات وأصدر تصريحا وحيدا عن علاقته بالمسرحية: "كل ما كنت قادرا على فهمه أظهرته". الصمت إذن كما يزعم بيكيت ليس سببه بأنه لديه أى شىء يخفيه، وإنما سببه الجهل. "ربما يمكنك أن تضعنى ضمن تصنيف البائسين هؤلاء الذين إذا كان باستطاعتهم الفعل بوعى كامل بما يفعلونه، فهم لن يفعلوه". هل هذا تخابث؟ الإجابة، التى ربما تكون نعم أو لا، من الممكن أن تظهر الطبيعة المختلفة للا-منهجية بيكيت.

فى اللحظة التى أصبح شهيرا فيها، تلقى بيكيت خطابات من سائلين فضوليين عن أصول أعماله. يقول هانز نومان مرة أخرى: "هل أعمال كافكا لعبت أى دور فى حياتك الروحية؟". هو اعتذر من رده: "أنا لا أريد أن أبدو مقاوما للتأثيرات. أنا فى الحقيقة لاحظت أننى كنت دائما قارئا سيئا، غير منتبه بشكل لا يمكن علاجه، أبحث عن شىء فى مكان آخر. وأعتقد أنه يمكننى القول، بدون نية التناقض، أن خبرات القراءة التى أثرت فيّ بشكل أكبر هى التى أرسلتنى بشكل أفضل إلى هذا المكان الآخر". ويقول عن قراءة كافكا: "شعرت أننى فى وطنى.. بشكل كبير". هو لم ينه "القلعة" لأنها لم ترسله إلى مكان آخر: "أذكر أننى شعرت بالانزعاج من الجانب الهادئ فى كتابته. أنا أتحفظ على الكوارث التى تدع نفسها تُسجّل كحوادث تقريرية". 

وكما يلمح ذلك، فالخطابات المتعلقة بأعماله تكون أكثر قوة حينما ينظر بيكيت بعيدا. والحقيقة فهو يكون أكثر تعبيرا فقط كأقصى ما يكون بيكيت عندما يتحدث عن شكل فنى مختلف تماما. رسوم برام فان فيلد، كما قال لدوثويت هى "الحبل السرى للمستحيل". ففنه "جديد لأنه الأول الذى يجرد العلاقات من كل أشكالها. إنه ليس علاقة مع هذا أو ذاك النظام المتضاد الذى يرفضه". كما يقول "ولكن حالة الوجود فى علاقة كما هى، حالة أن تكون فى المواجهة". بهذا نستطيع أن ندرك الانسحاب الذى يرتبط به سرد بيكيت والذى يختبره القارئ. 

"أنا أفكر دوما فى الرسوم الأخيرة، معجزات من العجز المهتاج، إلى جانب جمال وروعة كحطام سفينة من الضوء الفسفورى، هى هكذا أدبية تماما طوال حياة المرء، مع طرق عظيمة متسعة حيث كل شىء يندفع ويعود مرة أخرى، إلى جانب الهدوء المحطم للعمق الحقيقى".

بيكيت يقر بما نشك فيه: "حاملا فى الذهن أنه أنا الذى يتكلم عن نفسه بالكاد، يتكلم عن أشياء أخرى قليلة". 
 هو وصل لأن يطلق على برام فان فيلد رفيقه الروحى: "كلما نزلت لأسفل، كلما شعرت بأننى إلى جانبه تماما، وأشعر كم أن مغامرتنا، بالرغم من الاختلافات، تتشابه، فى التجاهل وفى الأسى".
 
سبب صمت بيكيت الجدلى بعد الحرب يمكن أن يعبر عنه بأفضل شكل بما ينهيه فى خطابه لفان فيلد: "أنا لم أعد قادرا على الكتابة عن". مثل هذه الفكرة، مثل هذه الكتابة، هى مجرد علاقة. فالتناقض المتضمن فى إطلاق هذه التصريحات لا يمكن أن يمر بدون أن تلاحظ: "أن تكتب فهذا مستحيل، إلا أنه مستحيل بما يكفى". هناك أيضا الحاجة إلى الكلام. كتب إلى توماس مكجريفى عن "شعور عدم القدرة على التصرف... وعدم القدرة على الكلام، وعدم القدرة على الاستقرار أيضا كما أعتقد، تجاه الأعمال الفنية".

فى المقابل، فإشارة بيكيت للأدب المعاصر قليلة ومتباعدة زمنيا فيما بينها: هو أعجب برواية سالينجر "الحارس فى حقل الشوفان" "أكثر من أى شىء من فترة طويلة". على أى حال فبالنسبة لى فالكشف العظيم للخطابات هو تعامله من آن لآخر مع أعمال موريس بلانشو. مبكرا وفى أكتوبر 1948، هو ذكر استلام مقال غير محدد تم بعثه من قبل دوثويت، غالبا من أجل الترجمة. بعد ثلاث سنوات ترجم بيكيت فقرات مما سيكون مقال "منطق ساد" ومقدمة كتاب "سقطة" الذى صادف وتضمن هذه الفقرة:

"الكاتب يجد نفسه فى وضع عبثى متزايد بسبب أنه ليس لديه شىء ليكتبه، وليس لديه وسيلة عن طريقها يكتبه، وبكونه مقيد بالحاجة المطلقة الدائمة لكتابته". 

