2011-09-25

أناشيد ريكاردو ريس - بيسوا - اقتباسات


"ليديا أنا أخشى المصير، لا شىء أكيد،
فى أيما لحظة قد يحدث لنا
ما يبدلنا بالكامل"

***

"دعك ليديا، من بناء المستقبل
فى الحيز الذى تشغلين، لا تُمنّى نفسك
بالغد. أكملى اليوم عملك بدون إبطاء.
لست مستقبلا أنت. من يدرى؟
بين القدح الذى تُفرغين والقدح نفسه
الذى تملئين قد يدُسّ
لك الحظ الهاوية.

***

على الجبين الفارغ ابيَضّ
شَعْر الشاب الذى كُنْتُه
عيناى تومضان أقل
فمى ما عاد جديرا بالقُبَل.
إن كنت ما تزالين على حبك لى،
فمن أجل الحب لا تحبينى:
معى ستخونيننى.

***

"دع الريح تمر
لا تسألها شيئا
ليس لها من معنى
غير أنها الريح التى تمر.."

***

لا يهمنا إلا قليلا
كل ما هو جدىٌّ
كل ما هو خطير.
ليترك الدافع الطبيعى للغريزة
مكانه للمتعة اللا مجدية
لأداء مباراة شطرنج جيدة
تحت الظل الساكن للأشجار.

ما نأخذه من هذه الحياة
الباطلة، مجدا أم شهرة، حبا أم علما،
ليس بأفضل من ذكرى
مباراة كسبناها
أمام لاعب جيد.

عبء هو المجد مثل حزمة ثقيلة،
الشهرة كالحُمّى،
الحب مُتعِب لأنه جدىٌّ،
العلم لا يتوصل إلى شىء أبدا،
الحياة تمضى وتؤلم...
أما لعبة الشطرنج
فتمسك بالروح كاملة، ولا تُكلّف إلا القليل
إن خسرت لأنها لا شىء

***

كُلٌّ يُنْجِز الغاية المُناطة به
ويرغب فيما يرغب فيه من غايات؛
فلا هو ينجز ما يرغب فيه
ولا هو يرغب فيما يُنْجزه.

كالأحجار بجانب الحجارين
يضعنا القَدَر. وهنالك نَبْقَى.
فليضعنا الحظ
حيث علينا أن نكون.

***

إرغب فى القليل: تملك الكل
إرغب فى لا شىء: تَكُن حرا
نفس الحب الذى يكنونه
لنا، يضطهدنا.

***

دع ما لا يخصك من رغبات،
ولو كان سارا،
حسبك رغباتك.

***

لن تكون ما أنت إياه،
لأن الزمن والصدفة
سيجعلانك آخر.
لماذا تصر إذن على أن تكون
ما لن تكونه؟

فرناندو بيسوا
أناشيد ريكاردو ريس
ت: المهدى أخريف

2011-09-18

اليوم السادس – أندريه شديد

 
 كنت متحمسا لقراءة رواية (اليوم السادس) لأندريه شديد لأننى أحب الفيلم الذى صنعه يوسف شاهين عنها، ولكنى لن أتحدث عن الفروق بين العملين - وهى موجودة بوضوح بما يجعل الكلمات المفتاحية للعملين مختلفة -  وأحب أن أوفر الكتابة هنا للتركيز على الرواية، خاصة أنها آثارتنى بشكل لا يقل عن الفيلم.

صديقة هى الشخصية الأساسية فى الرواية، إنها روايتها بوضوح، ولكن أندريه شديد ربما تعبر عن وعى شخصيات أخرى، كالطالب مثلا الذى يساعد صديقة، أما الشخصيتين اللتين تليان صديقة فى الأهمية فهما مروض القرود أوكازيون ثم أبو نواس صاحب المركب الذى ينقلها إلى القرية.

أكثر ما أدهشنى فى الرواية هو الحس الوجودى المتمثل فى مواجهة القدر ومأسوية الاختيارات التى تتحملها الشخصية الرئيسية (والأنثوية) صديقة، هذا رغم تلقائية الشخصية إذ أننا لا نتابع شخصية مثقفة ويتبين ذلك لأننى نرى أن هناك شخصيات أخرى تحمل فكرا (مثقفا) فى الرواية كالمعلم والطالب وأوكازيون وأبو نواس.

صديقة تواجه مثلها مثل آخرين مرض الكوليرا الذى يفتك بالبلد، الكوليرا هنا كمعبر عن القدر كما يشير المترجم (حمادة ابراهيم)، وربما طبيعة المرض هنا تسير على التوازى مع طاعون ألبير كامو فى روايته (الطاعون).

صديقة شخصية صلبة إلى حد العند، شخصية قوية، نكتشف فى منتصف الرواية كيف تلقت الضربات بشجاعة لكى لا تتزوج الخطيب المنتظر الذى قبله أبيها من أجل سعيد زوجها الحالى، مثلما نرى أنها تتخلى عن سعيد ببساطة من أجل حماية حفيدها، هى تلعب لعبة التمسك والتخلى معتزة باختياراتها، امراة قوية ولكن ما جدوى ذلك حين تجد نفسها فى مواجهة القدر، وحدها، فى حين أن حسن حفيدها وأملها الوحيد المتبقى يتلاشى أمامها بفعل الكوليرا.

لعبة التمسك والتخلى تظهر من البداية حين نراها وهى تزور قريتها التى فتكت بها الكوليرا بعد فوات الأوان، لتجد أختها ميتة، ابن اختها يذكر أن أمه لم تكن لتتركهم مطلقا، ربما يحيل فى ذلك لترك صديقة للقرية، صديقة تعرف حقا ما هو التخلى. يمكنها أن تتخلى عن قريتها من أجل سعيد، والآن لا يمكنها أن تتخلى عن المدينة من أجل على البدوى الذى يعدها بحياة أخرى، حياة تنعم فيها بالصحة ولكن فى الصحراء "فحيثما كثر الناس فسد الهواءتلتفت صديقة إلى على أملا فى تحيته قبل رحيله، ولكن هذه المرة أيضا بعد فوات الأوان. 

صديقة تتمسك بالمدينة وتحلم بأن يصير حفيدها حسن متعلما وصاحب مهنة فيها، ربما مثل الأستاذ سليم الذى يبدو فى الرواية، ولفترة قصيرة، المقابل للجهل والفقر والظلم، والذى كانت تذهب معه ومع  حسن إلى المتحف المصرى ليشاهدوا المومياوات، ولكن سريعا ما يقع رمز التعليم والاستنارة نفسه ضحية الكوليرا وضحية الجهل والفقر والظلم.

كنا نعرف من الفصل الأول إن يؤخذ من قبل السلطات لأنه مصاب بالكوليرا لا يعود. ولكن المعلم حسن، الذى سلم نفسه للإسعاف بسبب كونه مثقفا، أخبرها أن بعد ستة أيام من الكوليرا إما أن يموت المرء أو يبعث من جديد. انتظرته صديقة وحسن ستة أيام وبعدها: "صبر الطفل والمرأة ستة أيام أخرى، ولكن الانتظار مرة أخرى لم يُجد شيئا. وعندئذ، ودون أن يعترف كل منهما لصاحبه أعرضا معا عن التعلق بالأمل". 

مرة أخرى تقع صديقة تحت وطأة لعبة التخلى والتمسك بما سيضيع منها، من المتبقى لها سوى سعيد وحسن؟، تخطر لها فكرة "إذا كان على أحدهما أن يموت، فأولى أن يكون الكهل"، سعيد مشلول الآن ولا جدوى منه. تشعر بالأسى لفكرتها حينا، ولكن حينما يأتى وقت الاختيار بين البقاء والرحيل محاولة لإنقاذ حسن الذى يصاب بدوره بالكوليرا تترك سعيد وترحل، أملا فى يوم سادس يبرأ فيه الطفل. 

ولكنها الآن تواجه الموت، تعتقد أن صلابتها وقدرتها على الاختيار لا تزال قائمة، يقول لها حسن:
-         "سأموت.. هذه هى الحقيقة.
فتجيب
-         ليست هذه الحقيقة."
شخصية أوكازيون مروض القرود والثانية فى الأهمية بالرواية، تحمل على صعلكتها ميل فكرى نيتشوى، أوكازيون الذى يقلد بهلوانا يسير على حبل مشدود كمهرج نيتشه، ويصف الحياة أيضا أنها حبل مشدود كالإنسان الذى هو حبل مشدود على هاوية كقول الفيلسوف الألمانى، يقول لصديقة: "يجب أن يتطلع الإنسان إلى ما هو أعلى منه، وإلا انتهى كما تنتهى القوقعة، وبطنها ملتصق بالأرض". أوكازيون يرى الموت فى وجوه ساكنى المدينة، يعلم أن الكوليرا لا تزال موجودة بينهم، وهو غيرهم فلا يملك أشياء كثيرة لدرجة أنه تتملكه، وإنما هو فقط يلتقط من الأرض وينصرف، أوكازيون يؤمن بالأرض "الأرض تتشبث بقدمى خشية أن أطير، إنها عجوز عاهر تتمسك بى أكثر مما يجب" أو "أنا لا أعرف إلا الأرض أما الماء والهواء فهما ليسا من اختصاصى".. وهو لا يطمح ليوم سادس (كصديقة) يحدث فيه الخلاص. 

أوكازيون يساعد بينتشويته فى التخلص من مرضى الكوليرا حيث يرشد عليهم السلطات مقابل النقود التى تجعله حرا، بحيث لا يأبه بالنقود التى تأتى له من عمله كمهرج هو وقرده (أو قردته – وتلك كان إحدى عيوب الترجمة فلم يستقر المترجم على كون مونجا قردا أم قردة). أوكازيون يساعد صديقة على الرحيل من المدينة على ظهر مركب جاهلا بحقيقة ما تحمله (الولد المصاب بالكوليرا). صاحب المركب هو أبو نواس. أبو نواس يحمل من البداية أفكارا ربما نصفها بالعدمية، أول ما نسمعه منه:
"فى الأرض أو فى الماء
ستضيع أغنيتى
وحيث يرتفع السواد
ستضيع أغنيتى".

وعندما يكتشف أوكازيون الذى وجد نفسه مضطرا لأن يصحبهم فى الرحلة على المركب أن الطفل مريض، يدافع عن نفسه ويحاول إيقاف الرحلة، فى المقابل يقول أبو نواس: "الموت دائما بصحبتنا".

إنه رجل بلا مستقبل وبلا ماض، كان من الممكن أن يولد فى أى زمان وفى أى مكان، كل ما .. يلزمه هو مركب ونهر لكى يضرب فى البحر دون أن يهتم بما يدور حوله. هكذا يراه أوكازيون.

نهاية الرواية لم تحمل الخلاص الذى كانت تنتظره صديقة فى اليوم السادس، فقد مات الطفل، ولكن مع ذلك حملت تصالحا بين كل من على المركب، أوكازيون بينتشويته وأبو نواس بعدميته وصديقة التى لا يبقى فى حياتها الكثير الآن. الكل أصر على أن الطفل حى، بحيث كونه موجود فى كل مكان، هذا التصالح ضايقنى شخصيا، فلم أجده مقنعا، ولكن ربما أرادت شديد أن توفق بين أفكار عصرها (كتبت الرواية عام 1960)، فقط لأن الحياة يجب أن تستمر.

اليوم السادس
أندريه شديد
ت: حمادة إبراهيم
المشروع القومى للترجمة
تقييم المدونة: 7/10

2011-09-11

آرثر ميلر – لماذا قللت أمريكا من سمعته


تقرير لشارلوت هيجينز


ترجمة أمير زكى
أغسطس 2011


 ***

عندما توفى الكاتب المسرحى آرثر ميلر عام 2005 كتبت صحيفة وول ستريت جورنال فى خبر وفاته: "المدعى العظيم، آرثر ميلر لم يتلق الإعجاب تماما، ولأسباب وجيهة". مجلة نيو كرايتريون كانت أكثر حدة حيث قالت عنه إنه "دمية شيوعية". 

كان اسمه ملطخا فى أمريكا، كان يتم التعامل معه على أن سنواته الأفضل كفنان انتهت فى الخمسينيات، بالإضافة لكونه دمر سمعته بالتزامه الدائم بفكر أقصى اليسار. وكونه تصرف بشكل لا يمكن غفرانه حين أودع ابنه المصاب بمتلازمة داون[1] ملجأ فى الوقت الذى ولد فيه.

ولكن كاتب سيرته الذاتية كريستوفر بيجسبى، الذى تحدث فى مهرجان إدنبره الدولى للكتب، دافع عن كاتب (وفاة بائع متجول) و(الاختبار)، فوضعه للوليد الجديد دانييل فى ملجأ عام 1967 فى رأيه كان سببه أن ميلر والمصورة الفوتوغرافية إين موراث التى كانت زوجته وقتها "اتبعا بالضبط نصيحة الأطباء التى تلقوها آنذاك، فهذا هو بالضبط ما كان يُقترح على الناس"، إلا أنه ألمح مع ذلك إن فشل ميلر فى زيارة ابنه بشكل منتظم هو أمر يجعله يحمل ذنب الإنكار.

بيجسبى، أستاذ الدراسات الأمريكية بجامعة شرق أنجليا، تحدث أيضا عن أن سمعة ميلر تشوهت فى أمريكا بسبب أن الرأى العام الأمريكى "لم ينس ولم يسامحه على ماركسيته. على العكس هنا فى بريطانيا، فمن الصعب أن ننزعج من ذلك، لأن لدينا العديد من الكتاب المسرحيين الاشتراكيين والذين يكتبون مسرحيات (بريطانية)". وأضاف أن سمعة ميلر فى بريطانيا تزايدت بالمقارنة بأمريكا.

بيجسبى ناقش أيضا أن شعور ميلر بالتاريخ فى مسرحياته أربك الأمريكيين. "إنها دولة مهاجرين، تميل لتجاوز الماضى، ونسيان الخلفية التى تركتها وراءك لأنك تتجه نحو المستقبل. ما وجده ميلر فى أمريكا إنها بلد لا تهتم بالتاريخ باستثناء كونه (أسطورة). بينما قال إن ميلر كان يعتقد أن "الماضى لم يمت، وأننا نحمل الماضى معنا. وأننا نساوى ماضينا".

تحدث بيجسبى عن الجزء الثانى من سيرة ميلر الذاتية، التى تغطى الفترة من 1962 حتى 2005. فى هذه الفترة كتب مسرحياة عظيمة كـ (منظر من على الجسر)، (وفاة بائع متجول)، (الاختبار)، وانهار زواجه بمارلين مونرو الذى استمر لأربع سنوات. يشير بيجسبى أن بعض النقاد يعتقدون أنه من الصواب أن نتوقف عند نهاية الجزء الأول.

ولكن بيجسبى دافع عن القسم الثانى من حياة ميلر، متحدثا عن نشاطه السياسى، وهجومه اللاذع على حرب فيتنام، لقد وضع نفسه موضع الخطر وبفخر.

هو أيضا توقع أن مسرحياته الأخيرة مثل الساعة الأمريكية (1980)، والزجاج المكسور (1994)، ستوضع فى النهاية ضمن أعمال ميلر العظيمة، وكذلك المسرحيات القصيرة مثل المرآة المزدوجة (1982) واليانكى الأخير (1991).

وعلى الرغم من أن ميلر "كان عدوا للكتاب الطليعيين" فى الستينيات، إلى أن بيجسبى تحدث عن أن (المرآة المزدوجة) "كانت راديكالية مثلها مثل أى شىء عُرض فى هذه الفترة".

ميلر كان ابنا لمهاجر يهودى إلى نيويورك. أبوه ايزيدور سافر وحيدا وهو فى سن السادسة، عابرا المحيط الأطلنطى، ولافتة حقائب معلقة على رقبته. ايزيدور ميلر الأمى أصبح غنيا، ولكنه فقد كل ما يملك فى الكساد الكبير، تلك الخبرة أثرت بشكل كبير على حياة وفن آرثر ميلر. وفقا لبيجسبى فهو "اكتشف أن كل شىء من الممكن أن يضيع، أننا فى موضع الخطر، نعتقد أننا نقف على أرضية صلبة، ولكنها من الممكن أن تنكسر تحتنا.

عمل ميلر لعامين فى مستودع لقطع غيار السيارات ليجمع المال ليلتحق بالجامعة، ونشر رواية حققت مبيعات عالية قبل أن ينتقل جديا لكتابة المسرح. كلهم أبنائى ظهرت عام 1947، ووفاة بائع متجول بعدها بعامين. الاختبار تبعتهما عام 1953 فى ذروة التحقيقات التى كانت تجريها لجنة النشاطات المضادة لأمريكا.

من خلال المخرج إيليا كازان تعرف ميلر على مارلين مونرو، قال بيجسبى "ميلر عاملها بتهذيب، وهى كانت تريد أن تؤخذ بجدية". فى عام 1956 ترك زوجته الأولى ليتزوج مونرو، ولكن العلاقة "انهارت بشكل كارثى أثناء تصوير فيلم الشاذون. حيث تجمدت العلاقة فى قلب نيفادا". يقول بيجسبى.

فى عام 1962 تزوج من إين موراث، المصورة الفوتوغرافية النمساوية بوكالة ماجنوم، واستمرت علاقتهما حتى وفاتها بعد 40 عاما. طفلتهما الأولى ريبيكا ميلر أصبحت مخرجة وكاتبة قصة قصيرة وروائية، تزوجت من دانييل دى لويس، الذى مثل مع وينونا رايدر وبول سكوفيلد فى فيلم (الاختبار) الذى أخرجه نيكولاس هيتنر عام 1996.


[1]  Down syndrome مرض سببه خلل الكروموسومات، يؤدى إلى أعراض عديدة وتشوهات عقلية وجسدية بالطفل المصاب.

2011-09-04

سِفرى المفضل بالكتاب المقدس


سِفرى المفضل بالكتاب المقدس
مقال لهارولد بلوم

ترجمة: أمير زكى
سبتمبر 2011

***

ربما يبدو من الحمق أن أتحدث عن أفضل سفر فى الكتاب المقدس، ولكن سفرى المفضل إلى حد بعيد هو (يونان). سفر رائع وحاذق يتكون من أربعة إصحاحات قصيرة. سفر يونان ظهر فى رواية هرمان ملفيل (موبى ديك) حيث كان مضمون نص عظة الأب مابل العظيمة. السفر مختبئ مع أسفار الأنبياء الصغار[1]، مع أنبياء حادين مثل عاموس وميخا، ولكن يونان خارج هذا السياق، كان لا بد أن ينضم لكتابات مثل نشيد الأنشاد، أيوب، لأنه يملك أيضا أسلوبا أدبيا عاليا. أقرب إلى نموذج الأمثال ولكن فى ثياب القصة القصيرة. سخرية الكاتب (J)[2] تتجدد عند كاتب يونان، الذى ربما كان أيضا يتهكم على جدية النبى يوئيل. رؤيا يوئيل كانت عن دمار الطبيعة "يوم غزو الجراد"، رؤيا يونان المقابلة هى عن الحياة، والاستقلال فى مقابل النزوات الإلهية.

انجذبت ليونان لأول مرة كصبى صغير فى المعبد فى ظهيرة يوم الغفران، عندما قرئ كاملا بصوت عال. بدا لى ذا اختلاف كبير عن بقية ما قرئ فى الخدمة، من حيث شكله ومضمونه، إنه ذو تأثير كافكاوى.

مؤلف سفر يونان غالبا ألفه فى فترة متأخرة بالنسبة للتقليد النبوى، فى وقت ما أثناء القرن الثالث قبل الميلاد. هناك نبى يدعى يونان فى سفر الملوك الثانى (14-25) ولكنه لا يشبه فى شىء يونان المهمل الذى بُعث ليعلن لأهل نينوه أن الله ينوى أن يدمر مدينتهم ليعاقبهم على شرورهم. يونان المبكر هو نبى حرب، بينما يوناننا يهرب بدهاء من مهمته، ليركب سفينة تتجه لترشيش.

لا أحد يبدو مثيرا للإعجاب فى سفر يونان، سواء الله أو يونان أو قائد السفينة ورجاله، أو ملك نينوى وشعبه. حتى اليقطينة التى كانت تحمى يونان من الشمس انتهت نهاية سيئة.[3] هناك بالطبع السمكة الكبيرة (ليست حوتا للأسف)[4] التى ابتلعت يونان لثلاثة أيام قبل أن تخرجه بأمر الله. ليست مثل موبى ديك، فلا تشعرك بالخوف ولا الحسرة.

ويليام تيندل[5]، ترجم سفر يونان، مزودا نسخة الملك جيمس بنصه الأساسى، ولكن ليس بالمرح الذى يظهر من خلال المراجعات. فى مقدمة أقرب إلى أن تكون سلبية لنسخته (قطعة سرد قوية)، تيندل قارن بحقد بين اليهود الذين رفضوا المسيح وبين شعب نينوه الذى صدق يونان وتاب. هذه مقارنة ضعيفة ولكنها تذكرنى بأن تيندل الكاتب العظيم كان أيضا متعصبا.

سفر يونان يعتبر من الأدب العظيم لأنه طريف جدا. التهكم لا يمكن أن يكون أكثر بريقا حتى عند جوناثان سويفت. يونان نفسه نبى متمرد ولا يريد العمل، جبان وسىء الطباع. لا يوجد سبب فى أن يكون نبى موثوق فيه على هذه الشاكلة: إيليا وإليشع قاسيين، إرميا يعانى من اكتئاب ثنائى القطب، حزقيال رجل مجنون. البارانويا والنبوة يبدو أنهما يتحركان معا، وكاتب سفر يونان يسخر من كل من بطله ويهوه فى عودة للسخرية العظيمة للكاتب (J) صاحب الصوت الأرستقراطى الشكاك المرح، المقلل من الظهور الذكورى، الذى لا يؤمن بشىء ولا يرفض شيئا، والمهتم بشكل خاص بحقيقة الشخصيات.

النبى يونان الغارق بين أمثلة ونصوص إشعيا وإرميا ويوئيل مستاء حقا من وضعه كشخص يعانى متأخرا من قلق التأثير النبوى. فلو تجاهلته نينوه فسوف يتم تدميرها، جاعلة من مهمته بلا جدوى، ولو أخذته مأخذ الجد فسوف يثبُت أن رسالته كاذبة. فى كلتا الحالتين فمعاناته بلا جدوى، ويهوه أيضا لا يُظهر تجاهه أى اهتمام. وهو عندما يصلى من بطن السمكة يحاكى بتهكم كُتّاب المزامير بغض النظر عمن هم.

بالنسبة لنينوى المسكينة التى ارتدت – حتى حيواناتها - المسوح وتغطت بالرماد فقد أرجأ يهوى تدميرها. وترك يقطينة غريبة الأطوار كانت حياتها قصيرة جدا ودمارها حث غريزة الموت عند يونان. وما تبقى هو سؤال يهوه البليغ اللاهى:

"أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التى يوجد فيها أكثر من إثنتى عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم و بهائم كثيرة"[6]

من المحتمل أن تكون البهائم (الحيوانات فى النص العبرى) قادرة على تحديد الاتجاهات على عكس سكان نينوه أو أورشليم أو نيويورك. وضع يونان مع الأنبياء الصغار كان خطأ أدبيا ارتكبه جامعى الكتاب. أو ربما هم حكموا على السفر الصغير بشكل جيد، ولم يريدوا إخفاء الملمح السويفتى عن الأنبياء والنبوة.



[1]  أسفار الأنبياء الصغار هى اثنا عشر سفرا بالعهد القديم بالكتاب المقدس، وهى أسفار قصيرة لذلك سميت بأسفار الأنبياء الصغار. (المترجم)
[2]  وفقا لإحدى نظريات نقد الكتاب المقدس فأسفار موسى الخمسة مستقاة من كتابات العديد من الكتاب: الكاتب اليهوى أو الكاتب (J) هو كاتب جنوبى وربما يكون أيضا قد كتب فى قصر داود وسليمان. (بلوم)
[3]  يبست اليقطينة بفعل الله كما فى الإصحاح الرابع من السفر. (المترجم)
[4]  الترجمة العربية تذكر كملة (حوت)، بالإضافة إلى التنويعة القرآنية على قصة النبى يونس التى تذكر أن حوتا ابتلعه أيضا. (المترجم)
[5]  William Tyndale (تقريبا 1494-1536) مترجم إنجليزى بروتستانتى، ترجم أجزاء كبيرة من الكتاب المقدس إلى الإنجليزية (المترجم)
[6]  الترجمة العربية للكتاب المقدس، سفر يونان الإصحاح الرابع، آية 11 (المترجم)