قارن ذلك بالفقرة الشهيرة فى "الحوارات الثلاثة" التى كتبها مع دوثويت:

"لا يوجد شىء يمكن التعبير عنه، لا شىء بواسطته يمكن التعبير، لا شىء من خلاله يمكن التعبير، لا توجد قدرة على التعبير، ولا رغبة فى التعبير، كل هذا مع حتمية التعبير".

لا يوجد أثر متبق من هذه الترجمات، ولا حتى اسم الجريدة المفترض نشرها فيها. فى أبريل عام 1951، هو ترجم أيضا مقال "خطاب هولدرلين المقدس" الذى جمع فى كتاب بلانشو "أعمال النار"، وكان يشكو من مقاطع هايدجر "المترجمة بشكل سىء جدا". ولكن لم يبق لذلك أثر أيضا. فى نفس الشهر، نشرت "مولوى" ورشحت لجائزة النقاد تلك التى كان بلانشو محكما فيها. هو تحمس للرواية "بدون تحفظ" وحاول إقناع اللجنة لإعطاءها الجائزة. كتبت سوزان شريكة بيكيت لجيروم ليندون قائلة: "أن يتم الدفاع عنه من قبل شخص كبلانشو فهو الشىء المهم عند بيكيت، بغض النظر عن النتيجة". فى عام 1954، عندما كان بيتر سوركامب يعد عددا خاصا ببيكيت وطلب عروضا باللغة الفرنسية، أخبره بيكيت بأن عروض موريس نادو وجورج باتاى هى الأفضل "ولكن الأهم على الإطلاق، بالنسبة لى، هو المقال الأخير لموريس بلانشو". وهو كان يقصد مقاله "أين الآن؟ مَن الآن؟" الذى نشر فى مجلة "لا نوفيل ريفيو فرانسيس" فى أكتوبر عام 1953. هذا هو أقصى تعليقه، وهذا مفهوم بسبب رسمية الخطاب، إلا أنه لم يذكر المقال فى رسائل أخرى، أو كرد على طلب تحليل نصوصه. وإن كان هذا التحفظ غير خادع، فربما نجد سببه فى كلمات بلانشو:
"الذى يباغتنا لأول وهلة هو أن الشخص هنا لا يكتب من أجل الغرض المستحق وهو إنتاج كتاب جيد. ولا يكتب كرد فعل على الدافع النبيل الذى نطلق عليه الإلهام، ولا ليقول شيئا محددا هو بحاجة لقوله، ولا لأن هذه وظيفته، ولا لأنه يأمل عن طريق كتابته بأن يصل للمجهول. هل عليه إذن أن يقوم بذلك؟... ما هو هذا الفراغ الذى يصبح خطابا داخل ماهية هذا الذى يستغرق فيه؟" (ترجمة إلى الإنجليزية: ساشا روبينوفيتش).

الفراغ بالتالى من الممكن أن يكون سلبية مذهولة، استغراق فى مكان آخر:

"الفن يحتاج ممن يمارسه أن يدمر نفسه من أجل الفن، عليه أن يكون شىء آخر، وليس مجرد شخص آخر، لا يتحول فقط من الإنسان الذى كانه إلى الفنان صاحب الواجبات والتضحيات والاهتمامات الفنية، ولكن إلى لا أحد، مساحة فارغة متحركة، حيث يتم الاستماع لكل ما يستدعيه الفن".

ما الذى على الكاتب أن يفعله ليسد هذا الفراغ؟ إن بحثنا فى الخطابات من أجل أن نجد سر بيكيت فنحن نخون إعجابنا واحتياجنا. السؤال الذى يدعى البراعة عليه أن يتجرد من البحث عن إجابة. واحد من آخر الخطابات فى هذا المجلد موجه إلى كاتب شاب يبحث عن الإرشاد والعزاء من الكاتب الذى يقدره، فيقول لروبرت بينجيت: "لا تفقد إصرارك.. صِل نفسك باليأس وغنه من أجلنا".

فى مقال "الكل نحو النهاية" وهو إسهامه فى تأبين بيكيت، يتذكر بلانشو فشل رواية "مولوى" فى الفوز بجائزة النقاد، ويشير إلى سذاجته وهو يحاول تنبيه أعضاء النخبة الأدبية لاستحقاقها. روايات بيكيت الأولى، كما يقول، كانت "غريبة على مصادر الأدب". حتى اليوم المرء لا يستطيع أن يتخيل أن تحصل مثل هذه الرواية على أى شىء سوى تصنيف "لا يمكن قراءتها". يقارن بلانشو بين الميل المسرحى فى رفض سارتر لجائزة نوبل وبين ابتعاد بيكيت: "هو لم يقبل ولم يرفض جائزة ليست موجهة لعمل بعينه (لا يوجد عمل بعينه عند بيكيت) ولكنها ببساطة محاولة لضم هذا الصوت أو الهمهمة أو التمتمة والمهدد دائما بالصمت إلى حدود الأدب". الملامح الجانبية تؤكد اللا طمأنينة: "لا يوجد عمل عند بيكيت". يكمل بلانشو ويشير إلى عمله "انتظار النسيان": "'طالما كان بيكيت يرغب فى معرفة نفسه فى هذا النص". هل يعنى هذا أن بيكيت كان يراسل بلانشو؟ ماذا اكتشف عنه بلانشو أيضا؟ ربما المجلدين الثالث والرابع يعلمونا عن ذلك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق